السبت، 6 أغسطس 2022

مجلد9.و10. إحياء علوم الدين المؤلف : محمد بن محمد الغزالي أبو حامد

 

9 إحياء علوم الدين
المؤلف : محمد بن محمد الغزالي أبو حامد

وقال أبو سليمان الدارانى رحمه الله تعالى تنفس فقير دون شهوة لا يقدر عليها أفضل من عبادة غنى ألف عام
وعن الضحاك قال من دخل السوق فرأى شيئا يشتهيه فصبر واحتسب كان خيرا له من ألف دينار ينفقها كلها فى سبيل الله تعالى
وقال رجل لبشر بن الحارث رحمه الله ادع الله لى فقد أضر بى العيال فقال إذا قال لك عيالك ليس عندنا دقيق ولا خبز فادع الله لى فى ذلك الوقت فإن دعاءك أفضل من دعائى وكان يقول مثل الغنى المتعبد مثل روضة على مزبلة ومثل الفقير المتعبد مثل عقد الجوهر فى جيد الحسناء وقد كانوا يكرهون سماع علم المعرفة من الأغنياء وقد قال أبو بكر الصديق رضى الله عنه اللهم إنى أسالك الذل عند النصف من نفسى والزهد فيما جاوز الكفاف
وإذا كان مثل الصديق رضى الله عنه فى كماله يحذر من الدنيا ووجودها فكيف يشك فى أن فقد المال أصلح من وجوده هذا مع أن أحسن أحوال الغنى أن يأخذ حلالا وينفق طيبا ومع ذلك فيطول حسابه فى عرصات القيامة ويطول انتظاره ومن نوقش الحساب فقد عذب ولهذا تأخر عبد الرحمن بن عوف عن الجنة إذ كان مشغولا بالحساب كما رآه رسول الله صلى الله عليه و سلم ولهذا قال أبو الدرداء رضى الله عنه ما أحب أن لى حانوتا على باب المسجد ولا تخطئنى فيه صلاة وذكر وأربح كل يوم خمسين دينارا وأتصدق بها فى سبيل الله تعالى قيل وما تكره قال سوء الحساب ولذلك قال سفيان رحمه الله اختار الفقراء ثلاثة أشياء واختار الأغنياء ثلاثة أشياء اختار الفقراء راحة النفس وفراغ القلب وخفة الحساب واختار الأغنياء تعب النفس وشغل القلب وشدة الحساب وما ذكره ابن عطاء من أن الغنى وصف الحق فهو بذلك أفضل فهو صحيح ولكن إذا كان العبد غنيا عن وجود المال وعدمه جميعا بأن يستوى عنده كلاهما فأما إذا كان غنيا بوجوده ومفتقرا إلى بقائه فلا يضاهى غناه غنى الله تعالى لأن الله تعالى غنى بذاته لا بما يتصور زواله والمال يتصور زواله بأن يسرق وما ذكر من الرد عليه بأن الله ليس غنيا بالأعراض والأسباب صحيح فى ذم غنى يريد بقاء المال وما ذكر من أن صفات الحق لا تليق بالعبد غير صحيح بل العلم من صفاته وهو أفضل شىء للعبد بل منتهى العبد أن يتخلق بأخلاق الله تعالى وقد سمعت بعض المشايخ يقول إن سالك الطريق إلى الله تعالى قبل أن يقطع الطريق تصير الأسماء التسعة والتسعون أوصافا له أى يكون له من كل واحد نصيب وأما التكبر فلا يليق بالعبد فإن التكبر على من لا يستحق التكبر عليه ليس من صفات الله تعالى وأما التكبر على من يستحقه كتكبر المؤمن على الكافر وتكبر العالم على الجاهل والمطيع على العاصى فيليق به نعم قد يراد بالتكبر الزهو والصلف والإيذاء وليس ذلك من وصف الله تعالى وإنما وصف الله تعالى أنه أكبر من كل شىء وأنه يعلم أنه كذلك والعبد مأمور بأنه بأنه يطلب أعلى المراتب إن قدر عليه ولكن بالاستحقاق كما هو حقه لا بالباطل والتلبيس فعلى العبد أن يعلم أن المؤمن أكبر من الكافر والمطيع أكبر من العاصى والعالم أكبر من الجاهل والإنسان أكبر من البهيمة والجماد والنبات وأقرب إلى الله تعالى منها فلو رأى نفسه بهذه الصفة رؤية محققة لا شك فيها لكانت صفة التكبر حاصلة له ولائقة به وفضيلة فى حقه إلا أنه لا سبيل له إلى معرفته فإن ذلك موقوف على الخاتمة وليس يدرى الخاتمة كيف تكون وكيف تتفق فلجهله بذلك وجب أن لا يعتقد لنفسه رتبة فوق رتبة الكافر إذ ربما يختم للكافر بالإيمان وقد يختم له بالكفر فلم يكن ذلك لائقا به لقصور علمه عن معرفة العاقبة ولما تصور أن يعلم الشىء على ما هو به كان العلم كمالا فى حقه لأنه

فى صفات الله تعالى ولما كانت معرفة بعض الأشياء قد تضره صار ذلك العلم نقصانا فى حقه إذ ليس من أوصاف الله تعالى علم يضره فمعرفة الأمور التى لا ضرر فيها هى التى تتصور فى العبد من صفات الله تعالى فلا جرم هو منتهى الفضيلة وبه فضل الأنبياء والأولياء والعلماء فإذن لو استوى عنده وجود المال وعدمه فهذا نوع من الغنى يضاهى بوجه من الوجوه الغنى الذى يوصف به الله سبحانه وتعالى فهو فضيلة أما الغنى بوجود المال فلا فضيلة فيه أصلا فهذا بيان نسبة حال الفقير القانع إلى حال الغنى الشاكر
المقام الثانى فى نسبة حال الفقير الحريص إلى حال الغنى الحريص
ولنفرض هذا فى شخص واحد هو طالب للمال وساع فيه وفاقد له ثم وجده فله حالة الفقد وحالة الوجود فأى حالتيه أفضل فنقول ننظر فإن كان مطلوبه ما لا بد منه فى المعيشة وكان قصده أن يسلك سبيل الدين ويستعين به عليه فحال الوجود أفضل لأن الفقر يشغله بالطلب وطالب القوت لا يقدر على الفكر والذكر إلا قدرة مدخولة بشغل والمكفى هو القادر ولذلك قال صلى الله عليه و سلم اللهم اجعل قوت آل محمد كفافا وقال كاد الفقر أن يكون كفرا أى الفقر مع الاضطرار فيما لا بد منه وإن كان المجلوب فوق الحاجة أو كان المطلوب قدر الحاجة ولكن لم يكن المقصود الاستعانة به على سلوك سبيل الدين فحالة الفقر أفضل وأصلح لأنهما استويا فى الحرص وحب المال واستويا فى أن كل واحد منهما ليس يقصد به الاستعانة على طريق الدين واستويا فى أن كل واحد منهما ليس يتعرض لمعصية بسبب الفقر والغنى ولكن افترقا فى أن الواجد يأنس بما وجده فيتأكد حبه فى قلبه ويطمئن إلى الدنيا والفاقد المضطر يتجافى قلبه عن الدنيا وتكون الدنيا عنده كالسجن الذى يبغى الخلاص منه ومهما استوت الأمور كلها وخرج من الدنيا رجلان أحدهما أشد ركونا إلى الدنيا فحاله أشد لا محالة إذ يلتفت قلبه إلى الدنيا ويستوحش من الآخرة بقدر تأكد أنسه بالدنيا وقد قال صلى الله عليه و سلم // إن روح القدس نفث فى روعى أحبب من أحبب فإنك مفارقه // حديث إن روح القدس نفث في روعي أحبب من أحببت فإنك مفارقه تقدم // وهذا تنبيه على أن فراق المحبوب شديد فينبغى أن تحب من لا يفارقك وهو الله تعالى ولا تحب ما يفارقك وهو الدنيا فإنك إذا أحببت الدنيا كرهت لقاء الله تعالى فيكون قدومك بالموت على ما تكرهه وفراقك لما تحبه وكل من فارق محبوبا فيكون أذاه فى فراقه بقدر حبه وقدر أنسه وأنس الواجد للدنيا القادر عليها أكثر من أنس الفاقد لها وإن كان حريصا عليها فإذن قد انكشف بهذا التحقيق أن الفقر هو الأشرف والأفضل والأصلح لكافة الخلق إلا فى موضعين أحدهما غنى مثل غنى عائشة رضى الله عنها يستوى عنده الوجود والعدم فيكون الوجود مزيدا له إذ يستفيد به أدعية الفقراء والمساكين وجمع همهم والثانى الفقر عن مقدار الضرورة فإن ذلك يكاد أن يكون كفرا ولا خير فيه بوجه من الوجوه إلا إذا كان وجوده يبقى حياته ثم يستعين بقوته وحياته على الكفر والمعاصى ولو مات جزعا لكانت معاصيه أقل فالأصلح له أن يموت جوعا ولا يجد ما يضطر إليه أيضا فهذا تفصيل القول فى الغنى والفقر
ويبقى النظر فى فقير حريص متكالب على طلب المال ليس له هم سواه وفى غنى دونه فى الحرص على حفظ المال ولم يكن تفجعه بفقد المال لو فقده كتفجع الفقير بفقهره فهذا فى محل النظر والأظهر أن بعدهما عن الله تعالى بقدر قوة تفجعهما لفقد المال وقربهما بقدر ضعف تفجعهما بفقده والعلم عند الله تعالى فيه

بيان آداب الفقير فى فقره
اعلم أن للفقير آدابا فى باطنه وظاهره ومخالطته وأفعاله ينبغى أن يراعيها
فأما أدب باطنه فأن لا يكون فيه كراهية لما ابتلاه الله تعالى به من الفقر أعنى أنه لا يكون كارها فعل الله تعالى من حيث إنه فعله وإن كان كارها للفقر كالمحجوم يكون كارها للحجامة لتألمه بها ولا يكون كارها فعل الحجام ولا كارها للحجام بل ربما يتقلد منه منة فهذا أقل درجاته وهو واجب ونقيضه حرام ومحبط ثواب الفقر وهو معنى قوله صلى الله عليه و سلم يا معشر الفقراء أعطوا الله الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم وإلا فلا وأرفع من هذا أن لا يكون كارها للفقر بل يكون راضيا به وأرفع منه أن يكون طالبا له وفرحا به لعلمه بغوائل الغنى ويكون متوكلا فى باطنه على الله تعالى واثقا به فى قدر ضرورته أنه يأتيه لا محالة ويكون كارها للزيادة على الكفاف وقد قال على كرم الله وجهه إن لله تعالى عقوبات بالفقر ومثوبات بالفقر من علامات الفقر إذا كان مثوبة أن يحسن عليه خلقه ويطيع به ربه ولا يشكو حاله ويشكر الله تعالى على فقره ومن علاماته إذا كان عقوبة أن يسوء عليه خلقه ويعصى ربه بترك طاعته ويكثر الشكاية ويتسخط القضاء وهذا يدل أن كل فقير فليس بمحمود بل المحمود الذى لا يتسخط ويرضى أو يفرح بالفقر ويرضى لعلمه بثمرته إذ قيل ما أعطى عبد شيئا من الدنيا إلا قيل له خذه على ثلاثة أثلاث شغل وهم وطول حساب
وأما أدب ظاهره فأن يظهر التعفف والتجمل ولا يظهر الشكوى والفقر بل يستر فقره ويستر أنه يستره ففى الحديث إن الله تعالى يحب الفقير المتعفف أبا العيال وقال تعالى يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف وقال سفيان أفضل الأعمال التجمل عند المحنة وقال بعضهم ستر الفقر من كنوز البر
وأما فى الأعمال فأدبه أن لا يتواضع لغني لأجل غناه بل يتكبر عليه قال علي كرم الله وجهه ما أحسن تواضع الغنى للفقير رغبة في ثواب الله تعالى وأحسن منه تيه الفقير على الغنى ثقة بالله عز و جل فهذه رتبة وأقل منها أن لا يخالط الأغنياء ولا يرغب في مجالستهم لأن ذلك من مبادىء الطمع
قال الثورى رحمه الله إذا خالط الفقير الأغنياء فاعلم أنه مراء وإذا خالط السلطان فاعلم أنه لص
وقال بعض العارفين إذا خالط الفقير الأغنياء انحلت عروته فإذا طمع فيهم انقطعت عصمته فإذا سكن إليهم ضل
وينبغي أن لا يسكت عن ذكر الحق مدامنة للأغنياء وطمعا في العطاء
وأما أدبه في أفعاله لا يفتر بسبب الفقر عن عبادة ولا يمنع بذل قليل ما يفضل عنه فإن ذلك جهد المقل وفضله أكثر من أموال كثيرة تبذل عن ظهر غنى روى زيد بن أسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم درهم من الصدقة أفضل عند الله من مائة ألف درهم قيل وكيف ذلك يا رسول الله قال أخرج رجل من عرض ماله مائة ألف درهم فتصدق بها وأخرج رجل درهما من درهمين لا يملك غيرهما طيبة به نفسه فصار صاحب الدرهم أفضل من صاحب المائة ألف // حديث زيد بن أسلم درهم من الصدقة أفضل عند الله من مائة ألف قيل وكيف يا رسول الله قال أخرج رجل من عرض ماله مائة ألف الحديث أخرجه النسائي من حديث أبي هريرة متصلا وقد تقدم في الزكاة ولا أصل له من رواية زيد بن أسلم مرسلا // وينبغى أن لا يدخر مالا بل يأخذ قدر الحاجة ويخرج الباقى وفى الادخار ثلاث درجات إحداها أن لا يدخر إلا ليومه وليلته وهى درجه الصديقين والثانية أن يدخر لأربعين يوما فإن ما زاد عليه داخل فى طول الأمل وقد فهم العلماء ذلك من ميعاد الله تعالى لموسى عليه السلام

ففهم منه الرخصة فى أمل الحياة أربعين يوما
وهذه درجة المتقين والثالثة أن يدخر لسنته وهى أقصى المراتب وهى رتبة الصالحين ومن زاد فى الادخار على هذا فهو واقع فى غمار العموم خارج عن حيز الخصوص بالكلية فغنى الصالح الضعيف فى طمأنينة قلبه فى قوت سنته وغنى الخصوص فى أربعين يوما وغنى خصوص الخصوص فى يوم وليلة وقد قسم النبي صلى الله عليه و سلم نساءه على مثل هذه الأقسام فبعضهن كان يعطيها قوت سنة عند حصول ما يحصل وبعضهن قوت أربعين يوما وليلة وهو قسم عائشة وحفصة
بيان آداب الفقير فى قبول العطاء إذا جاءه بغير سؤال
ينبغى أن يلاحظ الفقير فيما جاءه ثلاثة أمور نفس المال
وغرض المعطى وغرضه فى الأخذ
أما نفس المال فينبغى أن يكون حلالا خاليا عن الشبهات كلها فإن كان فيه شبهة فليحترز من أخذه وقد ذكرنا فى كتاب الحلال والحرام درجات الشبهة وما يجب اجتنابه وما يستحب
وأما غرض المعطى فلا يخلو إما أن يكون غرضه تطييب قلبه وطلب محبته وهو الهدية أو الثواب وهو الصدقة والزكاة والذكر والرياء والسمعة إما على التجرد وإما ممزوجا ببقية الأغراض
أما الأول وهو الهدية فلا بأس بقبولها فإن قبولها سنة رسول الله
A // حديث أن قبول الهدية سنة تقدم أنه صلى الله عليه و سلم كان يقبل الهدية // ولكن ينبغى أن لا يكون فيها منة فإن كان فيها منة فالأولى تركها فإن علم أن بعضها مما تعظم فيه المنة فليرد البعض دون البعض فقد أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم سمن وأقط وكبش فقبل السمن والأقط ورد الكبش // حديث أهدي إلى النبي صلى الله عليه و سلم سمن وأقط وكبش فقبل السمن والأقط ورد الكبش
أخرجه أحمد في أثناء حديث ليعلى بن مرة وأهدت إليه كبشين وشيئا من سمن وأقط فقال النبي صلى الله عليه و سلم خذ الأقط والسمن وأحد الكبشين ورد عليها الآخر وإسناده جيد وقال وكيع مرة عن يعلى بن مرة عن أبيه // وكان صلى الله عليه و سلم يقبل من بعض الناس ويرد على بعض // حديث كان يقبل من بعض الناس ويرد على بعض رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة وأيم الله لا أقبل بعد يومي هذا من أحد هدية إلا أن يكون مهاجريا الحديث فيه محمد بن إسحق ورواه بالعنعنة //
وقال لقد هممت أن لا أتهب إلا من قرشى أو ثقفى أو أنصارى أو دوسى // حديث لقد هممت أن لا أتهب إلا من قريشي أو ثقفي أو أنصاري او دوسي أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة وقال روى من غير وجه عن أبي هريرة قلت ورجاله ثقات // وفعل هذا جماعة من التابعين
وجاءت إلى فتح الموصلى صرة فيها خمسين درهما فقال حدثنا عطاء عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال من أتاه رزق من غير مسألة فرده فإنما يرده على الله // حديث عطاء مرسلا من أتاه رزق من غير وسيلة فرده فإنما يرد على الله عز و جل لم أجده مرسلا هكذا ولأحمد وأبي يعلى والطبراني بإسناد جيد من حديث خالد بن عدي الجهني من بلغه معروف من أخيه من غير مسئلة ولا إشراف نفس فليقبله ولا يرده فإنما هو رزق ساقه الله عز و جل إليه ولأحمد وأبي داود الطيالسي من حديث أبي هريرة من آتاه الله من هذا المال شيئا من غير أن يسأله فليقبله وفي الصحيحين من حديث عمر ما أتاك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه الحديث // ثم فتح الصرة فأخذ منها درهما ورد سائرها
وكان الحسن يروى هذا الحديث أيضا ولكن حمل إليه رجل كيسا ورزمة من رقيق ثياب خراسان فرد ذلك وقال من جلس مجلسى هذا وقبل من الناس مثل هذا لقى الله عز و جل يوم القيامة وليس له خلاق
وهذا يدل على أن أمر العالم والواعظ أشد فى قبول العطاء وقد كان الحسن يقبل من أصحابه
وكان إبراهيم التيمي يسأل من أصحابه الدرهم والدرهمين ونحوه ويعرض عليه غيرهم المئين فلا يأخذها وكان بعضهم إذا أعطاه صديقه شيئا يقول اتركه عندك وانظر إن كنت بعد قبوله فى قلبك أفضل مني قبل القبول فأخبرنى

حتى آخذه وإلا فلا وأمارة هذا أن يشق عليه الرد لو رده ويفرح بالقبول ويرى المنة على نفسه فى قبول صديقه هديته فإن علم أنه يمازجه منة فأخذه مباح ولكنه مكروه عند الفقراء الصادقين
وقال بشر ما سألت أحدا قط شيئا إلا سريا السقطى لأنه قد صح عندي زهده في الدنيا فهو يفرح بخروج الشيء من يده ويتبرم ببقائه عنده فأكون عونا له على ما يحب
وجاء خراساني إلى الجنيد رحمه الله بمال وسأله أن يأكله فقال أفرقه على الفقراء فقال ما أريد هذا قال ومتى أعيش حتى آكل هذا قال ما أريد أن تنفقه فى الخل والبقل بل في الحلاوات والطيبات فقبل ذلك منه فقال الخراسانى ما أجد فى بغداد أمن على منك فقال الجنيد ولا ينبغى أن يقبل إلا من مثلك
الثانى أن يكون للثواب المجرد وذلك صدقة أو زكاة فعليه أن ينظر فى صفات نفسه هل هو مستحق للزكاة فإن اشتبه عليه فهو محل شبهة وقد ذكرنا تفصيل ذلك فى كتاب أسرار الزكاة
وإن كانت صدقة وكان يعطيه لدينه فلينظر إلى باطنه فإن كان مقارفا لمعصية فى السر يعلم أن المعطى لو علم ذلك لنفر طبعه ولما تقرب إلى الله بالتصدق عليه فهذا حرام أخذه كما لو أعطاه لظنه أنه عالم أو علوى ولم يكن فإن أخذه حرام محض لا شبهة فيه
الثالث أن يكون غرضه السمعة والرياء والشهرة فينبغي أن يرد عليه قصده الفاسد ولا يقبله إذ يكون معينا له على غرضه الفاسد
وكان سفيان الثوري يرد ما يعطي ويقول لو علمت أنهم لا يذكرون ذلك افتخارا به لأخذت وعوتب بعضهم في رد ما كان يأتيه من صلة فقال إنما أرد صلتهم إشفاقا عليهم ونصحا لهم لأنهم يذكرون ذلك ويحبون أن يعلم به فتذهب أموالهم وتحبط أجورهم
وأما غرضه في الأخذ فينبغي أن ينظر أهو محتاج إليه فيما لا بد منه أو هو مستغن عنه فإن كان محتاجا إليه وقد سلم من الشبهة والآفات التي ذكرناها في المعطي فالأفضل له الأخذ قال النبي صلى الله عليه و سلم ما المعطي من سعة بأعظم أجرا من الآخذ إذا كان محتاجا // حديث ما المعطي من سعة بأعظم أجرا من الآخذ إذا كان محتاجا رواه الطبراني من حديث ابن عمر وقد تقدم في الزكاة // وقال
A من أتاه شيء من هذا المال من غير مسألة ولا استشراف فإنما هو رزق ساقه الله إليه // حديث من أتاه شيء من هذا المال من غير مسألة ولا استشراف فإنما هو رزق ساقه الله إليه // وفي لفظ آخر فلا يرده
وقال بعض العلماء من أعطى ولم يأخذ سأل ولم يعط
وقد كان سرى السقطي يوصل إلى أحمد بن حنبل رحمة الله عليهما شيئا فرده مرة فقال له السري يا أحمد احذر آفة الرد فإنها أشد من آفة الأخذ فقال له أحمد أعد على ما قلت فأعاده فقال أحمد ما رددت عليك إلا لأن عندي قوت شهر فاحسبه لي عندك فإذا كان بعد شهر فأنفذه إلي وقد قال بعض العلماء يخاف في الرد مع الحاجة عقوبة من ابتلاء بطمع أو دخول في شبهة أو غيره فأما إذا كان ما أتاه زائدا على حاجته فلا يخلو إما أن يكون حاله الاشتغال بنفسه أو التكفل بأمور الفقراء والإنفاق عليهم لما في طبعه من الرفق والسخاء فإن كان مشغولا بنفسه فلا وجه لأخذه وإمساكه إن كان طالبا طريق الآخرة فإن ذلك محض اتباع الهوى وكل عمل ليس لله فهو سبيل الشيطان أو داع إليه ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ثم له مقامان أحدهما أن يأخذ في العلانية ويرد في السر أو يأخذ في العلانية ويفرق في السر وهذا مقام الصديقين وهو شاق على النفس لا يطيقه إلا من أطمأنت نفسه بالرياضة والثاني أن يترك ولا يأخذ ليصرفه صاحبه إلى من هو أحوج منه أو يأخذ ويوصل إلى من هو أحوج منه فيفعل كليهما في السر أو كليهما في العلانية وقد ذكرنا هل الأفضل إظهار

الأخذ أو إخفاؤه في كتاب أسرار الزكاة مع جملة من أحكام الفقر فليطلب من موضعه
وأما امتناع أحمد بن حنبل عن قبول عطاء سري السقطي رحمهما الله فإنما كان لاستغنائه عنه إذ كان عنده قوت شهر ولم يرض لنفسه أن يشتغل بأخذه وصرفه إلى غيره فإن في ذلك آفات وأخطارا والزرع يكون حذرا من مظان الآفات إذ لم يأمن مكيدهالشيطان على نفسه
وقال بعض المجاورين بمكة كانت عندي دراهم أعددتها للإنفاق في سبيل الله فسمعت فقيرا قد فرغ من طوافه وهو يقول بصوت خفي أنا جائع كما ترى عريان كما ترى فما ترى فيما ترى يا من يرى ولا يرى فنظرت فإذا عليه خلقان لا تكاد تواريه فقلت في نفسي لا أجد لدراهمي موضعا أحسن من هذا فحملتها إليه فنظر إليها ثم أخذ منها خمسة دراهم وقال أربعة ثمن مئزرين ودرهم أنفقه ثلاثة فلا حاجة بي إلى الباقي فرده قال فرأيته الليلة الثانية وعليه مئزران جديدان فهجس في نفسي منه شيء فالتفت إلى فأخذ بيدي فأطافني معه أسبوعا كل شوط منها على جوهر من معادن الأرض يتخشخش تحت أقدامنا إلى الكعبين منها ذهب وفضة وياقوت ولؤلؤ وجوهر ولم يظهر ذلك للناس فقال هذا كله قد أعطانيه فرهدت فيه وآخذ من أيدي الخلق لأن هذه أثقال وفتنة وذلك للعباد فيه رحمة ونعمة والمقصود من هذا أن الزيادة على قدر الحاجة إنما تأتيك ابتلاء وفتنة لينظر الله إليك ماذا تعمل فيه وقدر الحاجة يأتيك رفقا بك فلا تغفل عن الفرق بين الرفق والابتلاء
قال الله تعالى إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا وقد قال صلى الله عليه و سلم لا حق لابن آدم إلا في ثلاث طعام يقيم صلبه وثوب يواري عورته وبيت يكنه فما زاد فهو حساب // حديث لا حق لابن آدم إلا في ثلاث طعام يقيم صلبه وثوب يوارى عورته وبيت يكنه فما زاد فهو حساب أخرجه الترمذي من حديث عثمان بن عفان وقال وجلف الخبز والماء بدل قوله طعام يقيم صلبه وقال صحيح // فإذن أنت في أخذ قدر الحاجة من هذه الثلاث مثاب وفيما زاد عليه إن لم تعص الله متعرض للحساب وإن عصيت الله فأنت متعرض للعقاب
ومن الاختبار أيضا أن تعزم على ترك لذة من اللذات تقربا إلى الله تعالى وكسرا لصلة النفس فتأتيك عفوا صفوا لتمتحن بها قوة عقلك فالأولى الامتناع عنها فإن النفس إذا رخص لها في نقض العزم ألفت نقض العهد وعادت لعادتها ولا يمكن قهرها فرد ذلك مهم وهو الزهد فإن أخذته وصرفته إلى محتاج فهو غاية الزهد ولا يقدر عليه إلا الصديقون وأما إذا كانت حالك السخاء والبذل والتكفل بحقوق الفقراء وتعهد جماعة من الصلحاء فخذ ما زاد على حاجتك فإنه غير زائد على حاجة الفقراء وبادر به إلى الصرف إليهم ولا تدخره فإن إمساكه ولو ليلة واحدة فيه فتنة واختبار فربما يحلو في قلبك فتمسكه فيكون فتنة عليك وقد تصدى لخدمة الفقراء جماعة اتخذوها وسيلة إلى التوسع في المال والتنعم في المطعم والمشرب وذلك هو الهلاك ومن كان غرضه الرفق وطلب الثواب به فله أن يستقرض على حسن الظن بالله لا على اعتماد السلاطين الظلمة فإن رزقه الله من حلال قضاه وإن مات قبل القضاء قضاه الله تعالى عنه وأرضى غرماءه وذلك بشرط أن يكون مكشوف الحال عند من يقرضه فلا يغر المقرض ولا يخدعه بالمواعيد بل يكشف حاله عنده ليقدم على إقراضه على بصيرة ودين مثل هذا الرجل واجب أن يقضي من مال بيت المال ومن الزكاة وقد قال تعالى ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما أتاه الله قيل معناه ليبع أحد ثوبيه
وقيل معناه فليستقرض بجاهه فذلك مما آتاه الله
وقال بعضهم إن لله تعالى عبادا ينفقون على قدر بضائعهم ولله عباد ينفقون على قدر حسن الظن بالله تعالى
ومات بعضهم فأوصى بماله لثلاث طوائف الأقوياء والأسخياء والأغنياء فقيل من هؤلاء فقال أما الأقوياء فهم أهل

التوكل على الله تعالى وأما الأسخياء فهم أهل حسن الظن بالله تعالى وأما الأغنياء فهم أهل الانقطاع إلى الله تعالى فإذن مهما وجدت هذه الشروط فيه وفي المال وفي المعطي فليأخذه وينبغي أن يرى ما يأخذه من الله لا من المعطي لأن المعطي واسطة قد سخر للعطاء وهو مضطر إليه بما سلط عليه من الدواعي والإوادات والاعتقادات وقد حكى أن بعض الناس دعا شقيقا في خمسين من أصحابه فوضع الرجل مائدة حسنة فلما قعد قال لأصحابه إن هذا الرجل يقول من لم يرن صنعت هذا الطعام وقدمته فطعامي عليه حرام فقاموا كلهم وخرجوا إلا شابا منهم كان دونهم في الدرجة فقال صاحب المنزل لشقيق ما قصدت بهذا قال أردت أن أختبر توحيد أصحابي كلهم
وقال موسى عليه السلام يا رب جعلت رزقي هكذا على أيدي بني إسرائيل يغديني هذا يوما ويعشيني هذا ليلة فأوحى الله تعالى إليه هكذا أصنع بأوليائي أجري أرزاقهم على أيدي البطالين من عبادي ليؤجروا فيهم
فلا ينبغي أن يرى المعطي إلا من حيث إنه مسخر مأجور من الله تعالى نسأل الله حسن التوفيق لما يرضاه
بيان تحريم السؤال من غير ضرورة وآداب الفقير المضطر فيه
إعلم أنه قد وردت مناه كثيرة في السؤال وتشديدات وورد فيه أيضا ما يدل على الرخصة إذ قال صلى الله عليه و سلم للسائل حق ولو جاء على فرس // حديث للسائل حق وإن جاء على فرس رواه أبو داود من حديث الحسين بن علي ومن حديث علي // وفي الحديث ردوا السائل ولو بظلف محرق // حديث ردوا السائل ولو بظلف محرق رواه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح والنسائي واللفظ له من حديث أم مجيد وقال ابن عبد البر حديث مضطرب // ولو كان السؤال حراما مطلقا لما جاز إعانة المتعدي على عدوانه والإعطاء إعانة فالكاشف للغطاء فيه أن السؤال حرام في الأصل وإنما يباح بضرورة أو حاجة مهمة قريبة من الضرورة فإن كان عنها فهو حرام وإنما قلنا إن الأصل فيه التحريم لأنه لا ينفك عن ثلاثة أمور محرمة
الأول إظهار الشكوى من الله تعالى إذ السؤال إظهار للفقر وذكر لقصور نعمة الله تعالى عنه وهو عين الشكوى وكما أن العبد المملوك لو سأل لكان سؤاله تشنيعا على سيده فكذلك سؤال العباد تشنيع على الله تعالى وهذا ينبغي أن يحرم ولا يحل إلا لضرورة كما تحل الميتة
الثاني ان فيه إذلال السائل نفسه لغير الله تعالى وليس للمؤمن أن يذل نفسه لغير الله بل عليه أن يذل نفسه لمولاه فإن فيه عزة فأما سائر الخلق فإنهم عباد أمثاله فلا ينبغي أن يذل لهم إلا لضرورة وفي السؤال ذل للسائل بالإضافة إلى المسئول
الثالث أنه لا ينفك عن إيذاء المسئول غالبا لأنه ربما لا تسمح نفسه بالبذل عن طيب قلب منه فإن بذل حياء من السائل أو رياء فهو حرام على الآخذ وإن منع ربما استحيا وتأذى في نفسه بالمنع إذ يرى نفسه في صورة البخلاء ففي البذل نقصان ماله وفي المنع نقصان جاهه وكلاهما مؤذيان والسائل هو السبب في الإيذاء والإيذاء حرام إلا بضرورة
ومهما فهمت هذه المحذورات الثلاث فقد فهمت قوله صلى الله عليه و سلم مسألة الناس من الفواحش ما أحل من الفواحش غيرها // حديث مسئلة الناس من الفواحش وما أحل الله من الفواحش غيرها // فانظر كيف سماها فاحشة ولا يخفى أن الفاحشة إنما تباح

لضرورة كما يباح شرب الخمر لمن غص بلقمة وهو لا يجد غيره
وقال صلى الله عليه و سلم من سأل عن غنى فإنما يستكثر من جمر جهنم // حديث من سأل عن غنى فإنما يستكثر من جمر جهنم الحديث رواه أبو داود وابن حبان من حديث سهل ابن الحنظلية مقتصرا على ما ذكر منه وتقدم في الزكاة ولمسلم من حديث أبي هريرة من يسأل الناس أموالهم تكثرا فإنما يسأل جمرا الحديث وللبزار والطبراني من حديث مسعود بن عمر ولا يزال العبد يسأل وهو غني حتى يخلق وجهه وفي إسناده لين وللشيخين من حديث ابن عمر ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم وإسناده جيد // ومن سأل وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ووجهه عظم يتقعقع وليس عليه لحم وفي لفظ آخر كانت مسألته خدوشا وكدوحا في وجهه // حديث من سأل وله ما يغنيه كانت مسئلته خدوشا وكدوما في وجهه رواه أصحاب السنن من حديث ابن مسعود وتقدم في الزكاة // وهذه الألفاظ صريحة في التحريم والتشديد
وبايع رسول الله صلى الله عليه و سلم قوما على الإسلام فاشترط عليهم السمع والطاعة ثم قال لهم كلمة خفية ولا تسألوا الناس شيئا // حديث بايع قوما على الإسلام فاشترط عليهم السمع والطاعة ثم قال كلمة خفية ولا تسألوا الناس شيئا أخرجه مسلم من حديث عوف بن مالك الأشجعي // وكان صلى الله عليه و سلم يأمر كثيرا بالتعفف عن السؤال ويقول من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله ومن لم يسألنا فهو أحب إلينا وقال صلى الله عليه و سلم استغنوا عن الناس وما قل من السؤال فهو خير قالوا ومنك يا رسول الله قال ومني وسمع عمر رضي الله عنه سائلا يسأل بعد المغرب فقال لواحد من قومه عش الرجل فعشاه ثم سمعه ثانيا يسأل فقال ألم أقل لك عش الرجل قال قد عشيته فنظر عمر فإذا تحت يده مخلاه مملوءة خبزا فقال لست سائلا ولكنك تاجر ثم أخذ المخلاة ونثرها بين يدي إبل الصدقة وضربه بالدرة وقال لا تعد
ولولا أن سؤاله كان حراما لما ضربه ولا أخذ مخلاته ولعل الفقيه الضعيف المنة الضيق الحوصلة يستبعد هذا من فعل عمر ويقول أما ضربه فهو تأديب وقد ورد الشرع بالتعزير وأما أخذه ماله فهو مصادرة والشرع لم يرد بالعقوبة بأخذ المال فكيف استجازه وهو استبعاد مصدره القصور في الفقه فأين يظهر فقه الفقهاء كلهم في حوصلة عمر بن الخطاب رضي الله عنه واطلاعه على أسرار دين الله ومصالح عباده أفترى أنه لم يعلم أن المصادرة بالمال غير جائزة أو علم ذلك ولكن أقدم عليه غضبا في معصية الله وحاشاه أو أراد الزجر بالمصلحة بغير طريق شرعها نبي الله وهيهات فإن ذلك أيضا معصية بل الفقه الذي لاح له فيه أنه رآه مستغنيا عن السؤال وعلم أن من أعطاه شيئا فإنما أعطاه على اعتقاد أنه محتاج وقد كان كاذبا فلم يدخل في ملكه بأخذه مع التلبيس وعسر تمييز ذلك ورده إلى أصحابه إذ لا يعرف أصحابه بأعيانهم فبقي مالا لا مالك له فوجب صرفه إلى المصالح وإبل الصدقة وعلفها من المصالح ويتنزل أخذ السائل مع إظهار الحاجة كاذبا كأخذ العلوي بقوله إني علوي وهو كاذب
فإنه لا يملك ما يأخذه كأخذ الصوفي الصالح الذي يعطي لصلاحه وهو في الباطن مقارف لمعصية لو عرفها المعطي لما أعطاه وقد ذكرنا في مواضع أن ما أخذوه على هذا الوجه لا يملكونه وهو حرام عليهم ويجب عليهم الرد إلى مالكه فاستدل بفعل عمر رضي الله عنه على صحة هذا المعنى الذي يغفل عنه كثير من الفقهاء وقد قررناه في مواضع ولا تستدل بغفلتك عن هذا الفقه على بطلان فعل عمر
فإذا عرفت أن السؤال يباح لضرورة فاعلم أن الشيء إما أن يكون مضطرا إليه أو محتاجا إليه حاجة

مهمة أو حاجة خفيفة أو مستغني عنه فهذه أربعة أحوال
أما المضطر إليه فهو سؤال الجائع عند خوفه على نفسه موتا أو مرضا وسؤال العاري وبدنه مكشوف ليس معه ما يواريه وهو مباح مهما وجدت بقية الشروط في المسئول بكونه مباحا والمسئول منه بكونه راضيا في الباطن وفي السائل بكونه عاجزا عن الكسب فإن القادر على الكسب وهو بطال له السؤال إلا إذا استغرق طلب العلم أوقاته وكل من له خط فهو قادر على الكسب بالوراقة
وأما المستغني فهو الذي يطلب شيئا وعنده مثله وأمثاله فسؤاله حرام قطعا وهذان طرفان واضحان
وأما المحتاج حاجة مهمة فكالمريض الذي يحتاج إلى دواء ليس يظهر خوفه لو لم يستعمله ولكن لا يخلو عن خوف وكمن له جبة لا قميص تحتها في الشتاء وهو يتأذى بالبرد تأذيا لا ينتهى إلى حد الضرورة وكذلك من يسأل لأجل الكراء وهو قادر على المشي بمشقة فهذا أيضا ينبغي أن تسترسل عليه الإباحة لأنها أيضا حاجة محققة ولكن الصبر عنه أولى وهو بالسؤال تارك للأولى ولا يسمى سؤاله مكروها مهما صدق في السؤال وقال ليس تحت جبتي قميص والبرد يؤذيني أذى أطيقه ولكن يشق علي فإذا صدق فصدقه يكون كفارة لسؤاله إن شاء الله تعالى
وأما الحاجة الخفيفة فمثل سؤال قميصا ليلبسه فوق ثيابه عند خروجه ليستر الخروق من ثيابه عن أعين الناس وكمن يسأل لأجل الأدم وهو واجد للخبز وكمن يسأل الكراء لفرس في الطريق وهو واجد كراء الحمار أو يسأل كراء المحمل وهو قادر على الراحلة فهذا ونحوه إن كان فيه تلبيس حال بإظهار حاجة غير هذه فهو حرام وإن لم يكن وكان فيه شيء من المحذورات الثلاثة من الشكوى والذل وإيذاء المسؤل فهو حرام لأن مثل هذه الحاجة لا تصلح لأن تباح بها هذه المحذورات وإن لم يكن فيها شيء من ذلك فهو مباح مع الكراهة
فإن قلت فكيف يمكن إخلاء السؤال عن هذه المحذورات فاعلم أن الشكوى تندفع بأن يظهر الشكر لله والاستغناء عن الخلق ولا يسأل سؤال محتاج ولكن يقول أنا مستغن بما أملكه ولكن تطالبني رعونة النفس بثوب فوق ثيابي وهو فضلة عن الحاجة وفضول من النفس فيخرج به عن حد الشكوى وأما الذل فبأن يسأل أباه أو قريبه أو صديقه الذي يعلم انه لا ينقصه ذلك في عينه ولا يزدريه بسبب سؤاله أو الرجل السخي الذي قد أعد ماله لمثل هذه المكارم فيفرح بوجود مثله ويتقلد منه منة بقبوله فيسقط عنه الذل بذلك فإن الذل لازم للمنة لا محالة
وأما الإيذاء فسبيل الخلاص عنه أن لا يعين شخصا بالسؤال بعينه بل يلقى الكلام عرضا بحيث لا يقدم على البذل إلا متبرع بصدق الرغبة وإن كان في القوم شخص مرموق لو لم يبذل لكان يلام فهذا إيذاء فإنه ربما يبذل كرها خوفا من الملامة ويكون الأحب إليه في الباطن الخلاص لو قدر عليه من غير الملامة
وأما إذا كان يسأل شخصا معينا فينبغي أن لا يصرح بل يعرض تعريضا يبقى له سبيلا إلى التغافل إن أراد فإذا لم يتغافل مع القدرة عليه فذلك لرغبته وأنه غير متأذ به وينبغي أن يسأل من لا يستحيا منه لو رده أو تغافل عنه فإن الحياء من السائل يؤذي كما أن الرياء مع غير السائل يؤذي
فإن قلت فإذا أخذ مع العلم بأن باعث المعطي هو الحياء منه أو من الحاضرين ولولاه لما ابتدأه به فهل هو حلال أو شبهة فأقول ذلك حرام محض لا خلاف فيه بين الأمة وحكمه حكم أخذ مال الغير بالضرب والمصادرة إذ لا فرق بين أن يضرب ظاهر جلده بسياط الخشب أو يضرب باطن قلبه بسوط الحياء وخوف الملام وضرب الباطن أشد نكاية في قلوب العقلاء ولا يجوز أن يقال هو في الظاهر قد رضي به وقد قال صلى الله عليه و سلم

إنما أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر // حديث إنما نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر لم أجد له أصلا وكذا قال المزى لما سئل عنه // فإن هذه ضرورة القضاء في فصل الخصومات إذ لا يمكن ردهم إلى البواطن وقرائن الأحوال فاضطروا إلى الحكم بظاهر القول باللسان مع أنه ترجمان كثير الكذب ولكن الضرورة دعت إليه وهذا سؤال عما بين العبد وبين الله تعالى والحاكم فيه أحكم الحاكمين والقلوب عنده كالألسنة عند سائر الحكام فلا تنظر في مثل هذا إلا إلى قلبك وإن أفتوك وأفتوك فإن المفتي معلم للقاضي والسلطان ليحكموا في عالم الشهادة ومفتي القلوب هم علماء الآخرة وبفتواهم النجاة من سلطان الآخرة كما أن بفتوى الفقيه النجاة من سطوة سلطان الدنيا فإذا ما أخذه مع الكراهة لا يملكه بينه وبين الله تعالى ويجب عليه رده إلى صاحبه فإن كان يستحيي من أن يسترده ولم يسترده فعليه أن يثيبه على ذلك بما يساوي قيمته في معرض الهديه والمقابلة ليتفصى عن عهدته فإن لم يقبل هديته فعليه أن يرد ذلك إلى ورثته فإن تلف في يده فهو مضمون عليه بينه وبين الله تعالى وهو عاص بالتصرف فيه وبالسؤال الذي حصل به الأذى
فإن قلت فهذا أمر باطن يعسر الاطلاع عليه فكيف السبيل إلى الخلاص منها فربما يظن السائل أنه راض ولا يكون هو في الباطن راضيا فأقول لهذا ترك المتقون السؤال رأسا فما كانوا يأخذون من أحد شيئا أصلا فكان بشر لا يأخذ من أحد أصلا إلا من السري رحمة الله عليهما وقال لأني علمت أنه يفرح بخروج المال من يده فأنا أعينه على ما يحب وإنما عظم النكير في السؤال وتأكد الأمر بالتعفف لهذا لأن الأذى إنما يحل بضرورة وهو أن يكون السائل مشرفا على الهلاك ولم يبق له سبيل إلى الخلاص ولم يجد من يعطيه من غير كراهة وأذى فيباح له ذلك كما يباح له أكل لحم الخنزير وأكل لحم الميتة فكان الامتناع طريق الورعين ومن أرباب القلوب من كان واثقا ببصيرته في الاطلاع على قرائن الأحوال فكانوا يأخذون من بعض الناس دون البعض ومنهم من كان لا يأخذ إلا من أصدقائه ومنهم من كان يأخذ مما يعطى بعضا ويرد بعضا كما فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم في الكبش والسمن والأقط وكان هذا يأتيهم من غير سؤال فإن ذلك لا يكون إلا عن رغبة ولكن قد تكون رغبته طمعا في جاه أو طلبا للرياء والسمعة فكانوا يحترزون من ذلك فأما السؤال فقد امتنعوا عنه رأسا إلا في موضعين أحدهما الضرورة فقد سأل ثلاثة من الأنبياء في موضع الضرورة سليمان وموسى والخضر عليهم السلام
ولا شك في أنهم ما سألوا إلا من علموا أنه يرغب في إعطائهم
والثاني السؤال من الأصدقاء والإخوان فقد كانوا يأخذون مالهم بغير سؤال واستئذان لأن أرباب القلوب علموا أن المطلوب رضا القلب لا نطق اللسان وقد كانوا وثقوا بإخوانهم أنهم كانوا يفرحون بمباسطتهم فإذا كانوا يسألون الإخوان عند شكهم في اقتدار إخوانهم على ما يريدونه وإلا فكانوا يستغنون عن السؤال وحد إباحة السؤال أن تعلم أن المسئول بصفة لو علم ما بك من الحاجة لا لابتدأك دون السؤال فلا يكون لسؤالك تأثير إلا بتعريف حاجتك فأما في تحريكه بالحياء وإثارة داعيته بالحيل فلا ويتصدى للسائل حالة لا يشك فيها في الرضا بالباطن وحالة لا يشك في الكراهة ويعلم ذلك بقرينة الأحوال فالأخذ في الحالة الأولى حلال طلق وفي الثانية سحت ويتردد بين الحالتين أحوال يشك فيها فليستفت قلبه فيها وليترك حزاز القلب فإنه الإثم وليدع ما يريبه إلى ما لا يريبه وإدراك ذلك بقرائن الأحوال سهل على من قويت فطنته وضعف حرصه وشهوته فإن قوى الحرص وضعفت الفطنة تراءى له ما يوافق غرضه فلا يتفطن للقرائن الدالة على الكراهة وبهذه الدقائق يطلع على سر قوله

صلى الله عليه و سلم إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه // حديث إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه تقدم // وقد أوتي جوامع الكلم لأن من لا كسب له ولا مال ورثه من كسب أبيه أو أحد قرابته فليأكل من أيدي الناس وإن أعطي بغير سؤال فإنما يعطي بدينه ومتى يكون باطنه بحيث لو انكشف لا يعطى بدينه فيكون ما يأخذه حراما وإن أعطى بسؤال فأين من يطيب قلبه بالعطاء إذا سئل وأين من يقتصر في السؤال على حد الضرورة فإذا فتشت أحوال من يأكل من أيدي الناس علمت أن جميع ما يأكله أو أكثره سحت وأن الطيب هو الكسب الذي اكتسبته بحلالك أنت أو مورثك فإذن بعيد أن يجتمع الورع مع الأكل من أيدي الناس فنسأل الله تعالى أن يقطع طمعنا عن غيره وأن يغنينا بحلاله عن حرامه وبفضله عمن سواه بمنه وسعة جوده فإنه على ما يشاء قدير
بيان مقدار الغنى المحرم للسؤال
أعلم أن قوله صلى الله عليه و سلم من سأل عن ظهر غنى فإنما يسأل جمرا فليستقل منه أو ليستكثر صريح في التحريم ولكن حد الغنى مشكل وتقديره عسير وليس إلينا وضع المقادير بل يستدرك ذلك بالتوقيف وقد ورد في الحديث استغنوا بغنى الله تعالى عن غيره قالوا وما هو قال غداء يوم وعشاء ليلة // حديث استغنوا بغنى الله قالوا وما هو قال غداء يوم وعشاء ليلة تقدم في الزكاة من حديث سهل ابن الحنظلية قالوا ما يغنيه قال ما يغديه أويعشيه ولأحمد من حديث علي بإسناد حسن قالوا وما ظهر غنى قال عشاء ليلته وأما اللفظ الذي ذكره المصنف فذكره صاحب الفردوس من حديث أبي هريرة // وفي حديث آخر من سأل وله خمسون درهما أو عدلها من الذهب فقد سأل إلحافا // حديث من سأل وله خمسون درهما أو عدلها من الذهب فقد سأل إلحافا وفي لفظ آخر أربعون درهما تقدما في الزكاة // وورد في لفظ آخر أربعون درهما ومهما اختلفت التقديرات وصحت الأخبار فينبغي أن يقطع بورودها على أحوال مختلفة فإن الحق في نفسه لا يكون إلا واحدا والتقدير ممتنع وغاية الممكن فيه تقريب ولا يتم ذلك إلا بتقسيم محيط بأحوال المحتاجين فنقول قال رسول
A لا حق لابن آدم إلا في ثلاث طعام يقيم صلبه وثوب يوارى به عورته وبيت يكنه فما زاد فهو حساب فلنجعل هذه الثلاث أصلا في الحاجات لبيان أجناسها والنظر في الأجناس والمقادير والأوقات فأما الأجناس فهى هذه الثلاث ويلحق بها ما في معناها حتى يلحق بها الكراء للمسافر إذا كان لا يقدر على المشي وكذلك ما يجرى مجراه من المهمات ويلحق بنفسه عياله وولده وكل من تحت كفالته كالدابة أيضا
وأما المقادير فالثوب يراعى فيه ما يليق بذوي الدين وهو ثوب واحد وقميص ومنديل وسراويل ومداس وأما الثاني من كل جنس فهو مستغن عنه وليقس على هذا أثاث البيت جميعا ولا ينبغي أن يطلب رقة الثياب وكون الأواني من النحاس والصفر فيما يكفي فيه الخزف فإن ذلك مستغنى عنه فيقتصر من العدد على واحد ومن النوع على أخس أجناسه ما لم يكن في غاية البعد عن العادة
وأما الطعام فقدره في اليوم مد وهو ما قدره الشرع ونوعه ما يقتات ولو كان من الشعير
والأدم على الدوام فضلة وقطعة بالكلية إضرار ففي طلبه في بعض الأحوال رخصة
وأما المسكن فأقله ما يجزئ من حيث المقدار وذلك من غير زينة فأما السؤال للزينة والتوسع فهو سؤال عن ظهر غنى وأما بالإضافة إلى الأوقات فما يحتاج إليه في الحال من طعام يوم وليلة وثوب يلبسه ومأوى يكنه فلا شك فيه
فأما سؤاله للمستقبل فهذا له ثلاث درجات إحداها ما يحتاج إليه في غد والثانية ما يحتاج إليه في أربعين يوما أو خمسين يوما والثالثة ما يحتاج إليه في السنة ولنقطع بأن من معه ما يكفيه له ولعياله إن كان له عيال

لسنه فسؤاله حرام فإن ذلك غاية الغنى وعليه ينزل التقدير بخمسين درهما في الحديث فإن خمسة دنانير تكفي المنفرد في السنة إذا اقتصد أما المعيل فربما لا يكفيه ذلك وإن كان يحتاج إليه قبل السنة فإن كان قادرا على السؤال ولا تفوته فرصته فلا يحل له السؤال لأنه مستغن في الحال وربما لا يعيش إلى الغد فيكون قد سأل مالا يحتاج فيكفيه غداء يوم وعشاء ليلة وعليه ينزل الخبر الذي ورد في التقدير بهذا القدر
وإن كان يفوته فرصة السؤال ولا يجد من يعطيه لو أخر فيباح له السؤال لأن أمل البقاء سنة غير بعيد فهو بتأخير السؤال خائف أن يبقى مضطرا عاجزا عما يعينه فإن كان خوف العجز عن السؤال في المستقبل ضعيفا وكان ما لأجله السؤال خارجا عن محل الضرورة لم يخل سؤاله عن كراهية وتكون كراهته بحسب درجات ضعف الإضطرار وخوف الفوت وتراخي المدة التي فيها يحتاج إلى السؤال وكل ذلك لا يقبل الضبط وهو منوط باجتهاد العبد ونظره لنفسه بينه وبين الله تعالى فيستفتي فيه قلبه ويعمل به إن سالكا طريق الآخرة وكل من كان يقينه أقوى وثقته بمجيء الرزق في المستقبل أتم وقناعته بقوت الوقت أظهر فدرجته عند الله تعالى أعلى فلا يكون خوف الاستقبال وقد آتاك الله قوت يومك لك ولعيالك إلا من ضعف اليقين والإصغاء إلى تخويف الشيطان وقد قال تعالى فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين وقال عز و جل الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والسؤال من الفحشاء التي أبيحت بالضرورة وحال من يسأل لحاجة متراخية عن يومه وإن كان مما يحتاج إليه في السنة أشد من حال من ملك مالا موروثا وادخره لحاجة وراء السنة وكلاهما مباحان في الفتوى الظاهرة ولكنهما صادران عن حب الدنيا وطول الأمل وعدم الثقة بفضل الله وهذه الخصلة من أمهات المهلكات نسأل الله حسن التوفيق بلطفه وكرمه
بيان أحوال السائلين كان بشر رحمه الله يقول الفقراء ثلاثة فقير لا
يسأل وإن أعطى لا يأخذ فهذا مع الروحانيين في عليين
وفقير لا يسأل وإن أعطي أخذ فهذا مع المقربين في جنات الفردوس
وفقير يسأل عند الحاجة فهذا مع الصادقين من أصحاب اليمين
فإذن قد أتفق كلهم على ذم السؤال وعلى أنه مع الفاقة يحط المرتبة والدرجة
قال شقيق البلخي لإبراهيم بن أدهم حين قدم عليه من خراسان كيف تركت الفقراء من أصحابك قال تركتهم إن أعطوا شكروا وإن منعوا صبروا وظن أنه لما وصفهم بترك السؤال قد أثنى عليهم غاية الثناء فقال شقيق هكذا تركت كلاب بلخ عندنا فقال له إبراهيم فكيف الفقراء عندك يا أبا إسحاق فقال الفقراء عندنا إن منعوا شكروا وإن أعطوا آثروا فقبل رأسه وقال صدقت يا أستاذ
فإذن درجات أرباب الأحوال في الرضا والصبر والشكر والسؤال كثيرة فلا بد لسالك طريق الآخرة من معرفتها ومعرفة انقسامها واختلاف درجاتها فإنه إذا لم يعلم لم يقدر على الرقى من حضيضها إلى قلاعها ومن أسفل سافلين إلى أعلى أعليين وقد خلق الإنسان في أحسن تقويم ثم رد إلى أسفل سافلين ثم أمر أن يترقى إلى أعلى عليين ومن لا يميز بين السفل والعلو لا يقدر على الرقى قطعا وإنما الشك فيمن عرف ذلك فإنه ربما لا يقدر عليه وأرباب الأحوال قد تغلبهم حالة تقتضي أن يكون السؤال مزيدا لهم في درجاتهم ولكن بالإضافة إلى حالهم فإن مثل هذه الأعمال بالنيات وذلك كما روى أن بعضهم رأى أبا إسحاق النورى رحمه الله يمد يده ويسأل الناس في بعض المواضع قال فاستعظمت ذلك واستقبحته له فأتيت الجنيد رحمه الله فأخبرته بذلك فقال لا يعظم هذا

عليك فإن النوري لم يسأل الناس إلا ليعطيهم وإنما سألهم ليثيبهم في الآخرة فيؤجرون من حيث لا يضرهم
وكأنه أشار به إلى قوله صلى الله عليه و سلم يد المعطي هي العليا // حديث يد المعطي هي العليا أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة // فقال بعضهم يد المعطي هي يد الآخذ للمال لأنه يعطى الثواب والقدر له لا لما يأخذه ثم قال الجنيد هات الميزان فوزن مائة درهم ثم قبض قبضة فألقاها على المائة ثم قال احملها إليه فقلت في نفسي إنما يوزن الشيء ليعرف مقداره فكيف خلط به مجهولا وهو رجل حكيم واستحييت أن أسأله فذهبت بالصرة إلى النوري فقال هات الميزان فوزن مائة درهم وقال ردها عليه وقل له أنا لا أقبل منك أنت شيئا وأخذ ما زاد على المائة قال فزاد تعجبي فسألته فقال الجنيد رجل حكيم يريد أن يأخذ الحبل بطرفيه وزن المائة لنفسه طلبا لثواب الآخرة وطرح عليها قبضة بلا وزن لله عز و جل فأخذت ما كان لله تبارك وتعالى ورددت ما جعله لنفسه قال فرددتها إلى الجنيد فبكى وقال أخذ ماله ورد مالنا الله المستعان فانظر الآن كيف صفت قلوبهم وأحوالهم وكيف خلصت لله أعمالهم حتى كان يشاهد كل واحد منهم قلب صاحبه من غير مناطقة باللسان ولكن بتشاهد القلوب وتناجى الأسرار وذلك نتيجة أكل الحلال وخلو القلب عن حب الدنيا والإقبال على الله تعالى بكنه الهمة فمن أنكر ذلك قبل تجربة طريقه فهو جاهل كمن ينكر مثلا كون الدواء مسهلا قبل شربه
ومن أنكره بعد أن طال اجتهاده حتى بذل كنه مجهوده ولم يصل فأنكر ذلك لغيره كان كمن شرب المسهل فلم يؤثر في حقه خاصة لعلة في باطنه فأخذ ينكر كون الدواء مسهلا وهذا وإن كان في الجهل دون الأول ولكنه ليس خاليا عن حط واف من الجهل بل البصير أحد رجلين إما رجل سالك الطريق فظهر له مثل ما ظهر لهم فهو صاحب الذوق والمعرفة وقد وصل إلى عين اليقين وإما رجل لم يسلك الطريق أو سلك ولم يصل ولكنه آمن بذلك وصدق به فهو صاحب علم اليقين وإن لم يكن واصلا إلى عين اليقين
ولعلم اليقين أيضا رتبة وإن كان دون عين اليقين ومن خلا عن علم اليقين وعين اليقين فهو خارج عن زمرة المؤمنين ويحشر يوم القيامة في زمرة الجاحدين المستكبرين الذين هم قتلى القلوب الضعيفة وأتباع الشياطين
فنسأل الله تعالى أن يجعلنا من الراسخين في العلم القائلين آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب الشطر الثاني من الكتاب في الزهد وفيه
بيان حقيقة الزهد
وبيان فضيلة الزهد وبيان درجات الزهد وأقسامه وبيان تفصيل الزهد في المطعم والملبس والمسكن والأثاث وضروب المعيشة وبيان علامة الزهد بيان حقيقة الزهد
أعلم أن الزهد في الدنيا مقام شريف من مقامات السالكين وينتظم هذا المقام من علم وحال وعمل كسائر المقامات لأن أبواب الإيمان كلها كما قال السلف ترجع إلى عقد وقول وعمل وكأن القول لظهوره أقيم مقام الحال إذ به يظهر الحال الباطن وإلا فليس القول مرادا لعينه وإن لم يكن صادرا عن حال سمي إسلاما ولم يسم إيمانا والعلم هو السبب في حال يجرى مجرى المثمر والعمل يجرى من الحال مجرى الثمرة فلنذكر الحال مع كلا طرفيه من العلم والعمل أما الحال فنعني بها ما يسمى زهدا وهو عبارة عن انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه فكل من عدل عن شيء إلى غيره بمعاوضة وبيع وغيره فإنما عدل عنه لرغبته عنه وإنما عدل إلى غيره لرغبته

في غيره فحاله بالإضافة إلى المعدول عنه يسمى زهدا وبالإضافة إلى المعدول إليه يسمى رغبة وحبا فإذن يستدعى حال الزهد مرغوبا عنه ومرغوبا فيه هو خير من المرغوب عنه وشرط المرغوب عنه أن يكون هو أيضا مرغوبا فيه بوجه من الوجوه فمن رغب عما ليس مطلوبا في نفسه لا يسمى زاهدا إذ تارك الحجر والتراب وما أشبهه لا يسمى زاهدا وإنما يسمى زاهدا من ترك الدراهم والدنانير لأن التراب والحجر ليسا في مظنة الرغبة وشرط المرغوب فيه أن يكون عنده خيرا من المرغوب عنه حتى تغلب هذه الرغبة فالبائع لا يقدم على البيع إلا والمشتري عنده خير من المبيع فيكون حاله بالإضافة إلى المبيع زهدا فيه وبالإضافة إلى العوض عنه رغبة فيه وحبا ولذلك قال الله تعالى وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين معناه باعوه فقد يطلق الشراء بمعنى البيع ووصف إخوة يوسف بالزهد فيه إذ طمعوا أن يخلو لهم وجه أبيهم وكان ذلك عندهم أحب إليهم من يوسف فباعوه طمعا في العوض فإذن كل من باع الدنيا بالآخرة فهو زاهد في الدنيا وكل من باع الآخرة بالدنيا فهو أيضا زاهد ولكن في الآخرة ولكن العادة جارية بتخصيص اسم الزهد بمن يزهد في الدنيا كما خصص اسم الإلحاد بمن يميل إلى الباطل خاصة وإن كان هو للميل في وضع اللسان
ولما كان الزهد رغبة عن محبوب بالجملة لم يتصور إلا بالعدول إلى شيء هو أحب منه وإلا فترك المحبوب بغير الأحب محال والذي يرغب عن كل ما سوى الله تعالى حتى الفراديس ولا يحب إلا الله تعالى فهو الزاهد المطلق والذي يرغب عن كل حظ ينال في الدنيا ولم يزهد في مثل تلك الحظوظ في الآخرة بل طمع في الحور والقصور والأنهار والفواكه فهو أيضا زاهد ولكنه دون الأول والذي يترك من حظوظ الدنيا البعض دون البعض كالذي يترك المال دون الجاه أو يترك التوسع في الأكل ولا يترك التجمل في الزينة فلا يستحق اسم الزاهد مطلقا ودرجته في الزهاد درجة من يتوب عن بعض المعاصي في التائبين وهو زهد صحيح كما أن التوبة عن بعض المعاصي صحيحة فإن التوبة عبارة عن ترك المحظورات والزهد عبارة عن ترك المباحات التي هي حظ النفس ولا يبعد أن يقدر على ترك بعض المباحات دون بعض كما لا يبعد ذلك في المحظورات والمقتصر على ترك المحظورات لا يسمى زاهدا وإن كان قد زهد في المحظور وانصرف عنه ولكن العادة تخصص هذا الاسم بترك المباحات فإذن الزهد عبارة عن رغبته عن الدنيا عدولا إلى الآخرة أو عن غير الله تعالى عدولا إلى الله تعالى وهي الدرجة العليا وكما يشترط في المرغوب فيه أن يكون خيرا عنده فيشترط في المرغوب عنه أن يكون مقدورا عليه فإن ترك ما لا يقدر عليه محال وبالترك يتبين زوال الرغبة ولذلك قيل لابن المبارك يا زاهد فقال الزاهد عمر بن عبد العزيز إذ جاءته الدنيا راغمة فتركها وأما أنا ففيماذا زهدت
وأما العلم الذي هو مثمر لهذه الحال فهو العلم بكون المتروك حقيرا بالإضافة إلى المأخوذ كعلم التاجر بأن العوض خير من المبيع فيرغب فيه وما لم يتحقق هذا العلم لم يتصور أن تزول الرغبة عن المبيع فكذلك من عرف أن ما عند الله باق وأن الآخرة خير وأبقى أى لذاتها خير في أنفسها وأبقى كما تكون الجواهر خيرا وأبقى من الثلج مثلا
ولا بعسر على مالك الثلج بيعه بالجواهر واللآلئ فهكذا مثال الدنيا والآخرة فالدنيا كالثلج الموضوع في الشمس لا يزال في الذوبان إلى الانقراض والآخرة كالجوهر الذي لا فناء له فبقدر قوة اليقين والمعرفة بالتفاوت بين الدنيا والآخرة تقوى الرغبة في البيع والمعاملة حتى إن من قوى يقينه يبيع نفسه وماله كما قال الله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ثم بين أن صفقتهم رابحة فقال تعالى فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به فليس يحتاج من العلم في الزهد إلا إلى هذا القدر وهو أن الآخرة

خير وأبقى وقد يعلم ذلك من لا يقدر على ترك الدنيا إما لضعف علمه ويقينه وإما لإستيلاء الشهوة في الحال عليه وكونه مقهورا في يد الشيطان وإما لاغتراره بمواعيد الشيطان في التسويف يوما بعد يوم إلى أن يختطفه الموت ولا يبقى معه إلا الحسرة بعد الفوت وإلى تعريف خساسة الدنيا الإشارة بقوله تعالى قل متاع الدنيا قليل وإلى تعريف نفاسة الآخرة الإشارة بقوله عز و جل وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير فنبه على أن العلم بنفاسة الجوهر هو المرغب عن عوضه ولما لم يتصور الزهد إلا بمعاوضة ورغبة عن المحبوب في أحب منه قال رجل في دعائه اللهم أرني الدنيا كما تراها فقال له النبي صلى الله عليه و سلم لا تقل هكذا ولكن قل أرني الدنيا كما أريتها الصالحين من عبادك // حديث قال رجل اللهم أرني الدنيا كما تراها فقال له لا تقل هكذا ولكن قل أرني الدنيا كما أريتها الصالحين من عبادك ذكره صاحب الفردوس مختصرا اللهم أرني الدنيا كما تريها صالح عبادك من حديث أبي القصير ولم يخرجه ولده // وهذا لأن الله تعالى يراها حقيرة كما هي وكل مخلوق فهو بالإضافة إلى جلاله حقيرة والعبد يراها حقيرة في نفسه بالإضافة إلى ما هو خير له ولا يتصور أن يرى بائع الفرس وإن رغب عنه فرسه كما يرى حشرات الأرض مثلا لأنه مستغن عن الحشرات أصلا وليس مستغنيا عن الفرس والله تعالى غني بذاته عن كل ما سواه فيرى الكل في درجة واحدة بالإضافة إلى جلاله ويراه متفاوتا بالإضافة إلى غيره والزاهد هو الذي يرى تفاوته بالإضافة إلى نفسه لا إلى غيره وأما العمل الصادر عن حال الزهد فهو ترك واحد لأنه بيع ومعاملة واستبدال للذي هو خير بالذي هو أدنى فكما أن العمل الصادر من عقد البيع هو ترك المبيع وإخراجه من اليد وأخذ العوض فكذلك الزهد يوجب ترك المزهود فيه بالكلية وهي الدنيا بأسرها مع أسبابها ومقدماتها وعلائقها فيخرج من القلب حبها ويدخل حب الطاعات ويخرج من العين واليد ما أخرجه من القلب ويوظف على اليد والعين وسائر الجوارح وظائف الطاعات وإلا كان كمن سلم المبيع ولم يأخذ الثمن فإذا وفى بشرط الجانبين في الأخذ والترك فليستبشر ببيعه الذي بايع به فإن الذي بايعه بهذا البيع وفى بالعهد فمن سلم حاضرا في غائب وسلم الحاضر وأخذ يسعى في طلب الغائب سلم إليه الغائب حين فراغه من سعيه إن كان العاقد ممن يوثق بصدقه وقدرته ووفائه بالعهد وما دام ممسكا للدنيا لا يصح زهده أصلا ولذلك لم يصف الله تعالى إخوة يوسف بالزهد في بنيامين وإن كانوا قد قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا وعزموا على أبعاده كما عزموا على يوسف حتى تشفع فيه أحدهم فترك ولا وصفهم أيضا بالزهد في يوسف عند العزم على إخراجه بل عند التسليم والبيع فعلامة الرغبة والإمساك وعلامة الزهد والإخراج فإن أخرجت عن اليد بعض الدنيا دون البعض فأنت زاهد فيما أخرجت فقط ولست زاهدا مطلقا وإن لم يكن لك مال ولم تساعدك الدنيا لم يتصور منك الزهد لأن ما لا يقدر عليه لا يقوى على تركه وربما يستهويك الشيطان بغروره ويخيل إليك أن الدنيا وإن لم تأتك فأنت زاهدا فيها فلا ينبغي أن تتدلى بحبل غروره دون أن تستوثق وتستظهر بموثق غليظ من الله فإنك إذا لم تجرب حال القدرة فلا تثق بالقدرة على الترك عندها فكم من ظان بنفسه كراهة المعاصي عند تعذرها فلما تيسرت له أسبابها من غير مكدر ولا خوف من الخلق وقع فيها وإذا كان هذا غرور النفس في المحظورات فإياك أن تثق بوعدها في المباحات والموثق الغليظ الذي تأخذه عليها أن تجربها مرة بعد مرة في حال القدرة فإذا وفت بما وعدت على الدوام مع انتقاء الصوارف والأعذار ظاهرا وباطنا فلا بأس أن تثق بها وثوقا ما ولكن تكون من تغيرها أيضا على حذر فإنها سريعة النقض للعهد قريبة الرجوع إلى مقتضى الطبع وبالجملة فلا أمان منها إلا عند الترك بالإضافة إلى ما ترك فقط وذلك عند القدرة قال ابن أبي ليلى لابن شبرمة ألا ترى إلى ابن الحائك هذا

لا نفتي في مسألة إلا رد علينا يعني أبا حنيفة فقال ابن شبرمة لا أدري أهو ابن الحائك أم ما هو لكن أعلم أن الدنيا غدت إليه فهرب منها وهربت منا فطلبناها وكذلك قال جميع المسلمين على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم إنا نحب ربنا ولو علمنا في أي شيء محبته لفعلناه حتى نزل قوله تعالى ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم // حديث قال المسلمون إنا نحب ربنا ولو علمنا في أي شيء محبته لفعلناه حتى نزل قوله تعالى ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم الآية لم أقف له على أصل //
قال ابن مسعود رحمه الله قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم أنت منهم يعني من القليل قال وما عرفت أن فينا من يحب الدنيا حتى نزل قوله تعالى منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة واعلم أنه ليس من الزهد ترك المال وبذله على سبيل السخاء والفتوة وعلى سبيل استمالة القلوب وعلى سبيل الطمع فذلك كله من محاسن العادات ولكن لا مدخل لشيء منه في العبادات وإنما الزهد أن تترك الدنيا لعلمك بحقارتها بالإضافة إلى نفاسة الآخرة فأما كل نوع من الترك فإنه يتصور ممن لا يؤمن بالآخرة فذلك قد يكون مروءة وفتوة وسخاء وحسن خلق ولكن لا يكون زهدا إذ حسن الذكر وميل القلوب من حظوظ العاجلة وهي ألذ وأهنأ من المال وكما أن ترك المال على سبيل السلم طمعا في العوض ليس من الزهد فكذلك تركه طمعا في الذكر والثناء والاشتهار بالفتوة والسخاء واستثقالا له لما في حفظ المال من المشقة والعناء
والحاجة إلى التذلل للسلاطين والأغنياء ليس من الزهد أصلا بل هو استعجال حظ آخر للنفس بل الزاهد من أتته الدنيا راغمة صفوا عفوا وهو قادر على التنعم بها من غير نقصان جاه وقبح اسم ولا فوات حظ للنفس فتركها خوفا من أن يأنس بها فيكون آنسا بغير الله ومحبا لما سوى الله ويكون مشركا في حب الله تعالى غيره
أو تركها طمعا في ثواب الله في الآخرة فترك التمتع بأشربة الدنيا طمعا في أشربة الجنة وترك التمتع بالسراري والنسوان طمعا في الحور العين وترك التفرج في البساتين طمعا في بساتين الجنة وأشجارها وترك التزين والتجمل بزينة الدنيا طمعا في زينة الجنة وترك المطاعم اللذيذة طمعا في فواكه الجنة وخوفا من أن يقال له أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا فآثر في جميع ذلك ما وعد به في الجنة على ما تيسر له في الدنيا عفوا وصفوا لعلمه بأن ما في الآخرة خير وأبقى وأن ما سوى هذا فمعاملات دنيوية لا جدوى لها في الآخرة أصلا
بيان فضيلة الزهد قال الله تعالى فخرج على قومه في زينته إلى قوله
تعالى وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن فنسب الزهد إلى العلماء ووصف أهله بالعلم وهو غاية الثناء وقال تعالى اولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا وجاء في التفسير على الزهد في الدنيا وقال عز و جل إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا قيل معناه أيهم أزهد فيها فوصف الزهد بأنه من أحسن الأعمال وقال تعالى من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب وقال تعالى ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى وقال تعالى الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة فوصف الكفار بذلك فمفهومه أن المؤمن هو الذي يتصف بنقيضه وهو أن يستحب الآخرة على الحياة الدنيا

وأما الأخبار فما ورد منها في ذم الدنيا كثير وقد أوردنا بعضها في كتاب ذم الدنيا مع ربع المهلكات إذ حب الدنيا من المهلكات ونحن الآن نقتصر على فضيلة بغض الدنيا فإنه من المنجيات وهو المعنى بالزهد وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه أمره وفرق عليه ضيعته وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله له همه وحفظ عليه ضيعته وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة // حديث من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه أمره الحديث أخرجه ابن ماجة من حديث زيد بن ثابت بسند جيد والترمذي من حديث أنس بسند ضعيف نحوه // وقالA إذا رأيتم العبد وقد أعطى صمتا وزهدا في الدنيا فاقتربوا منه فإنه يلقى الحكمة // حديث إذا رأيتم العبد قد أوتي صمتا وزهدا في الدنيا فاقتربوا منه فأنه يلقى الحكمة رواه ابن ماجة من حديث أبي خلاد بسند فيه ضعف // وقال تعالى ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ولذلك قيل من زهد في الدنيا أربعين يوما أجرى الله ينابيع الحكمة في قلبه وأنطق بها لسانه وعن بعض الصحابة أنه قال قلنا يا رسول الله أي الناس خير قال كل مؤمن محموم القلب صدوق اللسان قلنا يا رسول الله وما محموم القلب قال التقي النقي الذي لا غل فيه ولا غش ولا بغى ولا حسد قلنا يا رسول الله فمن على أثره قال الذي يشنأ الدنيا ويحب الآخرة // حديث قلنا يا رسول الله وما محموم القلب قال التقي النقي الحديث رواه ابن ماجه بإسناد صحيح من حديث عبدالله بن عمرو دون قوله يارسمول الله فمن على أثره وقد تقدم ورواه بهذه الزيادة بإسناد المذكور الخرائط في مكارم الأخلاق // ومفهوم هذا أن شر الناس الذي يحب الدنيا
وقال صلى الله عليه و سلم إن أردت أن يحبك الله فازهد في الدنيا // حديث أن أردت أن يحبك الله فازهد في الدنيا رواه ابن ماجه من حديث سهل بن سعد بسند ضعيف نحوه وقد تقدم // فجعل الزهد سببا للمحبة فمن أحبه الله تعالى فهو في أعلى الدرجات فينبغي أن يكون الزهد في الدنيا من أفضل المقامات ومفهومه أيضا أن من محب الدنيا متعرض لبغض الله تعالى وفي خبر من طريق أهل البيت الزهد والورع يجولان في القلوب كل ليلة فإن صادفا قلبا فيه الإيمان والحياء أقاما فيه وإلا ارتحلا // حديث الزهد والورع يجولان في القلب كل ليلة فإن صادفا قلبا فيه الإيمان والحياء أقاما فيه وإلا ارتحلا لم أجد له أصلا // ولما قال حارثة لرسول الله صلى الله عليه و سلم أنا مؤمن حقا قال وما حقيقة إيمانك قال عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي حجرها وذهبها وكأني بالجنة والنار وكأني بعرش ربي بارزا فقال صلى الله عليه و سلم اعرفت فالزم عبد نور الله قلبه بالإيمان // حديث لما قال له حارثة أنا مؤمن حقا فقال وما حقيقة إيمانك الحديث أخرجه البزار من حديث أنس والطبراني من حديث الحارث بن مالك وكلا الحديثين ضعيف // فانظر كيف بدأ في إظهار حقيقة الإيمان بعزوف النفس عن الدنيا وقرنه باليقين وكيف زكاة رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ قال عبد نور الله قلبه بالإيمان
ولما سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن معنى الشرح في قوله تعالى فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام وقيل له ما هذا الشرح قال إن النور إذا دخل في القلب انشرح له الصدر وانفسح قيل يا رسول الله وهل لذلك من علامة قال نعم التجافى عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله // حديث سئل عن قوله تعالى فمن يرد الله أن يهديه الحديث أخرجه الحاكم // وقد تقدم فانظر كيف جعل الزهد شرطا للإسلام وهو التجافي عن دار الغرور وقال صلى الله عليه و سلم استحيوا من الله حق الحياء قالوا إنا لنستحي منه تعالى فقال ليس كذلك تبنون مالا تسكنون وتجمعون مالا تأكلون // حديث استحيوا من الله حق الحياء الحديث رواه الطبراني من حديث أمم الوليد بنت عمر بن الخطاب بإسناد ضعيف // فبين أن ذلك يناقض الحياء من الله تعالى ولما قدم عليه بعض الوفود قالوا إنا مؤمنون قال وما علامة إيمانكم فذكروا

الصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء والرضا بمواقع القضاء وترك الشماتة بالمصيبة إذا نزلت بالأعداء فقال صلى الله عليه و سلم إن كنتم كذلك فلا تجمعوا مالا تأكلون ولا تبنوا مالا تسكنون ولا تنافسوا فيما عنه ترحلون // حديث لما قدم عليه بعض الوفود قالواإنا مؤمنون قال وما علامة إيمانكم الحديث رواه الخطيب وابن عساكر في تاريخهما بإسناد ضعيف من حديث جابر فجعل الزهد تكملة لإيمانهم
وقال جابر رضي الله عنه خطبنا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال من جاء بلا إله إلا الله لا يخلط بها غيرها وجبت له الجنة فقام إليه علي كرم الله وجهه فقال بأبي أنت وأمي يا رسول الله مالا يخلط بها غيرها صفه لنا فسره لنا فقال حب الدنيا طلبا لها واتباعا لها وقوم يقولون قول الأنبياء ويعملون عمل الجبابرة فمن جاء بلا إله إلا الله ليس فيها شيء من هذا وجبت له الجنة // حديث جابر من جاء بلا إله إلا الله لا يخلط معها شيئا وجبت له الجنة لم أره من حديث جابر وقد رواه الترمذي الحكيم في النوادر من حديث زيد بن أرقم بإسناد ضعيف // وفي الخبر السخاء من اليقين ولا يدخل النار موقن والبخل من الشك ولا يدخل الجنة من شك // حديث السخاء من اليقين ولا يدخل النار موقن الحديث ذكره صاحب الفردوس من حديث أبي الدرداء ولم يخرجه ولده في مسنده //
وقال أيضا السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس قريب من النار // حديث السخي قريب من الله الحديث أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرةوقد تقدم والبخل ثمرة الرغبة في الدنيا والسخاء ثمرة الزهد
والثناء على الثمرة ثناء على المثمر لا محالة
وروى عن ابن المسيب عن أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال من زهد في الدنيا أدخل الله الحكمة قلبه فأنطق بها لسانه وعرفه داء الدنيا ودواءها وأخرجه منها سالما إلى دار السلام // حديث أبي ذر من زهد الدنيا أدخل الله الحكمة قلبه الحديث لم أره من حديث أبي ذر ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الدنيا من حديث صفوان بن سليم مرسلا ولابن عدي في الكامل من حديث أبي موسى الأشعري من زهد في الدنيا أربعين يوما وأخلص فيها العبادة أجرى الله ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه وقال حديث منكر وقال الذهبي باطل ورواه أبو الشيخ في كتاب الثواب وأبو نعيم في الحلية مختصرا من حديث أبي أيوب من أخلص لله وكلها ضعيفة // وروى أنه صلى الله عليه و سلم مر في أصحابه بعشار من النوق حفل وهي الحوامل وكانت من أحب أموالهم إليهم وأنفسها عندهم لأنها تجمع الظهر واللحم واللبن والوبر ولعظمها في قلوبهم قال الله تعالى وإذا العشار عطلت قال فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه و سلم وغض بصره فقيل له يا رسول الله هذه أنفس أموالنا لم لا تنظر إليها فقال قد نهاني الله عن ذلك ثم تلا قوله تعالى ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به الآية // حديث مر في أصحابه بعشار من النوق حفل الحديث وفيه ثم تلا قوله تعالى ولا تمدن عينيك الآية لم أجد له أصلا // وروى مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله ألا تستطعم لله فيطعمك قالت وبكيت لما رأيت به من الجوع فقال يا عائشة والذي نفسي بيده لو سألت ربي أن يجرى معي جبال الدنيا ذهبا لأجراها حيث شئت من الأرض ولكن اخترت جوع الدنيا على شبعها وفقر الدنيا على غناها وحزن الدنيا على فرحها يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد يا عائشة إن الله لم يرض لأولى العزم من الرسل إلا الصبر على مكروه الدنيا والصير عن محبوبها ثم لم يرض إلا أن يكلفني ما كلفهم فقال فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل والله مالي بد من طاعته وإني والله لأصبرن كما صبروا بجهدي ولا قوة إلا بالله // حديث مسروق عن عائشة قلت يا رسول الله ألا تستطعم ربك فيطعمك قالت وبكيت لما رأيت به من الجوع الحديث وفيه يا عائشة إن الله لم يرض لأولى العزم من الرسل إلا الصبر الحديث أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من طريق أبي عبد الرحمن السلمي من رواية عباد بن عباد عن مجالد عن الشعبي عن مسروق مختصرا يا عائشة إن الله لم يرض من أولى العزم من الرسل إلا الصبر على مكروهها والصبر عن محبوبها ثم لم يرض إلا أن كلفني ما كلفهم فقال تعالى فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ومجالد مختلف في الاحتجاج به // وروى عن عمر رضي الله عنه أنه حين فتح عليه الفتوحات قالت له ابنته حفصة رضي الله عنها

إلبس ألين الثياب إذا وفدت عليك الوفود من الآفاق ومر بصنعة طعام تطعمه وتطعم من حضر فقال عمر يا حفصة ألست تعلمين أن أعلم الناس بحال الرجل أهل بيته فقالت بلى قال ناشدتك الله هل تعلمين أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لبث في النبوة كذا وكذا سنة لم يشبع هو ولا أهل بيته غدوة إلا جاعوا عشية ولا شبعوا عشية إلا جاعوا غدوة وناشدتك الله هل تعلمين أن النبي صلى الله عليه و سلم لبث في النبوة كذا وكذا سنة لم يشبع من التمر وهو وأهله حتى فتح الله عليه خيبر وناشدتك الله هل تعلمين أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قربتم إليه يوما طعاما على مائدة فيها أرتفاع فشق ذلك عليه حتى تغير لونه ثم أمر بالمائدة فرفعت ووضع الطعام على دون ذلك أو وضع على الأرض وناشدتك الله هل تعلمين أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان ينام على عباءة مثنية فثنيت له ليلة أربع طاقات فنام عليها فلما استيقظ قال منعتموني قيام الليلة بهذه العباءة اثنوها باثنتين كما كنتم تثنونها وناشدتك الله هل تعلمين أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يضع ثيابه لتغسل فيأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة فما يجد ثوبا يخرج به إلى الصلاة حتى تجف ثيابه فيخرج بها إلى الصلاة وناشدتك الله هل تعلمين أن رسول الله صلى الله عليه و سلم صنعت له امرأة من بني ظفر كساءين إزارا ورداء وبعثت إليه بأحدهما قبل أن يبلغ الآخر فخرج إلى الصلاة وهو مشتمل به ليس عليه غيره وقد عقد طرفيه إلى عنقه فصلى كذلك فما زال يقول حتى أبكاها وبكى عمر رضي الله عنه وانتحب حتى ظننا أن نفسه ستخرج // حديث أن عمر لما فتحت عليه الفتوحات قالت له حفصة إلبس لين الثياب إذا قدمت عليك الوفود الحديث بطوله وفيه ناشدتك الله هل تعلمين كذا يذكرها ما كان عليه النبي صلى الله عليه و سلم حتى أبكاها وبكى إلخ
لم أجده هكذا مجموعا في حديث وهو مفرق في عدة أحاديث فروى البزار من حديث عمران بن حصين قال ما شبع رسول الله صلى الله عليه و سلم وأهله غداء وعشاء من خبز حتى لقي ربه وفيه عمرو بن عبد الله القدري متروك الحديث والترمذي من حديث عائشة قالت ما أشبع من طعام فأشاء أن أبكي إلا بكيت قلت لم قالت أذكر الحال التي فارق رسول الله صلى الله عليه و سلم الدنيا عليها والله ما شبع من خبز ولحم مرتين في يوم
وقال حديث حسن وللشيخين من حديثها ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام ثلاث ليال تباعا حتى قبض
وللبخاري من حديث أنس كان لا يأكل على خوان الحديث وتقدم في آداب الأكل وللترمذي في الشمائل من حديث حفصة أنها لما سئلت ما كان فراش النبي صلى الله عليه و سلم مسح نثنيه ثنتين فينام عليه الحديث
ولابن سعد في الطبقات من حديث عائشة أنها كانت تفرش للنبي صلى الله عليه و سلم عباءة باثنتين الحديث وتقدما في آداب المعيشة وللبزار من حديث أبي الدرداء قال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم لا ينخل له الدقيق ولم لم يكن له إلا قميص واحد وقال لا نعلم يروى بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد قال يونس بن بكير قد حدث عن سعيد بن ميسرة البكرى بأحاديث لم يتابع عليها واحتملت على ما فيها قلت فيه سعيد بن ميسرة فقد كذبه يحيى القطان وضعفه البخاري وابن حبان وابن عدي وغيرهم ولابن ماجة من حديث عبادة بن الصامت صلى في شملة قد عقد عليها الغطريفى في جزئه المشهور فعقدها في عنقه ما عليه غيرها وإسناده ضعيف وتقدم في آداب الميشة //
وفي بعض الروايات زيادة من قول عمر وهو أنه قال كان لي صاحبان سلكا طريقا فإن سلكت غير طريقهما سلك بي طريق غير طريقهما وإني والله سأصبر على عيشهما الشديد لعلي أدرك معهما عيشهما الرغيد
وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لقد كان الأنبياء قبلي يبتلى أحدهم بالفقر فلا يلبس إلا العباءة وإن كان أحدهم ليبتلى بالقمل حتى يقتله القمل وكان ذلك أحب إليهم من العطاء إليكم // حديث أبي سعيد الخدرى كان الأنبياء يبتلى أحدهم بالفقر فلا يجد إلا العباء الحديث بإسناد صحيح في أثناء حديث أوله دخلت على النبي صلى الله عليه و سلم وهو يوعك دون قوله وإن كان أحدهم ليبتلى بالقمل //
وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال لما ورد موسى عليه السلام ماء مدين كانت خضرة البقل ترى في بطنه من الهزال فهذا ما كان قد اختاره أنبياء الله ورسله وهم أعرف خلق الله بالله وبطريق الفوز في الآخرة
وفي حديث عمر رضي الله عنه أنه قال لما نزل قوله تعالى والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها

في سبيل الله قال صلى الله عليه و سلم تبا للدنيا تبا للدينار والدرهم فقلنا يا رسول الله نهانا الله عن كنز الذهب والفضة فأي شيء ندخر فقال صلى الله عليه و سلم ليتخذ أحدكم لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا أو زوجة صالحة تعينه على أمر آخرته // حديث عمر لما نزل قوله تعالى والذين يكنزون الذهب والفضة الآية قال تبا للدينار والدرهم الحديث وفيه فأي شيء ندخر أخرجه الترمذي وابن ماجه وتقدم في النكاح دون قوله تبا للدينار والدرهم والزيادة رواها الطبراني في الأوسط وهو من حديث ثوبان وإنما قال المصنف إنه حديث عمر لأن عمر هو الذي سأل النبي صلى الله عليه و سلم أي المال يتخذ كما في رواية ابن ماجه وكما رواه البزار من حديث ابن عباس //
وفي حديث حذيفة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم من آثر الدنيا على الآخرة ابتلاه الله بثلاث هما لا يفارق قلبه أبدا وفقرا لا يستغنى أبدا وحرصا لا يشبع أبدا // حديث حذيفة من آثر الدنيا على الآخرة ابتلاه الله بثلاث الحديث لم أجده من حديث حذيفة أخرجه الطبراني من حديث ابن مسعود بسند حسن من أشر في قلبه حب الدنيا التاط منها بثلاث شقاء لا ينفد عناء وحرص لا بلغ عناه وأمل لايبلغ منها وفي آخر زيادة //
وقال النبي صلى الله عليه و سلم لا يستكمل العبد الإيمان حتى يكون أن لا يعرف أحب إليه من أن يعرف وحتى يكون قلة الشيء أحب إليه من كثرته // حديث لا يستكمل عبد الإيمان حتى يكون أن لا يعرف أحب إليه من أن يعرف وحتى يكون قلته أحب إليه من كثرته لم أجد له إسنادا وذكره صاحب الفردوس من رواية على بن أبي طلحة مرسلا لا يستكمل عبد الإيمان حتى يكون قلة الشيء أحب إليه من كثرته وحتى يكون أن يعرف في ذات الله أحب إليه من أن يعرف في غير ذات الله ولم يخرجه ولده في مسند الفردوس وعلي بن أبي طلحة أخرج له مسلم
وروى عن ابن عباس لكن روايته عنه مرسلة فالحديث إذن مفصل
وقال المسيح صلى الله عليه و سلم الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها وقيل له يا نبي الله لو أمرتنا أن نبني بيتا نعبد الله فيه قال اذهبوا فابنوا بيتا على الماء فقالوا كيف يستقيم بنيان على الماء قال وكيف تستقيم عبادة مع حب الدنيا
وقال نبينا صلى الله عليه و سلم إن ربي عز و جل عرض على أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا فقلت لا يا رب ولكن أجوع يوما وأشبع يوما فأما اليوم الذي أجوع فيه فأتضرع إليك وأدعوك وأما اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك وأثنيعليك
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات يوم يمشي وجبريل معه فصعد على الصفا فقال له النبي صلى الله عليه و سلم يا جبريل والذي بعثك الحق ما أمسى لآل محمد كف سويق ولا سفة دقيق فلم يكن أسرع من أن سمع هدة من السماء أفظعته فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أمر الله القيامة أن تقوم قال لا ولكن هذا إسرافيل عليه السلام قد نزل إليك حين سمع كلامك فأتاه إسرافيل فقال إن الله عز و جل سمع ما ذكرت فبعثني بمفاتيح الأرض وأمرني أن أعرض عليك إن أحببت أن أسير معك جبال تهامة زمردا وياقوتا وذهبا وفضة فعلت وإن شئت نبيا ملكا وإن شئت نبيا عبدا
فأومأ إليه جبريل أن تواضع لله فقال نبيا عبدا ثلاثا // حديث ابن عباس خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات يوم وجبريل معه فصعد على الصفا الحديث في نزول إسرافيل وقوله إن أحببت أن أسير معك جبال تهامة زمردا وياقوتا وذهبا وفضة الحديث تقدم مختصرا //
وقال صلى الله عليه و سلم إذا أراد الله بعبد خيرا زهده في الدنيا ورغبه في الآخرة وبصره بعيوب نفسه // حديث إذا أراد الله بعبد خيرا زهده في الدنيا ورغبه في الآخرة وبصره بعيوب نفسه رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس دون قوله ورغبه في الآخرة وزاد فقهه في الدين وإسناده ضعيف //

وقال صلى الله عليه و سلم لرجل إزهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس // حديث إزهد في الدنيا يحبك الله الحديث تقدم // وقال صلى الله عليه و سلم من أراد أن يؤتيه الله علما بغير تعلم وهدى بغير هداية فليزهد في الدنيا // حديث من أراد أن يؤتيه الله علما بغير تعلم وهدى بغير هداية فليزهد في الدنيا لم أجد له أصلا // وقال صلى الله عليه و سلم من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات ومن خاف من النار لها عن الشهوات ومن ترقب الموت ترك اللذات ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات // حديث من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات الحديث رواه ابن حبان في الضعفاء من حديث علي بن أبي طالب //
ويروى عن نبينا وعن المسيح عليهما السلام أربع لا يدركن إلا بتعب الصمت وهو أول العبادة والتواضع وكثرة الذكر وقلة الشيء // حديث أربع لا يدركن إلا بتعب الصمت وهو أول العبادة الحديث رواه الطبراني والحاكم من حديث أنس وقد تقدم // وإيراد جميع الأخبار الواردة في مدح بغض الدنيا وذم حبها لا يمكن فإن الأنبياء ما بعثوا إلا لصرف الناس عن الدنيا إلى الآخرة وإليه يرجع أكثر كلامهم مع الخلق وفيما أوردناه كفاية والله المستعان
وأما الآثار فقد جاء في الأثر لا تزال لا إله إلا الله تدفع عن العباد سخط الله عز و جل ما لم يسألوا ما نقص من دنياهم
وفي لفظ آخر ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على دينهم فإذا فعلوا ذلك وقالوا لا إله إلا الله قال الله تعالى كذبتم لستم بها صادقين
وعن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنه قال تابعنا الأعمال كلها فلم نر في أمر الآخرة أبلغ من زهد في الدنيا
وقال بعض الصحابة لصدر من التابعين أنتم أكثر أعمالا واجتهادا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وكانوا خيرا منكم قيل ولم ذلك قال كانوا أزهد في الدنيا منكم
وقال عمر رضي الله عنه الزهادة في الدنيا راحة القلب والجسد
وقال بلال بن سعد كفى به ذنبا أن الله تعالى يزهدنا في الدنيا ونحن نرغب فيها
وقال رجل لسفيان أشتهى أن أرى عالما زاهدا فقال ويحك تلك ضالة لا توجد
وقال وهب بن منبه إن للجنة ثمانية أبواب فإذا صار أهل الجنة إليها جعل البوابون يقولون وعزة ربنا لا يدخلها أحد قبل الزاهدين في الدنيا العاشقين للجنة
وقال يوسف بن أسباط رحمه الله إني لأشتهى من الله ثلاث خصال أن أموت حين أموت وليس في ملكي درهم ولا يكون على دين ولا على عظمي لحم فأعطى ذلك كله
وروى أن بعض الخلفاء أرسل إلى الفقهاء بجوائز فقبلوها وأرسل إلى الفضيل بعشرة آلاف فلم يقبلها فقال له بنوه قد قبل الفقهاء وأنت ترد على حالتك هذه فبكى الفضيل وقال أتدرون ما مثلي ومثلكم كمثل قوم كانت لهم بقرة يحرثون عليها فلما هرمت ذبحوها لأجل أن ينتفعوا بجلدها كذلك أنتم أردتم ذبحي على كبر سني موتوا يا أهلي جوعا خير لكم من أن تذبحوا فضيلا
وقال عبيد بن عميرة كان المسيح ابن مريم عليه السلام يلبس الشعر ويأكل الشجر وليس له ولد يموت ولا بيت يخرب ولا يدخر لغد أينما أدركه المساء نام
وقالت امرأة أبي حازم لأبي هذا الشتاء قد هجم علينا ولا بد لنا من الطعام والثياب والحطب

فقال لها أبو حازم من هذا كله بد ولكن لا بد لنا من الموت ثم البعث ثم الوقوف بين يدى الله تعالى ثم الجنة أو النار
وقيل للحسن لم لا تغسل ثيابك قال الأمر أعجل من ذلك
وقال إبراهيم ابن أدهم قد حجبت قلوبنا بثلاثة أغطية فلن يكشف للعبد اليقين حتى ترفع هذه الحجب الفرح بالموجود والحزن على المفقود والسرور بالمدح فإذا فرحت بالموجود فأنت حريص وإذا حزنت على المفقود فأنت ساخط والساخط معذب وإذا سررت بالمدح فأنت معجب والعجب يحبط العمل
وقال ابن مسعود رضى الله عنه ركعتين من زاهد قلبه خير له وأحب إلى الله من عبادة المتعبدين المجتهدين إلى آخر الدهر أبدا سرمدا
وقال بعض السلف نعمة الله علينا فيما صرف عنا أكثر من نعمته فيما صرف إلينا وكأنه التفت إلى معنى قوله صلى الله عليه و سلم إن الله يحمى عبده المؤمن من الدنيا وهو يحبه كما تحمون مريضكم الطعام والشراب تخافون عليه // حديث إن الله يحيي عبده المؤمن من الدنيا الحديث تقدم // فإذا فهم هذا علم أن النعمة فى المنع المؤدى إلى الصحة أكبر منها فى الإعطاء المؤدى إلى السقم
وكان الثورى يقول الدنيا دار التواء لا دار استواء ودار ترح لا دار فرح من عرفها لم يفرح برخاء ولم يحزن على شقاء
وقال سهل لا يخلص العمل لمتعبد حتى يفرغ من أربعة أشياء الجوع والعرى والفقر والذل
وقال الحسن البصري أدركت أقواما وصحبت طوائف ما كانوا يفرحون بشيء من الدنيا أقبل ولا يأسفون على شىء منها أدبر ولهى كانت فى أعينهم أهون من التراب كان أحدهم يعيش خمسين سنة أو ستين سنة لم يطوله ثوب ولم ينصب له قدر ولم يجعل بينه وبين الأرض شيئا ولا أمر من فى بيته بصنعة طعام قط فإذا كان الليل فقيام على أقدامهم يفترشون وجوههم تجرى دموعهم على خدودهم يناجون ربهم فى فكاك رقابهم كانوا إذا عملوا الحسنة دأبوا فى شكرها وسألوا الله أن يقبلها وإذا عملوا السيئة أحزنتهم وسألوا الله أن يغفرها لهم فلم يزالوا على ذلك ووالله ما سلموا من الذنوب ولا نجوا إلا بالمغفرة رحمة الله عليهم ورضوانه
بيان درجات الزهد وأقسامه بالإضافة إلى نفسه وإلى المرغوب عنه وإلى
المرغوب فيه
اعلم أن الزهد في نفسه يتفاوت بحسب تفاوت قوته على درجات ثلاث الدرجة الأولى وهى السفلى منها أن يزهد فى الدنيا وهو لها مشته وقلبه إليها مائل ونفسه إليها ملتفتة ولكنه يجاهدها ويكفها وهذا يسمى المتزهد وهو مبدأ الزهد فى حق من يصل إلى درجة الزهد بالكسب والاجتهاد والمتزهد يذيب أولا نفسه ثم كيسه والزاهد أولا يذيب كيسه ثم يذيب نفسه في الطاعات لا فى الصبر على ما فارقه والمتزهد على خطر فإنه ربما تغلبه نفسه وتجذبه شهوته فيعود إلى الدنيا وإلى الاستراحة بها فى قليل أو كثير
الدرجة الثانية الذى يترك الدنيا طوعا لاستحقاره إياها بالإضافة إلى ما طمع فيه كالذى يترك درهما لأجل درهمين فإنه لا يشق عليه ذلك وإن كان يحتاج إلى انتظار قليل ولكن هذا الزاهد يرى لا محالة زهده ويلتفت إليه كما يرى البائع المبيع ويلتفت إليه فيكاد يكون معجبا بنفسه وبزهده ويظن فى نفسه أنه ترك شيئا له قدر لما هو أعظم قدرا منه وهذا أيضا نقصان الدرجة الثالثة وهى العليا أن يزهد طوعا ويزهد فى زهده فلا يرى زهده إذ لا يرى أنه ترك شيئا إذ عرف أن الدنيا لا شىء

فيكون كمن ترك خزفه وأخذ جوهرة فلا يرى ذلك معاوضة ولا يرى نفسه تاركا شيئا والدنيا بالإضافة إلى الله تعالى ونعيم الآخرة أخس من خزفة بالإضافة إلى جوهرة فهذا هو الكمال فى الزهد
وسببه كمال المعرفة ومثل هذا الزاهد آمن من خطر الالتفات إلى الدنيا كما أن تارك الخزفة بالجوهرة أمن من طلب الإقالة فى البيع
قال أبو يزيد رحمه الله تعالى لأبى موسى عبد الرحيم فى أى شىء تتكلم قال فى الزهد قال فى أى شىء قال فى الدنيا فنفض يده وقال ظننت أنه يتكلم فى شىء والدنيا لا شىء إيش يزهد فيها
ومثل من ترك الدنيا للآخرة عند أهل المعرفة وأرباب القلوب المعمورة بالمشاهدات والمكاشفات مثل من منعه من باب الملك كلب على بابه فألقى إليه لقمة من خبز فشغله بنفسه ودخل الباب ونال القرب عند الملك حتى نفذ أمره فى جميع مملكته أفترى أنه يرى لنفسه يدا عند الملك بلقمة خبز ألقاها إلى كلبه فى مقابلة ما قد ناله فالشيطان كلب على باب الله تعالى يمنع الناس من الدخول مع أن الباب مفتوح والحجاب مرفوع والدنيا كلقمة خبز إن أكلت فلذتها فى حال المضغ وتنقضى على القرب بالابتلاع ثم يبقى ثقلها فى المعدة ثم تنتهى إلى النتن والقذر ثم يحتاج بعد ذلك إلى إخراج ذلك الثقل فمن تركها لينال عز الملك كيف يلتفت إليها ونسبة الدنيا كلها أعنى ما يسلم لكل شخص منها وإن عمر مائة سنة بالإضافة إلى نعيم الآخرة أقل من لقمة بالإضافة إلى ملك الدنيا إذ لا نسبة للمتناهى إلى مالا نهاية له والدنيا متناهية على القرب ولو كانت تتمادى ألف ألف سنة صافية عن كل كدر لكان لا نسبة لها إلى نعيم الأبد فكيف ومدة العمر قصيرة ولذات الدنيا مكدرة غير صافية فأى نسبة لها إلى نعيم الأبد فإذن لا يلتفت الزاهد إلى زهده إلا إذا التفت إلى ما زهد فيه ولا يلتفت إلى ما زهد فيه إلا لأنه يراه شيئا معتدا به ولا يراه شيئا معتدا به إلا لقصور معرفته فسبب نقصان الزهد نقصان المعرفة فهذا تفاوت درجات الزهد وكل درجة من هذه أيضا لها درجات إذ تصبر المتزهد يختلف ويتفاوت أيضا باختلاف قدر المشقة فى الصبر وكذلك درجة المعجب بزهده بقدر التفاته إلى زهده
وأما انقسام الزهد بالإضافة إلى المرغوب فيه فهو أيضا على ثلاث درجات الدرجةالسفلى أن يكون المرغوب فيه النجاة من النار ومن سائر الآلام كعذاب القبر ومناقشة الحساب وخطر الصراط وسائر ما بين يدى العبد من الأهوال كما وردت به الأخبار إذ فيها إن الرجل ليوقف في الحساب حتى لو وردت مائة بعير عطاشا على عرقه لصدرت رواء // حديث إن الرجل ليوقف في الحساب حتى لو وردت مائة بعير عطاشا على عرفه لصدرت رواء أخرجه أحمد من حديث ابن عباس التقى مؤمنان على باب الجنة مؤمن غني ومؤمن فقير الحديث وفيه أني حبست بعدك محبسا فظيعا كريها ما وصلت إليك حتى سال مني العرق ما لو ورده ألف بعير أكلة حمض لصدرت عنه رواء وفيه دريد غير منسوب يحتاج إلى معرفتهقال أحمد حديثه مثله // فهذا هو زهد الخائفين وكأنهم رضوا بالعدم لو أعدموا فإن الخلاص من الألم يحصل بمجرد العدم
الدرجة الثانية أن يزهد رغبة في ثواب الله ونعيمه واللذات الموعودة فى جنته من الحور والقصور وغيرها وهذا زهد الراجين فإن هؤلاء ما تركوا الدنيا قناعة بالعدم والخلاص من الألم بل طمعوا في وجود دائم ونعيم سرمد لا آخر له الدرجة الثالثة وهى العليا أن لا يكون له رغبة إلا فى الله وفي لقائه فلا يلتفت قلبه إلى الآلام ليقصد الخلاص منها ولا إلى اللذات ليقصد نيلها والظفر بها بل هو مستغرق الهم بالله تعالى وهو الذى أصبح وهمومه هم واحد وهو الموحد الحقيقي الذى لا يطلب غير الله تعالى لأن من طلب غير الله فقد عبده وكل مطلوب معبود وكل طالب عبد بالإضافة إلى مطلبه وطلب غير الله من الشرك الخفى وهذا زهد

المحبين وهم العارفون لأنه لا يحب الله تعالى خاصة إلا من عرفه وكما أن من عرف الدينار والدرهم وعلم أنه لا يقدر على الجمع بينهما لم يحب إلا الدينار فكذلك من عرف الله وعرف لذة النظر إلى وجهه الكريم وعرف أن الجمع بين تلك اللذة وبين لذة التنعم بالحور العين والنظر إلى نقش القصور وخضرة الأشجار غير ممكن فلا يحب إلا لذة النظر ولا يؤثر غيره ولا تظنن أن أهل الجنة عند النظر إلى وجه الله تعالى يبقى للذة الحور والقصور متسع في قلوبهم بل تلك اللذة بالإضافة إلى لذة نعيم أهل الجنة كلذة ملك الدنيا والاستيلاء على أطراف الأرض ورقاب الخلق بالإضافة إلى لذة الاستيلاء على عصفور واللعب به والطالبون لنعيم الجنة عند أهل المعرفة وأرباب القلوب كالصبى الطالب للعب بالعصفور التارك للذة الملك وذلك لقصوره عن إدراك لذة الملك لا لأن اللعب بالعصفور في نفسه أعلى وألذ من الاستيلاء بطريق الملك على كافة الخلق
وأما انقسامه بالإضافة إلى المرغوب عنه فقد كثرت فيه الأقاويل ولعل المذكور فيه يزيد على مائة قول فلا نشتغل بنقل الأقاويل ولكن نشير إلى كلام محيط بالتفاصيل حتى يتضح أن أكثر ما ذكر فيه قاصر عن الإحاطة بالكل فنقول المرغوب عنه بالزهد له إجمال وتفصيل ولتفصيله مراتب بعضها أشرح لآحاد الأقسام وبعضها أجمل للجمل
أما الإجمال فى الدرجة الأولى فهو كل ما سوى الله فينبغى أن يزهد فيه حتى يزهد فى نفسه أيضا والإجمال في الدرجة الثانية أن يزهد فى كل صفة للنفس فيها متعة وهذا يتناول جميع مقتضيات الطبع من الشهوة والغضب والكبر والرياسة والمال والجاه وغيرها
وفي الدرجة الثالثة أن يزهد في المال والجاه وأسبابهما إذ إليهما ترجع جميع حظوظ النفس
وفي الدرجة الرابعة أن يزهد في العلم والقدرة والدينار والدرهم والجاه إذا الأموال وإن كثرت أصنافها فيجمعها الدينار والدرهم والجاه وإن كثرت أسبابه فيرجع إلى العلم والقدرة وأعنى به كل علم وقدرة مقصودها ملك القلوب إذ معنى الجاه هو ملك القلوب والقدرة عليها كما أن معنى المال ملك الأعيان والقدرة عليها فإن جاوزت هذا التفصيل إلى شرح وتفصيل أبلغ من هذا فيكاد يخرج ما فيه الزهد عن الحصر
وقد ذكر الله تعالى في آية واحدة سبعة منها فقال زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا ثم رده في آية أخرى إلى خمسة فقال عز و جل اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ثم رده تعالى في موضع آخر إلى اثنين فقال تعالى وإنما الحياة الدنيا لعب ولهو ثم رد الكل إلى واحد في موضع آخر فقال ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى فالهوى لفظ يجمع جميع حظوظ النفس في الدنيا فينبغى أن يكون الزهد فيه
وإذا فهمت طريق الإجمال والتفصيل عرفت أن البعض من هذه لا يخالف البعض وإنما يفارقه فى الشرح مرة والإجمال أخرى
فالحاصل أن الزهد عبارة عن الرغبة عن حظوظ النفس كلها ومهما رغب عن حظوظ النفس رغب عن البقاء في الدنيا فقصر أمله لا محالة لأنه إنما يريد البقاء ليتمتع ويريد التمتع الدائم بإرادة البقاء فإن من أراد شيئا أراد دوامه ولا معنى لحب الحياة إلا حب دوام ما هو موجود أو ممكن في هذه الحياة فإذا رغب عنها لم يردها ولذلك لما كتب عليهم القتال قالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب فقال تعالى قل متاع الدنيا قليل أى لستم تريدون البقاء إلا لمتاع الدنيا فظهر عند ذلك الزاهدون وانكشف حال المنافقين
أما الزاهدون المحبون لله تعالى فقاتلوا فى سبيل الله كأنهم بنيان مرصوص وانتظروا إحدى الحسنيين وكانوا إذا دعوا إلى القتال يستنشقون رائحة الجنة ويبادرون إليه مبادرة الظمآن إلى الماء البارد حرصا على نصرة دين الله

أو نيل رتبة الشهادة وكان من مات منهم على فراشه يتحسر على فوت الشهادة حتى إن خالد بن الوليد رضى الله تعالى عنه لما احتضر للموت على فراشه كان يقول كم غررت بروحى وهجمت على الصفوف طمعا فى الشهادة وأنا الآن أموات موت العجائز فلما مات عد على جسده ثمانمائة ثقب من آثار الجراحات هكذا كان حال الصادقين فى الإيمان رضى الله تعالى عنهم أجمعين
وأما المنافقون ففروا من الزحف خوفا من الموت فقيل لهم إن الموت الذين تفرون منه فإنه ملاقيكم فإيثارهم البقاء على الشهادة استبدال الذى هو أدنى بالذى هو خير فأولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين
وأما المخلصون فإن الله تعالى اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة فلما رأوا أنهم تركوا تمتع عشرين سنة مثلا أو ثلاثين سنة بتمتع الأبد استبشروا ببيعهم الذى بايعوا به فهذا بيان المزهود فيه
وإذا فهمت هذا علمت أن ما ذكره المتكلمون في حد الزهد لم يشيروا به إلا إلى بعض أقسامه فذكر كل واحد منهم ما رآه غالبا على نفسه أو على من كان يخاطبه فقال بشر رحمه الله تعالى الزهد في الدنيا هو الزهد في الناس وهذا إشارة إلى الزهد في الجاه خاصة
وقال قاسم الجوعى الزهد في الدنيا هو الزهد في الجوف فبقدر ما تملك من بطنك كذلك تملك من الزهد وهذا إشارة إلى الزهد في شهوة واحدة ولعمرى هي أغلب الشهوات على الأكثر وهي المهيجة لأكثر الشهوات وقال الفضيل الزهد في الدنيا هو القناعة وهذا إشارة إلى المال خاصة وقال الثورى الزهد هو قصر الأمل وهو جامع لجميع الشهوات فإن من يميل إلى الشهوات يحدث نفسه بالبقاء فيطول أمله ومن قصر أمله فكأنه رغب عن الشهوات كلها وقال أويس إذا خرج الزاهد يطلب ذهب الزهد عنه وما قصد بهذا حد الزهد ولكن جعل التوكل شرطا في الزهد
وقال أويس أيضا الزهد هو ترك الطلب للمضمون وهو إشارة إلى الرزق وقال أهل الحديث حب الدنيا هو العمل بالرأى والمعقول والزهد إنما هو أتباع العلم ولزوم السنة وهذا إن أريد به الرأى الفاسد والمعقول الذى يطلب به الجاه في الدنيا فهو صحيح ولكنه إشارة إلى بعض أسباب الجاه خاصة أو إلى بعض ما هو من فضول الشهوات فإن من العلوم ما لا فائدة فيه في الآخرة وقد طولوها حتى ينقضى عمر الإنسان في الاشتغال بواحد منها فشرط الزاهد أن يكون الفضول أول مرغوب عنه عنده وقال الحسن الزاهد الذى إذا رأى أحدا قال هذا أفضل منى فذهب إلى أن الزهد هو التواضع وهذا إشارة إلى نفى الجاه والعجب وهو بعض أقسام الزهد وقال بعضهم الزهد هو طلب الحلال وأين هذا ممن يقول الزهد هو ترك الطلب كما قال أويس ولا شك في أنه أراد به ترك طلب الحلال وقد كان يوسف بن أسباط يقول من صبر على الأذى وترك الشهوات وأكل الخبز من الحلال فقد أخذ بأصل الزهد
وفي الزهد أقاويل وراء ما نقلناه فلم نر في نقلها فائدة فإن من طلب كشف حقائق الأمور من أقاويل الناس رآها مختلفة فلا يستفيد إلا الحيرة وأما من انكشف له الحق في نفسه وأدركه بمشاهدة من قلبه لا بتلقف من سمعه فقد وثق بالحق واطلع على قصور من قصر لقصور بصيرته وعلى اقتصار من اقتصر من اقتصر مع كمال المعرفة لاقتصار حاجته وهؤلاء كلهم اقتصروا لا لقصور في البصيرة لكنهم ذكروا ما ذكروه عند الحاجة فلا جرم ذكروه بقدر الحاجة والحاجات تختلف فلا جرم الكلمات تختلف وقد يكون سبب الاقتصار الإخبار عن الحالة الراهنة التى هي مقام العبد في نفسه والأحوال تختلف فلا جرم الأقوال المخبرة عنها تختلف وأما الحق في نفسه

فلا يكون إلا واحدا ولا يتصور أن يختلف وإنما الجامع من هذه الأقاويل الكامل في نفسه وإن لم يكن فيه تفصيل ما قاله أبو سليمان الدارانى إذ قال سمعنا في الزهد كلاما كثيرا والزهد عندنا ترك كل شىء يشغلك عن الله عز و جل وقد فصل مرة وقال من تزوج أو سافر في طلب المعيشة أو كتب الحديث فقد ركن إلى الدنيا فجعل جميع ذلك ضدا للزهد وقد قرأ أبو سفيان قوله تعالى إلا من أتى الله بقلب سليم فقال هو القلب الذي ليس فيه غير الله تعالى وقال إنما زهدوا في الدنيا لتفرغ قلوبهم من همومها للآخرة فهذا بيان انقسام الزهد بالإضافة إلى أصناف المزهود فيه فأما بالإضافة إلى أحكامه فينقسم إلى فرض ونفل وسلامة كما قاله إبراهيم بن أدهم فالفرض هو الزهد في الحرام
والنفل هو الزهد في الحلال
والسلامة هو الزهد في الشبهات
وقد ذكرنا تفاصيل درجات الورع في كتاب الحلال والحرام وذلك من الزهد إذ قيل لمالك بن أنس ما الزهد قال التقوى وأما بالإضافة إلى خفايا ما يتركه فلا نهاية للزهد فيه إذ لا نهاية لما تتمتع به النفس في الخطرات واللحظات وسائر الحالات لا سيما خفايا الرياء فإن ذلك لا يطلع عليه إلا سماسرة العلماء بل الأحوال الظاهرة أيضا درجات الزهد فيها لا تتناهى فممن أقصى درجاته زهد عيسى عليه السلام إذ توسد حجرا فى نومه فقال له الشيطان أما كنت تركت الدنيا فما الذى بدا لك قال وما الذى تجدد قال توسدك الحجر أى تنعمت برفع رأسك عن الأرض فى النوم فرمى الحجر وقال خذه مع ما تركته لك
وروى عن يحيى بن زكريا عليهما السلام أنه لبس المسوح حتى ثقب جلده تركا للتنعم بلين اللباس واستراحة حس اللمس فسألته أمه أن يلبس مكان المسح جبة من صوف ففعل فأوحى الله تعالى إليه يا يحيى آثرت على الدنيا فبكى ونزع الصوف وعاد إلى ما كان عليه
وقال أحمد رحمه الله تعالى الزهد زهد أويس بلغ من العرى أن جلس في قوصرة
وجلس عيسى عليه السلام في ظل حائط إنسان فأقامه صاحب الحائط فقال ما أقمتنى أنت إنما أقامنى الذى لم يرض لى أن أتنعم بظل الحائط فإذن درجات الزهدد ظاهرا وباطنا لا حصر لها وأقل درجاته الزهد في كل شبهة ومحظور
وقال قوم الزهد هو الزهد الحلال لافى الشبهة والمحظور فليس ذلك من درجاته في شىء ثم رأوا أنه لم يبق حلال في أموال الدنيا فلا يتصور الزهد الآن
فإن قلت مهما كان الصحيح هو أن الزهد ترك ما سوى الله فكيف يتصور ذلك مع الأكل والشرب واللبس ومخالطة الناس ومكالمتهم وكل ذلك اشتغال بما سوى الله تعالى فاعلم أن معنى الانصراف عن الدنيا إلى الله تعالى هو الإقبال بكل القلب عليه ذكرا وفكرا ولا يتصور ذلك إلا مع البقاء ولا بقاء إلا بضروريات النفس فمهما اقتصرت من الدنيا على دفع المهلكات عن البدن وكان غرضك الاستعانة بالبدن على العبادة لم تكن مشتغلا بغير الله فإن ما لا يتوصل إلى الشىء إلا به فهو منه فالمشتغل بعلف الناقة وبسقيها فى طريق الحج ليس معرضا عن الحج ولكن ينبغى أن يكون بدنك في طريق الله مثل ناقتك في طريق الحج ولا غرض لك في تنعم ناقتك باللذات بل غرضك مقصور على دفع المهلكات عنها حتى تسير بك إلى مقصدك فكذلك ينبغى أن تكون في صيانة بدنك عن الجوع والعطش المهلك بالأكل والشرب وعن الحر والبرد المهلك باللباس والمسكن فتقصر على قدر الضرورة ولا تقصد التلذذ بل التقوي على طاعة الله تعالى فذلك لا يناقض الزهد بل هو شرط الزهد وإن قلت فلا بد وأن أتلذذ بالأكل عند الجوع فاعلم أن ذلك لا يضرك إذا لم يكن قصدك التلذذ فإن شارب الماء البارد قد يستلذ الشرب ويرجع حاصله إلى زوال ألم العطش ومن يقضى حاجته قد يستريح بذلك

ولكن لا يكون ذلك مقصودا عنده ومطلوبا بالقصد فلا يكون القلب منصرفا إليه فالإنسان قد يستريح في قيام الليل بتنسم الأسحار وصوت الأطيار ولكن إذا لم يقصد طلب موضع لهذه الاستراحة فما يصيبه من ذلك بغير قصد لا يضره ولقد كان في الخائفين من طلب موضعا لا يصيبه فيه نسيم الأسحار خيفة من الاستراحة به وأنس القلب معه فيكون فيه أنس بالدنيا ونقصان في الأنس بالله بقدر وقوع الأنس بغير الله ولذلك كان داود الطائى له جب مكشوف فيه ماؤه فكان لا يرفعه من الشمس ويشرب الماء الحار ويقول من وجد لذة الماء البارد شق عليه مفارقة الدنيا فهذه مخاوف المحتاطين والحزم في جميع ذلك الاحتياط فإنه وإن كان شاقا فمدته قريبة والاحتماء مدة يسيرة للتنعم على التأبيد لا يثقل على أهل المعرفة القاهرين لأنفسهم بسياسة الشرع المعتصمين بعروة اليقين في معرفة المضادة التى بين الدنيا والدين رضى الله تعالى عنهم أجمعين
بيان تفضيل الزهد فيما هو من ضروريات الحياة
اعلم أن ما الناس منهمكون فيه ينقسم إلى فضول وإلى مهم فالفضول كالخيل المسومة مثلا إذ غالب الناس إنما يقتنيها للترفه بركوبها وهو قادر على المشى والمهم كالأكل والشرب ولسنا نقدر على تفصيل أصناف الفضول فإن ذلك لا ينحصر وإنما ينحصر المهم الضرورى والمهم أيضا يتطرق إليه فضول في مقداره وجنسه وأوقاته فلا بد من بيان وجه الزهد فيه والمهمات ستة أمور المطعم والملبس والمسكن وأثاثه والمنكح والمال والجاه يطلب لأغراض
وهذه الستة من جملتها وقد ذكرنا معنى الجاه وسبب حب الخلق وكيفية الاحتراز منه في كتاب الرياء من ربع المهلكات ونحن الآن نقتصر على بيان هذه المهمات الستة
الأول المطعم ولا بد للإنسان من قوت حلال يقيم صلبه ولكن له طول وعرض فلا بد من قبض طوله وعرضه حتى يتم به الزهد فأما طوله فبالإضافة إلى جملة العمر فإن من يملك طعام يومه فلا يقنع به وأما عرضه ففي مقدار الطعام وجنسه ووقت تناوله أما طوله فلا يقصر إلا بقصر الأمل وأقل درجات الزهد فيه الاقتصار على قدر دفع الجوع عند شدة الجوع وخوف المرض ومن هذا حاله فإذا استقل بما تناوله لم يدخر من غدائه لعشائه وهذه هي الدرجة العليا الدرجة الثانية أن يدخر لشهر أو أربعين يوما الدرجة الثالثة أن يدخر لسنة فقط وهذه رتبة ضعفاء الزهاد ومن ادخر لأكثر من ذلك فتسميته زاهدا محال لأن من أمل بقاء أكثر من سنة فهو طويل الأمل جدا فلا يتم منه الزهد إلا إذا لم يكن له كسب ولم يرض لنفسه الأخذ من أيدى الناس كداود الطائى فإنه ورث عشرين دينارا فأمسكها وأنفقها في عشرين سنة فهذا لا يضاد أصل الزهد إلا عند من جعل التوكل شرط الزهد وأما عرضه فبالإضافة إلى المقدار وأقل درجاته في اليوم والليلة نصف رطل وأوسطه رطل وأعلاه مد واحد وهو ما قدره الله تعالى في إطعام المسكين في الكفارة وما وراء ذلك فهو من اتساع البطن والاشتغال به ومن لم يقدر على الاقتصار على مد لم يكن له من الزهد في البطن نصيب وأما بالإضافة إلى الجنس فأقله كل ما يقوت ولو الخبز من النخالة وأوسطه خبز الشعير والذرة وأعلاه خبز البر غير منخول فإذا ميز من النخالة وصار حوارى فقد دخل في التنعم وخرج عن أخر أبواب الزهد فضلا عن أوائله
وأما الأدم فأقله الملح أو البقل والخل وأوسطه الزيت أو يسير من الأدهان أى دهن كان وأعلاه اللحم أي لحم كان وذلك في الأسبوع مرة أو مرتين فإن صار دائما أو أكثر من مرتين في الأسبوع خرج عن آخر أبواب الزهد فلم يكن صاحبه زاهدا في البطن أصلا وأما بالإضافة إلى الوقت فأقله في اليوم والليلة مرة وهو أن يكون صائما وأوسطه

أن يصوم ويشرب ليلة ولا يأكل ويأكل ليلة ولا يشرب وأعلاه أن ينتهى إلى أن يطوى ثلاثة أيام أو أسبوعا وما زاد عليه وقد ذكرنا طريق تقليل الطعام وكسر شرهه في ربع المهلكات ولينظر إلى أحوال رسول الله صلى الله عليه و سلم والصحابة رضوان الله عليهم في كيفية زهدهم في المطاعم وتركهم الأدم
قالت عائشة رضى الله تعالى عنها كانت تأتى علينا أربعون ليلة وما يوقد في بيت رسول الله صلى الله عليه و سلم مصباح ولا نار قيل لها فبم كنتم تعيشون قالت بالأسودين التمر والماء // حديث عائشة كانت تأتي أربعون ليلة وما يوقد في بيت رسول الله صلى الله عليه و سلم مصباح ولا نار الحديث أخرجه ابن ماجه من حديث عائشة كان يأتي على آل محمد الشهر ما يرى في بيت من بيوته دخان الحديث
وفي رواية له ما يوقد فيه بنار
ولأحمد كان يمر بنا هلال وهلال ما يوقد في بيت من بيوته نار
وفي رواية له ثلاثة أهله // وهذا ترك اللحم والمرقة والأدم
وقال الحسن كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يركب الحمار ويلبس الصوف وينتعل المخصوف ويلعق أصابعه ويأكل على الأرض
ويقول إنما أنا عبد آكل كما تأكل العبيد وأجلس كما تجلس العبيد // حديث الحسن كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يركب الحمار الحديث تقدم دون قوله إنما أنا عبد فإنه ليس من حديث الحسن إنما هو من حديث عائشة وقد تقدم //
وقال المسيح عليه السلام بحق أقول لكم إنه من طلب الفردوس فخبز الشعير له والنوم على المزابل مع الكلاب كثير
وقال الفضيل ما شبع رسول الله صلى الله عليه و سلم منذ قدم المدينة ثلاثة أيام من خبز البر // حديث ما شبع رسول الله صلى الله عليه و سلم منذ قدم المدينة ثلاثة أيام من خبز البر تقدم //
وكان المسيح صلى الله عليه و سلم يقول يا بنى إسرائيل عليكم بالماء القراح والبقل البرى وخبز الشعير وإياكم وخبز البر فإنكم لن تقوموا بشكره
وقد ذكرنا سيرة الأنبياء والسلف في المطعم والمشرب في ربع المهلكات فلا نعيده
ولما أتى النبي صلى الله عليه و سلم أهل قباء أتوه بشربة من لبن مشوبة بعسل فوضع القدح من يده وقال أما إنى لست أحرمه ولكن أتركه تواضعا لله تعالى // حديث لما أتى أهل قباء أتوه بشربة من لبن بعسل فوضع القدح من يده الحديث تقدم //
وأتى عمر رضى الله عنه بشربة من ماء بارد وعسل في يوم صائف فقال اعزلوا عنى حسابها
وقد قال يحيى ابن معاذ الرازى الزاهد الصادق قوته ما وجد ولباسه ما ستر ومسكنه حيث أدرك الدنيا سجنه والقبر مضجعه والخلوة مجلسه والاعتبار فكرته والقرآن حديثه والرب أنيسه والذكر رفيقه والزهد قرينه والحزن شأنه والحياء شعاره والجوع إدامه والحكمة كلامه والتراب فراشه والتقوى زاده والصمت غنيمته والصبر معتمده والتوكل حسبه والعقل دليله والعبادة حرفته والجنة مبلغه إن شاء الله تعالى
المهم الثانى الملبس
وأقل درجته ما يدفع الحر والبرد ويستر العورة وهو كساء يتغطى به وأوسطه قميص وقلنسوة ونعلان وأعلاه أن يكون معه منديل وسراويل وما جاوز هذا من حيث المقدار فهو مجاوز حد الزهد
وشرط الزاهد أن لا يكون له ثوب يلبسه إذا غسل ثوبه بل يلزمه القعود فى البيت فإذا صار صاحب قميصين وسراويلين ومنديلين فقد خرج من جميع ألوان الزهد من حيث المقدار
أما الجنس فأقله المسوح

الخشنة وأوسطه الصوف الخشن وأعلاه القطن الغليظ
وأما من حيث الوقت فأقصاه ما يستر سنة وأقله ما يبقى يوما حتى رقع بعضهم ثوبه بورق الشجر وإن كان يتسارع الجفاف إليه وأوسطه ما يتماسك عليه شهرا ومما يقاربه فطلب ما يبقى أكثر من سنة خروج إلى طول الأمل وهو مضاد للزهد وإلا إذا كان المطلوب خشونته ثم قد يتبع ذلك قوته ودوامه فمن وجد زيادة من ذلك فينبغى أن يتصدق به فإن أمسكه لم يكن زاهدا بل كان محبا للدنيا ولينظر فيه إلى أحوال الأنبياء والصحابة كيف تركوا الملابس قال أبو بردة أخرجت لنا عائشة رضى الله تعالى عنها كساء ملبدا وإزارا غليظا فقالت قبض رسول الله صلى الله عليه و سلم في هذين // حديث أخرجت عائشة كساء ملبدا وإزارا غليظا فقالت قبض رسول الله صلى الله عليه و سلم في هذين رواه الشيخان وقد تقدم في آداب المعيشة // وقال صلى الله عليه و سلم إن الله تعالى يحب المتبذل الذى لا يبالى مما لبس // حديث إن الله يحب المتبذل لا يبالي ما لبس لم أجد له أصلا // وقال عمرو بن الأسود العنسى لا ألبس مشهورا أبدا ولا أنام بليل أبدا على دثار أبدا ولا أركب على مأثور أبدا ولا أملأ جوفى من طعام أبدا فقال عمر من سره أن ينظر إلى هدى رسول الله صلى الله عليه و سلم فلينظر إلى عمرو بن الأسود // حديث عمر من سره أن ينظر إلى هدى رسول الله صلى الله عليه و سلم فلينظر إلى هدى عمرو بن الأسود رواه أحمد بإسناد جيد //
وفي الخبر ما من عبد لبس ثوب شهرة إلا أعرض الله عنه حتى ينزعه وإن كان عنده حبيبا // حديث ما من عبد لبس ثوب شهرة الحديث رواه ابن ماجه من حديث أبي ذر بإسناد جيد دون قوله وإن كان عنده حبيبا // واشترى رسول الله صلى الله عليه و سلم ثوبا بأربعة دراهم // حديث اشترى رسول الله صلى الله عليه و سلم ثوبا بأربعة دراهم
أخرجه أبو يعلى من حديث أبي هريرة قال دخلت يوما السوق مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فجلس إلى البزازين فاشترى سراويل بأربعة دراهم الحديث وإسناده ضعيف //
وكانت قيمة ثوبيه عشرة // حديث كان قيمة ثوبية عشرة دراهم لم أجده // وكان إزاره أربعة أذرع ونصفا // حديث كان إزاره أربعة أذرع ونصفا
أخرجه أبو الشيخ في كتاب أخلاق رسول الله صلى الله عليه و سلم من رواية عروة بن الزبير مرسلا كان رداء رسول الله صلى الله عليه و سلم أربعة أذرع وعرضه ذراعان ونصف الحديث وفيه ابن لهيعة
وفي طبقات ابن سعد من حديث أبي هريرة كان له إزار من نسج عمان طوله أربعة أذرع وشبر في ذراعين وشبر وفيه محمد بن عمر الواقدي // واشترى سراويل بثلاثة دراهم // حديث اشترى سراويل بثلاثة دراهم المعروف أنه اشتراه بأربعة دراهم تقدم عند أبي يعلى وشراؤه السراويل عند أصحاب السنن من حديث سويد بن قيس إلا أنه لم يذكر فيه مقدار ثمنه قال الترمذي حسن صحيح //
وكان يلبس شملتين بيضاوين من صوف // حديث كان يلبس شملتين بيضاوين من صوف وكانت تسمى حلة لأنها ثوبان من جنس واحد وربما كان يلبس بردين يمانيين أو سحوليين من هذه الغلاظ تقدم في آداب وأخلاق النبوة لبسه للشملة والبرد والحبرة
وأما لبسه الحلة ففي الصحيحين من حديث البراء رأيته في حلة حمراء ولأبي داود من حديث ابن عباس حين خرج إلى الحرورية وعليه أحسن ما يكون من حلل اليمن
وقال رأيت على رسول الله صلى الله عليه و سلم أحسن ما ييكون من الحلل وفي الصحيحين من حديث عائشة أنه صلى الله عليه و سلم قبض في ثوبين أحدها أزار غليظ مما يصنع باليمن وتقدم في آداب المعيشة ولأبي داود والترمذي والنسائي من حديث أبي رمثة وعليه يردان أخضران سكت عليه أبو داود واستغربه الترمذي والبزار من حديث قدامة الكلابي وعليه حلة حيرة وفيه عريف بن إبراهيم لا يعرف قاله الذهبي // وكانت تسمى حلة لأنها ثوبان من جنس واحد وربما كان يلبس بردين يمانيين أو سحوليين من هذه الغلاظ
وفي الخبر كان قميص رسول الله صلى الله عليه و سلم كأنه قميص زيات // حديث كان قميصه كأنه قميص زيات أخرجه الترمذي من حديث أنس بسند ضعيف كان يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته حتى كأن ثوبه ثوب زيات //
ولبس رسول الله صلى الله عليه و سلم يوما واحدا ثوبا سيراء من سندس قيمته مائتا درهم // حديث لبس يوما واحدا ثوبا سيراء من سندس قيمته مائتا درهم إهداء له المقوقس ثم نزعه الحديث // فكان أصحابه يلمسونه ويقولون

يا رسول الله أنزل عليك هذا من الجنة تعجبا وكان قد أهداه إليه المقوقس ملك الإسكندرية فأراد أن يكرمه بلبسه ثم نزعه وأرسل به إلى رجل من المشركين وصله به ثم حرم لبس الحرير والديباج
وكأنه إنما لبسه أولا تأكيدا للتحريم كما لبس خاتما من ذهب يوما ثم نزعه // حديث لبس يوما خاتما من ذهب ثم نزعه متفق عليه وقد تقدم // فحرم لبسه على الرجال وكما قال لعائشة فى شأن بريرة اشترطي لأهلها الولاء // حديث قال لعائشة في شأن بريرة اشترطي لأهلها الحديث متفق عليه من حديثها // فلما اشترطته صعد عليه السلام المنبر فحرمه وكما أباح المتعة ثلاثا ثم حرمها لتأكيد أمر النكاح // حديث أباح المتعة ثلاثا ثم حرمها أخرجه مسلم من حديث سلمة بن الأكوع // وقد صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم في خميصة لها علم فلما سلم قال شغلى النظر إلى هذه اذهبوا بها إلى أبى جهم وائتونى بأنبجانيته // حديث صلى في خميصة لها علم الحديث متفق عليه وقد تقدم في الصلاة // يعنى كساءه فاختار لبس الكساء على الثوب الناعم وكان شراك نعله قد أخلق فأبدل بسير جديد فصلى فيه فلما سلم قال أعيدوا الشراك الخلق وانزعوا هذا الجديد فإنى نظرت إليه في الصلاة ولبس خاتما من ذهب ونظر إليه على المنبر نظرة فرمى به فقال شغلى هذا عنكم نظرة إليه ونظرة إليكم // حديث لبس خاتما فنظر إليه على المنبر فرمى به وقال شغلني هذا عنكم الحديث تقدم // وكان صلى الله عليه و سلم قد احتذى مرة نعلين جديدين فأعجبه حسنهما فخر ساجدا وقال أعجبنى حسنهما فتواضعت لربى خشية أن يمقتنى ثم خرج بهما فدفعهما إلى أول مسكين رآه // حديث احتذى نعلين جديدين فأعجبه حسنهما الحديث تقدم //
وعن سنان بن سعد قال حيكت لرسول الله صلى الله عليه و سلم جبة من صوف أنمار وجعلت حاشيتها سوداء فلما لبسها قال انظروا ما أحسنها ما ألينها قال فقام إليه أعرابي فقال يا رسول الله هبها لى وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا سئل شيئا لم يبخل به قال فدفعها إليه وأمر أن يحاك له واحدة أخرى فمات صلى الله عليه و سلم وهى في المحاكة // حديث سنان بن سعد حيكت لرسول الله صلى الله عليه و سلم جبة صوف من صوف أنمار الحديث رواه أبو داود الطيالسي والطبراني من حديث سهل بن سعد دون قوله وأمر أن يحاك له أخرى فهي عند الطبراني فقط وفيه زمعة بن صالح ضعيف ويقع في كثير من نسخ الإحياء سيار بن سعد وهو غلط //
وعن جابر قال دخل رسول الله صلى الله عليه و سلم على فاطمة رضى الله تعالى عنها وهى تطحن بالرحى وعليها كساء من وبر الإبل فلما نظر إليها بكى وقال يا فاطمة تجرعى مرارة الدنيا لنعيم الأبد فأنزل الله عليه ولسوف يعطيك ربك فترضى // حديث جابر دخل على فاطمة وهي تطحن بالرحى الحديث أخرجه أبو بكر بن لال في مكارم الأخلاق بإسناد ضعيف // وقال صلى الله عليه و سلم إن من خيار أمتى فيما أنبأني الملأ الأعلى قوما يضحكون جهرا من سعة رحمه الله تعالى ويبكون سرا من خوف عذابه مؤنتهم على الناس خفيفة وعلى أنفسهم ثقيلة يلبسون الخلقان ويتبعون الرهبان أجسامهم في الأرض وأفئدتهم عند العرش // حديث إن من خيار أمتي فيما آتاني العلي الأعلى قوما يضحكون جهرا من سعة رحمة ربهم ويبكون سرا من خوف عذابه الحديث تقدم وهو عند الحاكم والبيهقي في الشعب وضعفه // فهذه كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه و سلم في الملابس وقد أوصى أمته عامة باتباعه إذ قال من أحبنى فليستن بسنتى // حديث من أحبني فليستن بسنتي تقدم في النكاح // وقال عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى عضوا عليها بالنواجذ // حديث عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين الحديث رواه أبو داود والترمذي وصححه وابن ماجه من حديث العرباض بن سارية // وقال تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله وأوصى رسول الله صلى الله عليه و سلم عائشة رضى الله عنها خاصة وقال إن أردت اللحوق بى فإياك ومجالسة الأغنياء ولا تنزعى ثوبا حتى ترقعيه // حديث قال لعائشة إن أردت اللحوق بي فإياك ومجالسة الأغنياء أخرجه الترمذي وقال غريب والحاكم وصححه من حديث عائشة وقد تقدم // وعد على قميص عمر رضى الله عنه اثنتا عشرة رقعة بعضها من أدم

واشترى على بن أبى طالب كرم الله وجهه ثوبا بثلاثة دراهم ولبسه وهو في الخلافة وقطع كميه من الرسغين وقال الحمد لله الذي كساني هذا من رياشه
وقال الثورى وغيره إلبس من الثياب مالا يشهرك عند العلماء ولا يحقرك عند الجهال وكان يقول إن الفقير ليمر بي وأنا أصلى فأدعه يجوز ويمر بى واحد من أبناء الدنيا وعليه هذه البزة فأمقته ولا أدعه يجوز وقال بعضهم قومت ثوبي سفيان ونعليه بدرهم وأربعة دوانق وقال ابن شبرمة خير ثيابي ما خدمني وشرها ما خدمته
وقال بعض السلف البس من الثياب ما يخلطك بالسوقة ولا تلبس منها ما يشهرك فينظر إليك
وقال أبو سليمان الدارانى الثياب ثلاثة ثوب لله وهو ما يستر العورة وثوب للنفس وهو ما يطلب لينه وثوب للناس وهو ما يطلب جوهره وحسنه
وقال بعضهم من رق ثوبه رق دينه
وكان جمهور العلماء من التابعين قيمة ثيابهم ما بين العشرين إلى الثلاثين درهما وكان الخواص لا يلبس أكثر من قطعتين قميص ومتزر تحته وربما يعطف ذيل قميصه على رأسه وقال بعض السلف أول النسك الزى وفى الخبر البذاذة من الإيمان وفى الخبر من ترك ثوب جمال وهو يقدر عليه تواضعا لله تعالى وابتغاء لوجهه كان حقا على الله أن يدخر له من عبقرى الجنة في تخات الياقوت وأوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه قل لأوليائى لا يلبسوا ملابس أعدائى ولا يدخلوا مداخل أعدائى فيكونوا أعدائي كما هم أعدائي
ونظر رافع بن خديج إلى بشر بن مروان على منبر الكوفة وهو يعظ فقال انظروا إلى أميركم يعظ الناس وعليه ثياب الفساق وكان عليه ثياب رقاق وجاء عبد الله بن عامر بن ربيعة إلى أبى ذر في بزته فجعل يتكلم في الزهد فوضع أبى ذر راحته على فيه وجعل يضرط به فغضب ابن عامر فشكاه إلى عمر فقال أنت صنعت بنفسك تتكلم في الزهد بين يديه بهذه البزة وقال على كرم الله وجهه إن الله تعالى أخذ على أئمة الهدى أن يكونوا في مثل أدنى أحوال الناس ليقتدى بهم الغنى ولا يزرى بالفقير فقره ولما عوتب في خشونة لباسه قال هو أقرب إلى التواضع وأجدر أن يقتدى به المسلم
ونهى صلى الله عليه و سلم عن التنعم وقال إن لله تعالى عبادا ليسوا بالمتنعمين // حديث نهى عن التنعم وقال إن لله عبادا ليسوا بالمتنعمين أخرجه أحمد من حديث معاذ وقد تقدم // ورؤى فضالة بن عبيد وهو والى مصر أشعث حافيا فقيل له أنت الأمير وتفعل هذا فقال نهانا رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الإرفاء وأمرنا أن نحتفى أحيانا // حديث فضالة بن عبيد نهانا رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الإرفاء وأمرنا أن نحتفي أحيانا
أخرجه أبو داود بإسناد جيد //
وقال على لعمر رضى الله عنهما إن أردت أن تلحق بصاحبيك فارفع القميص ونكس الإزار واخصف النعل وكل دون الشبع
وقال عمر اخشوشنوا وإياكم وزى العجم كسرى وقيصر وقال على كرم الله وجهه من تزيا بزى قوم فهو منهم
وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن من شرار أمتى الذين غذوا بالنعيم يطلبون ألوان الطعام وألوان الثياب ويتشدقون فى الكلام // حديث إن من شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم الحديث رواه الطبراني من حديث أبي أمامة بإسناد ضعيف سيكون رجال من أمتي يأكلون ألوان الطعام الحديث وآخره أولئك شرار أمتي وقد تقدم // وقال صلى الله عليه و سلم أزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه ولا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين وما أسفل من ذلك ففي النار ولا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا // حديث إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه الحديث رواه مالك وأبو داود والنسائي وابن حبان من حديث أبي سعيد ورواه أيضا النسائي من حديث أبي هريرة قال محمد بن يحيى الذهلي كلا الحديثين محفوظ // وقال أبو سليمان الدارانى قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يلبس الشعر من أمتى إلا مراء أو أحمق // حديث أبي سليمان لا يلبس الشعر من أمتي إلا مراء أو أحمق لم أجد له إسنادا // وقال الأوزاعى لباس الصوف في السفر سنة وفي الحضر بدعة ودخل محمد بن واسع

على قتيبة بن مسلم وعليه جبة صوف فقال له قتيبة ما دعاك إلى مدرعة الصوف فسكت فقال أكلمك ولا تجيبني فقال أكره أن أقول زهدا فأزكى نفسى أو فقرا فأشكو ربى
وقال أبو سليمان لما اتخذ الله إبراهيم خليلا أوحى إليه أن وار عورتك من الأرض وكان لا يتخذ من كل شىء إلا واحدا سوى السراويل فإنه كان يتخذ سراويلين فإذا غسل أحدهما لبس الآخر حتى لا يأتى عليه حال إلا وعورته مستورة وقيل لسلمان الفارسى رضى الله عنه مالك لا تلبس الجيد من الثياب فقال وما للعبد والثوب الحسن فإذا عتق فله والله ثياب لا تبلى أبدا ويروى عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه كان له جبة شعر وكساء يلبسهما من الليل إذا قام يصلى
وقال الحسن لفرقد السبخى تحسب أن لك فضلا على الناس بكسائك بلغنى أن أكثر أصحاب النار أصحاب الأكسية نفاقا وقال يحيى بن معين أرأيت أبا معاوية الأسود وهو يلتقط الخرق من المزابل ويغسلها ويلفقها ويلبسها فقلت إنك تكسى خيرا من هذا فقال ما ضرهم ما أصابهم فى الدنيا جبر الله لهم بالجنة كل مصيبة فجعل يحيى ابن معين يحدث بها ويبكى
المهم الثالث المسكن وللزهد فيه أيضا ثلاث درجات أعلاها أن لا يطلب موضعا خاصا لنفسه فيقنع بزوايا المساجد كأصحاب الصفة
وأوسطها أن يطلب موضعا خاصا لنفسه مثل كوخ مبنى من سعف أو خص ما يشبهه وأدناها أن يطلب حجرة مبنية إما بشراء أو إجارة فإن كان قدر سعة المسكن على قدر حاجته من غير زيادة ولم يكن فيه زينة لم يخرجه هذا القدر عن آخر درجات الزهد فإن طلب التشييد والتجصيص والسعة وارتفاع السقف أكثر من ستة أذرع فقد جاوز بالكلية حدد للزهد في المسكن فاختلاف جنس البناء بأن يكون من الجص أو القصب أو بالطين أو بالآجر واختلاف قدره بالسعة والضيق واختلاف طوله بالإضافة إلى الأوقات بأن يكون مملوكا أو مستأجرا أو مستعارا والزهد مدخل في جميع ذلك
وبالجملة كل ما يراد للضرورة فلا ينبغى أن يجاوز حد الضرورة
وقدر الضرورة من الدنيا آلة الدين ووسيلته وما جاوز ذلك فهو مضاد للدين والغرض من المسكن دفع المطر والبرد ودفع الأعين والأذى وأقل الدرجات فيه معلوم وما زاد عليه فهو الفضول والفضول كله من الدنيا وطالب الفضول والساعى له بعيد من الزهد جدا وقد قيل أول شىء ظهر من طول الأمل بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم التدريز والتشييد يعنى يالتدريز كف دروز الثياب فإنها كانت تشل شلا والتشييد هو البنيان بالجص والآجر وإنما كانوا يبنون بالسعف والجريد // حديث كانت الثياب تشل شلا وكانوا يبنون بالسعف والجريد
أما شل الثياب من غير كف فروى الطبراني والحاكم أن عمر قطع ما فضل عن الأصابع من غير كف وقال
هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم
وأما البناء ففي الصحيحين من حديث أنس في قصة بناء مسجد المدينة فصفوا النخل قبلة المسجد وجعلوا عضادتيه الحجارة الحديث ولهما من حديث أبي سعيد كان المسجد على عريش فوكف المسجد // وقد جاء في الخبر يأتى على الناس زمان يوشون ثيابهم كما توشى البرود اليمانية وأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم العباس أن يهدم علية كان قد علا بها // حديث أمر العباس أن يهدم علية له كان قد علاها
رواه الطبراني من رواية أبي العالية أن العباس بنى غرفة فقال له النبي صلى الله عليه و سلم اهدمها الحديث وهو منقطع //
ومر عليه السلام بجنبذة معلاة فقال لمن هذه قالوا لفلان فلما جاءه الرجل أعرض عنه فلم يكن يقبل عليه كما كان فسأل الرجل أصحابه عن تغيير وجهه صلى الله عليه و سلم فأخبر فذهب فهدمها فمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بالموضع فلم يرها فأخبر بأنه هدمها فدعا له بخير // حديث مر بجنبذة معلاة فقال لمن هذه فقالوا لفلان فلما جاءه الرجل أعرض عنه الحديث أخرجه أبو داود من حديث أنس بإسناد جيد بلفظ فرأى قبة مشرفة الحديث والجنبذة القبة //

وقال الحسن مات رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة // حديث الحسن مات رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يضع لبنة على لبنة الحديث رواه ابن حبان في الثقات وأبو نعيم في الحلية هكذا مرسلا
والطبراني في الأوسط من حديث عائشة من سأل عني أو سره أن ينظر إلي فلينظر إلى أشعث شاحب مشمر لم يضع لبنة على لبنة الحديث وإسناده ضعيف // وقال النبي صلى الله عليه و سلم إذا أراد الله بعبد شرا أهلك ماله في الماء والطين // حديث إذا أراد الله بعبد شرا أهلك ماله في الماء والطين رواه أبو داود من حديث عائشة بإسناد جيد خضر له في الطين واللبن حتى يبنى // وقال عبد الله بن عمر مر علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم ونحن نعالج خصا فقال ما هذا قلنا خص لنا قد وهى فقال أرى الأمر أعجل من ذلك // حديث عبد الله بن عمر مر علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم ونحن نعالج خصا لنا قد وهى الحديث رواه أبو داود والترمذي وصححه وابن ماجه // واتخذ نوح عليه السلام بيتا من قصب فقيل له لو بنيت فقال هذا كثير لمن يموت وقال الحسن دخلنا على صفوان بن محيريز وهو في بيت من قصب قد مال عليه فقيل له لو أصلحته فقال كم من رجل قد مات وهذا قائم على حاله وقال النبي صلى الله عليه و سلم من بنى فوق ما يكفيه كلف أن يحمله يوم القيامة // من بنى فوق ما يكفيه كلف يوم القيامة أن يحمله رواه الطبراني من حديث ابن مسعود بإسناد فيه لين وانقطاع // وفي الخبر كل نفقة في الأرض يؤجر عليها إلا ما أنفقه في الماء والطين // حديث كل نفقة العبد يؤجر عليهم إلا ما أنفقه في الماء والطين رواه ابن ماجة من حديث خباب بن الأرت بإسناد جيد بلفظ إلا في التراب أو قال في البناء // وفي قوله تعالى تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا إنه الرياسة والتطاول في البنيان
وقال صلى الله عليه و سلم كل بناء وبال على صاحبه يوم القيامة إلا ما أكن من حر أو برد // حديث كل بناء وبال على صاحبه إلا ما أكن من حر أو برد رواه أبو داود من حديث أنس بإسناد جيد بلفظ إلا مالا يعني مالا بد منه // وقال
A للرجل الذى شكا إليه ضيق منزله اتسع في السماء // حديث قال الرجل الذي شكى إليه ضيق منزله اتسع في السماء قال المصنف أي في الجنة
رواه أبو داود في المراسيل من رواية اليسع بن المغيرة قال شكى خالد بن الوليد فذكره وقد وصله الطبراني فقال عن اليسع بن المغيرة عن أبيه عن خالد الوليد إلا أنه قال ارفع إلى السماء واسأل الله السعة وفي إسناده لين // أي في الجنة ونظر عمر رضى الله عنه في طريق الشام إلى صرح قد بنى بجص وآجر فكبر وقال ما كنت أظن أن يكون في هذه الأمة من يبنى بنيان هامان لفرعون يعنى قول فرعون فأوقد لى يا هامان على الطين يعنى به الآجر ويقال إن فرعون هو أول من بنى له بالجص والآجر وأول من عمله هامان ثم تبعهما الجبابرة وهذا هو الزخرف ورأى بعض السلف جامعا في بعض الأمصار فقال أدركت هذا المسجد مبنيا من الجريد والسعف ثم رأيته من رهص ثم رأيته الآن مبنيا باللبن فكان أصحاب السعف خيرا من أصحاب الرهص وكان أصحاب الرهص خير من أصحاب اللبن وكان من السلف من يبنى داره مرارا في مدة عمره لضعف بنائه وقصر أمله وزهده في إحكام البنيان وكان منهم من إذا حج أو غزا نزع بيته أو وهبة لجيرانه فإذا رجع أعاده وكانت بيوتهم من الحشيش والجلود وهي عادة العرب الآن ببلاد اليمن وكان ارتفاع بناء السقف قامة وبسطة
قال الحسن كنت إذا دخلت بيوت رسول الله صلى الله عليه و سلم ضربت بيدي إلى السقف
وقال عمرو بن دينار إذا أعلى العبد البناء فوق ستة أذرع ناداه ملك إلى أين يا أفسق الفاسقين وقد نهى سفيان عن النظر إلى بناء مشيد وقال لولا نظر الناس لما شيدوا فالنظر إليه معين عليه
وقال الفضيل إنى لم أعجب ممن بنى وترك ولكن أعجب ممن نظر إليه ولم يعتبر
وقال ابن مسعود رضى الله عنه يأتى قوم يرفعون الطين ويضعون الدين ويستعملون البرازين يصلون إلى قبلتكم ويموتون على غير دينكم

المهم الرابع أثاث البيت وللزهد فيه أيضا درجات أعلاها حال عيسى المسيح صلوات الله عليه وسلامه وعلى كل عبد مصطفى إذ كان لا يصحبه إلا مشط وكوز فرأى إنسانا يمشط لحيته بأصابعه فرمى بالمشط ورأى آخر يشرب من النهر بكفيه فرمى بالكوز وهذا حكم كل أثاث فإنه إنما يراد لمقصود فإذا استغنى عنه فهو وبال في الدنيا والآخرة ومالا يستغنى عنه فيقتصر فيه على أقل الدرجات وهو الخزف في كل ما يكفي فيه الخزف ولا يبالى بأن يكون مكسور الطرف إذا كان المقصود يحصل به وأوسطها أن يكون له أثاث بقدر الحاجة صحيح في نفسه ولكن يستعمل الآلة الواحدة في مقاصد كالذي معه قصعة يأكل فيها ويشرب فيها ويحفظ المتاع فيها وكان السلف يستحبون استعمال آلة واحدة في أشياء للتخفيف وأعلاها أن يكون له بعدد كل حاجة آلة من الجنس النازل الخسيس فإن زاد في العدد أو في نفاسة الجنس خرج عن جميع أبواب الزهد وركن إلى طلب الفضول ولينظر إلى سيرة رسول الله صلى الله عليه و سلم وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فقد قالت عائشة رضي الله عنها كان ضجاع رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي ينام عليه وسادة من أدم حشوها ليف // حديث عائشة كان ضجاع رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي ينام عليه وسادة من أدم حشوها ليف
رواه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح وابن ماجه //
وقال الفضيل ما كان فراش رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا عباءة مثنية ووسادة من أدم حشوها ليف // حديث ما كان فراش رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا عباءة مثنية ووسادة من أدم حشوها ليف
رواه الترمذي في الشمائل من حديث حفصة بقصة العباءة وقد تقدم ومن حديث عائشة بقصة الوسادة وقد تقدم قبله بعض طرقه //
وروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل على رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو نائم على سرير مرمول بشريط فجلس فرأى أثر الشريط في جنبه عليه السلام فدمعت عينا عمر فقال له النبي صلى الله عليه و سلم ما الذي أبكاك يا ابن الخطاب قال ذكرت كسرى وقيصر وما هما فيه من الملك وذكرتك وأنت حبيب الله وصفيه ورسوله نائم على سرير مرمول بالشريط فقال صلى الله عليه و سلم أما ترضى يا عمر أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة قال بلى يا رسول الله قال فذلك كذلك // حديث دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو نائم على سرير مرمول بشريط النخل فجلس فرأى أثر الشريط في جنبه الحديث متفق عليه من حديثه وقد تقدم // ودخل رجل على أبي ذر فجعل يقلب بصره في بيته فقال يا أبا ذر ما أرى في بيتك متاعا ولا غير ذلك من الأثاث فقال إن لنا بيتا نوجه إليه صالح متاعنا فقال إنه لا بد لك من متاع ما دمت ههنا فقال إن صاحب المنزل لا يدعنا فيه ولما قدم عمير بن سعيد أمير حمص على عمر رضي الله عنهما قال له ما معك من الدنيا فقال معى عصاى أتوكأ عليها وأقتل بها حية إن لقيتها ومعى جرابي أحمل فيه طعامي ومعي قصعتي آكل فيها وأغسل فيها رأسي وثوبي
ومعي مطهرتي أحمل فيها شرابي وطهوري للصلاة فما كان بعد هذا من الدنيا فهو تبع لما معي فقال عمر صدقت رحمك الله وقدم رسول الله صلى الله عليه و سلم من سفر فدخل على فاطمة رضي الله عنها فرأى على باب منزلها ستر وفي يديها قلبين من فضة فرجع فدخل عليها أبو رافع وهي تبكي فأخبرته برجوع رسول الله صلى الله عليه و سلم فسأله أبو رافع فقال من أجل التستر والسوارين فأرسلت بهما بلالا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وقالت قد تصدقت بهما فضعهما حيث ترى فقال اذهب فبعه وادفعه إلى أهل الصفة فباع القلبين بدرهمين ونصف وتصدق بهما عليهم فدخل عليها صلى الله عليه و سلم فقال بأبي أنت قد أحسنت // حديث قدم من سفره فدخل على فاطمة فرأى على منزلها سترا وفي يديها قلبين من فضة فرجع الحديث لم أره مجموعا ولأبي داود وابن ماجه من حديث سفينة بإسناد جيد أنه صلى الله عليه و سلم جاء فوضع يديه على عضادتي الباب فرأى القرام قد ضرب في ناحية البيت فرجع فقالت فاطمة لعلي انظر فأرجعه
الحديث رواه النسائي من حديث ثوبان بإسناد جيد قال جاءت ابنة هبيرة إلى النبي صلى الله عليه و سلم وفي يدها فتخ من ذهب الحديث وفيه أنه وجد في يد فاطمة سلسلة من ذهب وفيه يقول الناس فاطمة بنت محمد في يدها سلسلة من نار وأنه خرج ولم يقعد فأمرت بالسلسلة فبيعت فاشترت بثمنها عبد فأعتقته فلما سمع قال الحمد لله الذي نجى فاطمة من النار // ورأى رسول الله صلى الله عليه و سلم على باب عائشة سترا فهتكه

وقال كلما رأيته ذكرت الدنيا أرسلي به إلى آل فلان // حديث رأى على باب عائشة سترا فهتكه الحديث
أخرجه الترمذي وحسنه والنسائي في الكبرى من حديثها // وفرشت له عائشة ذات ليلة فراشا جديدا وقد كان صلى الله عليه و سلم ينام على عباءة مثنية فما زال يتقلب ليلته فلما أصبح قال لها أعيدي العباءة الخلقة ونحى هذا الفراش عنى قد أسهرني الليلة // حديث فرشت له عائشة ذات ليلة فراشا جديدا وفيه كان ينام على عباءة مثنية الحديث رواه ابن حبان في كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه و سلم من حديثها قالت دخلت على امرأة من الأنصار فرأت فراش رسول الله صلى الله عليه و سلم عباءة مثنية فانطلقت فبعثت إلي بفراش حشوه صوف فدخل على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال ما هذا الحديث وفيه أنه أمرها برده ثلاث مرات فردته وفيه مجالد بن سعيد مختلف فيه والمعروف حديث حفصة المتقدم ذكره من الشمائل // وكذلك أتته دنانير خمسة أو ستة ليلا فبيتها فسهر ليلته حتى أخرجها من آخر الليل
قالت عائشة رضى الله عنها فنام حينئذ حتى سمعت غطيطه ثم قال ما ظن محمد بربه لو لقى الله وهذه عنده // حديث أتته دنانير خمسة أو ستة عشاء فبيتها فسهر ليله الحديث وفيه ما ظن محمد بربه لو لقي الله وهذه عنده أخرجه أحمد من حديث عائشة بإسناد حسن أنه قال في مرضه الذي مات فيه يا عائشة ما فعلت بالذهب فجاء ما بين الخمسة إلى الثمانية إلى التسعة فجعل يقلبها بيده ويقول ما ظن محمد الحديث وزاد أنفقها وفي رواية سبعة أو تسعة دنانير وله من حديث أم سلمة بإسناد صحيح دخل على رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو شاهم الوجه قالت فحسبت ذلك من وجع فقلت يا نبي الله ما لك شاهم الوجه فقال من أجل الدنانير السبعة التي أتتنا أمس أمسينا وهي في خصم الفراش وفي رواية أمسينا ولم ننفقها // وقال الحسن أدركت سبعين من الأخيار ما لأحدهم إلا ثوبه وما وضع أحدهم بينه وبين الأرض ثوبا قط كان إذا أراد النوم باشر الأرض بجسمه وجعل ثوبه فوقه
المهم الخامس المنكح وقد قال قائلون لا معنى للزهد في أصل النكاح ولا في كثرته وإليه ذهب سهل ابن عبد الله وقال قد حبب إلى سيد الزاهدين النساء فكيف نزهد فيهن ووافقه على هذا القول ابن عيينة وقال كان أزهد الصحابة على بن أبي طالب رضى الله عنه وكان له أربع نسوة وبضع عشرة سرية
والصحيح ما قاله أبو سليمان الدارانى رحمه الله إذ قال كل ما شغلك عن الله من أهل ومال وولد فهو عليك مشئوم والمرأة قد تكون شاغلا عن الله
وكشف الحق فيه أنه قد تكون العزوبة أفضل في بعض الأحوال كما سبق في كتاب النكاح فيكون ترك النكاح من الزهد وحيث يكون النكاح أفضل لدفع الشهوة الغالبة فهو واجب فكيف يكون تركه من الزهد وإن لم يكن عليه آفة في تركه ولا فعله ولكن ترك النكاح احترازا عن ميل القلب إليهن والأنس بهن بحيث يشتغل عن ذكر الله فترك ذلك من الزهد فإن علم أن المرأة لا تشغله عن ذكر الله ولكن ترك ذلك احترازا من لذة النظر والمضاجعة والمواقعة فليس هذا من الزهد أصلا فإن الولد مقصود لبقاء نسله وتكثير أمة محمد صلى الله عليه و سلم من القربات واللذة التى تلحق الإنسان فيما هو من ضرورة الوجود لا تضره إذا لم تكن هي المقصد والمطلب وهذا كمن ترك أكل الخبز وشرب الماء احترازا من لذة الأكل والشرب وليس ذلك من الزهد في شىء لأن في ترك ذلك فوات بدنه فكذلك في ترك النكاح انقطاع نسله فلا يجوز أن يترك النكاح زهدا في لذته من غير خوف آفة أخرى وهذا ما عناه سهل لا محالة ولأجله نكح رسول الله صلى الله عليه و سلم
وإذا ثبت هذا فمن حاله حال رسول الله صلى الله عليه و سلم في أنه لا يشغله كثرة النسوة ولا اشتغال القلب بإصلاحهن والإنفاق عليهن // حديث كان لا يشغله كثرة النسوة ولا اشتغال القلب بإصلاحهن والإنفاق عليهن تقدم في النكاح // فلا معنى لزهده فيهن حذرا من مجرد لذة الوقاع والنظر ولكن أنى يتصور ذلك لغير الأنبياء والأولياء فأكثر الناس يشغلهم

كثرة النسوان فينبغى أن يترك الأصل إن كان يشغله وإن لم يشغله وكان يخاف من أن تشغله الكثرة منهن أو جمال المرأة فلينكح واحدة غير جميلة وليراع قلبه في ذلك
قال أبو سليمان الزهد في النساء أن يختار المرأة الدون أو اليتيمة على المرأة الجميلة والشريفة
وقال الجنيد رحمه الله أحب للمريد المبتدى أن لا يشغل قلبه بثلاث وإلا تغير حاله التكسب وطلب الحديث والتزوج وقال أحب للصوفى أن لا يكتب ولا يقرأ لأنه أجمع لهمه فإذا ظهر أن لذة النكاح كلذة الأكل فما شغل عن الله فهو محذور فيهما جميعا
المهم السادس ما يكون وسيلة إلى هذه الخمسة وهو المال والجاه أما الجاه فمعناه ملك القلوب بطلب محل فيها ليتوصل به إلى الاستعانة في الأغراض والأعمال وكل من لا يقدر على القيام بنفسه في جميع حاجته وافتقر إلى من يخدمه افتقر إلى جاه لا محالة في قلب خادمه لأنه إن لم يكن له عنده محل وقدر لم يقم بخدمته وقيام القدر والمحل في القلوب هو الجاه وهذا له أول قريب ولكن يتمادى به إلى هاوية لا عمق لها ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه وإنما يحتاج إلى المحل في القلوب إما لجلب نفع أو لدفع ضر أو لخلاص من ظلم فأما النفع فيغني عنه المال فإن من يخدم بأجرة يخدم وإن لم يكن عنده المستأجر قدر وإنما يحتاج إلى الجاه في قلب من يخدم بغير أجرة وأما دفع الضر فيحتاج لأجله إلى الجاه في بلد لا يكمل فيه العدل أو يكون بين جيران يظلمونه ولا يقدر على دفع شرهم إلا بمحل له في قلوبهم أو محل له عند للسلطان وقدر الحاجة فيه لا ينضبط لا سيما إذا انضم إليه الخوف وسوء الظن بالعواقب والخائض في طلب الجاه سالك طريق الهلاك بل حق الزاهد أن لا يسعى لطلب المحل في القلوب أصلا فإن اشتغاله بالدين والعبادة يمهد له من المحل في القلوب ما يدفع به عنه الأذى ولو كان بين الكفار فكيف بين المسلمين فأما التوهمات والتقديرات التى تحوج إلى زيادة في الجاه على الحاصل بغير كسب فهى أوهام كاذبة إذ من طلب الجاه أيضا لم يخل عن أذى في بعض الأحوال فعلاج ذلك بالاحتمال والصبر أولى من علاجه بطلب الجاه فإذن طلب المحل في القلوب لا رخصة فيه أصلاواليسير منه داع إلى الكثير وضراوته أشد من ضراوة الخمر فليحترز من قليله وكثيره
وأما المال فهو ضرورى في المعيشة أعنى القليل منه فإن كان كسوبا فإذا اكتسب حاجة يومه فينبغى أن يترك الكسب كان بعضهم إذا اكتسب حبتين رفع سفطه وقام هذا شرط الزهد فإن جاوز ذلك إلى ما يكفيه أكثر من سنة فقد خرج عن حد ضعفاء الزهاد وأقويائهم جميعا وإن كانت له ضيعة ولم يكن له قوة يقين في التوكل فأمسك منها مقدار ما يكفى ريعه لسنة واحدة فلا يخرج بهذا القدر عن الزهد بشرط أن يتصدق بكل ما يفضل عن كفاية سنته ولكن يكون من ضعفاء الزهاد فإن شرط التوكل في الزهد كما شرطه أويس القرنى رحمه الله فلا يكون هذا من الزهاد وقولنا إنه خرج من حد الزهاد نعنى به أن ما وعد للزاهدين في الدار الآخرة من المقامات المحمودة لا يناله وإلا فاسم الزهد قد لا يفارقه بالإضافة إلى ما زهد فيه من الفضول والكثرة وأمر المنفرد في جميع ذلك أخف من أمر المعيل وقد قال أبو سليمان لا ينبغى أن يرهق الرجل أهله إلى الزهد بل يدعوهم إليه فإن أجابوا وإلا تركهم وفعل بنفسه ما شاء معناه أن التضييق المشروط على الزاهد يخصه ولا يلزمه كل ذلك في عياله نعم لا ينبغى أن يجيبهم أيضا فيما يخرج عن حد الاعتدال وليتعلم من رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ انصرف من بيت فاطمة رضوان الله عليها بسبب ستر وقلبين لأن ذلك من الزينة لا من الحاجة فإذا ما يضطر الإنسان إليه من جاه ومال ليس بمحذور بل الزائد على الحاجة سم قائل والمقتصر على الضرورة دواء

نافع وما بينهما درجات متشابهة فما يقرب من الزيادة وإن لم يكن سما قاتلا فهو مضر وما يقرب من الضرورة فهو وإن لم يكن دواء نافعا لكنه قليل الضرر والسم محظور شربه والدواء فرض تناوله وما بينهما مشتبه أمره فمن احتاط فإنما يحتاط لنفسه ومن تساهل فإنما يتساهل على نفسه ومن استبرأ لدينه وترك ما يريبه إلى ما لا يريبه ورد نفسه إلى مضيق الضرورة فهو الآخذ بالحزم وهو من الفرق الناجية لا محالة
والمقتصر على قدر الضرورة والمهم لا يجوز أن ينسب إلى الدنيا بل ذلك القدر من الدنيا هو عين الدين لأنه شرط الدين والشرط من جملة المشروط
ويدل عليه ما روى أن إبراهيم الخليل عليه السلام أصابته حاجة فذهب إلى صديق له يستقرضه شيئا فلم يقرضه فرجع مهموما فأوحى الله تعالى إليه لو سألت خليلك لأعطاك فقال يا رب عرفت مقتك للدنيا فخفت أن أسالك منها شيئا فأوحى الله تعالى إليه ليس الحاجة من الدنيا فإذن قدر الحاجة من الدين وما وراء ذلك وبال في الآخرة وهو في الدنيا أيضا كذلك يعرفه من يخبر أحوال الأغنياء وما عليهم من المحنة في كسب المال وجمعه وحفظه واحتمال الذل فيه وغاية سعادته به أن يسلم لورثته فيأكلون وربما يكونون أعداء له وقد يستعينون به على المعصية فيكون هو معينا لهم عليها ولذلك شبه جامع الدنيا ومتبع الشهوات بدود القز لا يزال ينسج على نفسه حيا ثم يروم الخروج فلا يجد مخلصا فيموت ويهلك بسبب عمله الذى عمله بنفسه فكذلك كل من اتبع شهوات الدنيا فإنما يحكم على قلبه بسلاسل تقيده بما يشتهيه حتى تتظاهر عليه السلاسل فيقيده المال والجاه والأهل والولد وشماتة الأعداء ومراءاة الأصدقاء وسائر حظوظ الدنيا فلو خطر له أنه قد أخطأ فيه فقصد الخروج من الدنيا لم يقدر عليه ورأى قلبه مقيدا بسلاسل وأغلال لا يقدر على قطعها ولو ترك محبوبا من محابه باختياره كاد أن يكون قاتلا لنفسه وساعيا في هلاكه إلى أن يفرق ملك الموت بينه وبين جميعها دفعة واحدة
فتبقى السلاسل في قلبه معلقة بالدنيا التى فاتته وخلفها فهى تجاذبه إلى الدنيا ومخالب ملك الموت قد علقت بعروق قلبه تجذبه إلى الآخرة فيكون أهون أحواله عند الموت أن يكون كشخص ينشر بالمنشار ويفصل أحد جانبيه عن الآخر بالمجاذبة من الجانبين والذى ينشر بالمنشار إنما ينزل المؤلم ببدنه ويؤلم قلبه بذلك بطرق السراية من حيث أثره فما ظنك بألم يتمكن أولا من صميم القلب مخصوصا به لا بطريق السراية إليه من غيره فهذا أول عذاب يلقاه قبل ما يراه من حسرة فوت النزول في أعلى عليين وجوار رب العالمين فبالنزوع إلى الدنيا يحجب عن لقاء الله تعالى وعند الحجاب تتسلط عليه نار جهنم إذ النار غير مسلطة إلا على محجوب
قال الله تعلى كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم فرتب العذاب بالنار على ألم الحجاب وألم الحجاب كاف من غير علاوة النار فكيف إذا أضيفت العلاوة إليه فنسأل الله تعالى أن يقرر في أسماعنا ما نفث في روع رسول الله صلى الله عليه و سلم حيث قيل له أحبب من أحببت فإنك مفارقه // حديث نفث في روعه أحبب من أحببت فإنك مفارقه تقدم // وفي معنى ما ذكرناه من المثال قول الشاعر
كدود كدود القز ينسج دائما ... ويهلك غما وسط ما هو ناسجه
ولما انكشف لأولياء الله تعالى أن العبد مهلك نفسه بأعماله واتباعه هوى نفسه إهلاك دود القز نفسه رفضوا الدنيا بالكلية حتى قال الحسن رأيت سبعين بدريا كانوا فيما أحل الله لهم أزهد منكم فيما حرم الله عليكم
وفي لفظ آخر كانوا بالبلاء أشد فرحا منكم بالغصب والرخاء لو رأيتموهم قلتم مجانين ولو رأوا خياركم قالوا

ما لهؤلاء من خلاق ولو رأوا أشراركم قالوا ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب وكان أحدهم يعرض لهم المال الحلال فلا يأخذه ويقول أخاف أن يفسد على قلبى فمن كان له قلب فهو لا محالة يخاف من فساده والذين أمات حب الدنيا قلوبهم فقد أخبر الله عنهم إذ قال تعالى ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون وقال عز و جل ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا
وقال تعالى فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم فأحال ذلك كله على الغفلة وعدم العلم ولذلك قال رجل لعيسى عليه السلام احملنى معك في سياحتك فقال اخرج مالك والحقني
فقال لا أستطيع فقال عيسى عليه السلام بعجب يدخل الغنى الجنة أو قال بشدة وقال بعضهم ما من يوم ذر شارقه إلا وأربعة أملاك ينادون في الآفاق بأربعة أصوات ملكان بالمشرق وملكان بالمغرب يقول أحدهم بالمشرق يا باغى الخير هلم ويا باغى الشر أقصر ويقول الآخر اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا ويقول اللذان بالمغرب أحدهما لدوا للموت وابنوا للخراب
ويقول الآخر كلوا وتمتعوا لطول الحساب
بيان علامات الزهد اعلم أنه قد يظن أن تارك المال زاهد وليس كذلك
فإن ترك المال وإظهار الخشونة سهل على من أحب المدح بالزهد فكم من الرهابين من ردوا أنفسهم كل يوم إلى قدر يسير من الطعام ولازموا ديرا لا باب له وإنما مسرة أحدهم معرفة الناس حاله ونظرهم إليه ومدحهم له فذلك لا يدل على الزهد دلالة قاطعة بل لا بد من الزهد في المال والجاه جميعا حتى يكمل الزهد في جميع حظوظ النفس من الدنيا بل قد يدعى جماعة الزهد مع لبس الأصواف الفاخرة والثياب الرفيعة كما قال الخواص في وصف المدعين إذ قال وقوم ادعوا الزهد ولبسوا الفاخر من اللباس يموهون بذلك على الناس ليهدى إليهم مثل لباسهم لئلا ينظر إليهم بالعين التى ينظر بها إلى الفقراء فيحتقروا فيعطوا كما تعطى المساكين ويحتجون لنفوسهم بأتباع العلم وأنهم على السنة وأن الأشياء داخلة إليهم وهم خارجون منها وإنما يأخذون بعلة غيرهم
هذا إذا طولبوا بالحقائق وألجئوا إلى المضايق وكل هؤلاء أكلة الدنيا بالدين لم يعنوا بتصفية أسرارهم ولا بتهذيب أخلاق نفوسهم فظهرت عليهم صفاتهم فغلبتهم فادعوها حالا لهم فهم مائلون إلى الدنيا متبعون الهوى
فهذا كله كلام الخواص رحمه الله فإذن معرفة الزهد أمر مشكل بل حال الزهد على الزاهد مشكل
وينبغى أن يعول في باطنه على ثلاث علامات العلامة الأولى أن لا يفرح بموجود ولا يحزن على مفقود كما قال تعالى لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم بل ينبغى أن يكون بالضد من ذلك وهو أن يحزن بوجود المال ويفرح بفقده العلامة الثانية أن يستوى عنده ذامه ومادحه فالأول علامة الزهد في المال والثانى علامة الزهد في الجاه العلامة الثالثة أن يكون أنسه بالله تعالى والغالب على قلبه حلاوة الطاعة إذ لا يخلو القلب عن حلاوة المحبة إما محبة الدنيا وإما محبة الله وهما في القلب كالماء والهواء في القدح فالماء إذا دخل خرج الهواء ولا يجتمعان وكل من أنس بالله اشتغل به ولم يشتغل بغيره ولذلك قيل لبعضهم إلى ماذا أفضى بهم الزهد فقال إلى الأنس بالله فأما الأنس بالدنيا وبالله فلا يجتمعان
وقد قال أهل المعرفة إذا تعلق الإيمان بظاهر القلب أحب الدنيا والآخرة جميعا وعمل لهما وإذا بطن الإيمان في سويداء القلب وباشره أبغض الدنيا فلم ينظر إليها ولم يعمل لها ولهدا ورد فى دعاء آدم عليه السلام

اللهم إنى أسألك إيمانا يباشر قلبى
وقال أبو سليمان من شغل بنفسه شغل عن الناس وهذا مقام العاملين ومن شغل بربه شغل عن نفسه وهذا مقام العارفين
والزاهد لا بد وأن يكون في أحد هذين المقامين ومقامه الأول أن يشغل نفسه بنفسه وعند ذلك يستوى عنده المدح والذم والوجود والعدم ولا يستدل بإمساكه قليلا من المال على فقد زهده أصلا
قال ابن أبى الحوارى قلت لأبى سليمان أكان داود الطائى زاهدا قال نعم قلت قد بلغنى أنه ورث عن أبيه عشرين دينارا فأنفقها في عشرين سنة فكيف كان زاهدا وهو يمسك الدنانير فقال أردت منه أن يبلغ حقيقة الزهد وأراد بالحقيقة الغاية فإن الزهد ليس له غاية لكثرة صفات النفس
ولا يتم الزهد إلا بالزهد في جميعها فكل من ترك من الدنيا شيئا مع القدرة عليه خوفا على قلبه وعلى دينه فله مدخل في الزهد بقدر ما تركه وآخره أن يترك كل ما سوى الله حتى لا يتوسد حجرا كما فعله المسيح عليه السلام فنسأل الله تعالى أن يرزقنا من مباديه نصيبا وإن قل فإن أمثالنا لا يستجرىء على الطمع في غاياته وإن كان قطع الرجاء عن فضل الله غير مأذون فيه وإذا لاحظنا عجائب نعم الله تعالى علينا علمنا أن الله تعالى لا يتعاظمه شىء فلا بعد في أن نعظم السؤال اعتمادا على الجود المجاوز لكل كمال
فإذن علامة الزهد استواء الفقر والغنى والعز والذل والمدح والذم وذلك لغلبة الأنس بالله
ويتفرع عن هذه العلامات علامات أخرى لا محالة مثل أن يترك الدنيا ولا يبالى من أخذها
وقيل علامته أن يترك الدنيا كما هي فلا يقول أبنى رباطا أو أعمر مسجدا
وقال يحيى بن معاذ علامة الزهد السخاء بالموجود
وقال ابن خفيف علامته وجود الراحة في الخروج من الملك وقال أيضا الزهد هو عزوف النفس عن الدنيا بلا تكلف
وقال أبو سليمان الصوف علم من أعلام الزهد فلا ينبغى أن يلبس صوفا بثلاثة دراهم وفي قلبه رغبة خمسة دراهم
وقال أحمد بن حنبل وسفيان رحمهما الله علامة الزهد قصر الأمل وقال سرى لا يطيب عيش الزاهد إذا اشتغل عن نفسه ولا يطيب عيش العارف إذا اشتغل بنفسه
وقال النصراباذي الزاهد غريب في الدنيا والعارف غريب في الآخرة
وقال يحيى بن معاذ علامة الزهد ثلاث عمل بلا علاقة وقول بلا طمع وعز بلا رياسة وقال أيضا الزاهد لله يسعطك الخل والخردل والعارف يشمك المسك والعنبر
وقال له رجل متى أدخل حانوت التوكل وألبس رداء الزهد وأقعد مع الزاهدين فقال إذا صرت من رياضتك لنفسك في السر إلى حد لو قطع الله عنك الرزق ثلاثة أيام لم تضعف في نفسك فأما ما لم تبلغ هذه الدرجة فجلوسك على بساط الزاهدين جهل ثم لا آمن عليك أن تفتضح وقال أيضا الدنيا كالعروس ومن يطلبها ما شطتها والزاهد فيها يسخم وجهها وينتف شعرها ويخرق ثوبها والعارف يشتغل بالله تعالى ولا يلتفت إليها
وقال السرى مارست كل شىء من أمر الزهد فنلت منه ما أريد إلا الزهد في الناس فإنى لم أبلغه ولم أطقه

وقال الفضيل رحمه الله جعل الله الشر كله في بيت وجعل مفتاحه حب الدنيا وجعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا
فهذا ما أردنا أن نذكره من حقيقة الزهد وأحكامه وإذا كان الزهد لا يتم إلا بالتوكل فلنشرع في بيانه إن شاء الله تعالى
كتاب التوحيد والتوكل وهو الكتاب الخامس من ربع المنجيات من كتاب
إحياء علوم الدين بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله مدبر الملك والملكوت المنفرد بالعزة والجبروت
الرافع السماء بغير عماد المقدر فيها أرزاق العباد الذى صرف أعين ذوي القلوب والألباب عن ملاحظة الوسائط والأسباب إلى مسبب الأسباب ورفع همهم عن الالتفات إلى ما عداه والاعتمام على مدبر سواه فلم يعبدوا إلا أياه علما بأنه الواحد الفرد الصمد الإله وتحقيقا بأن جميع أصناف الخلق عباد أمثالهم لا يبتغي عندهم الرزق وأنه ما من ذرة إلا إلى الله خلقها وما من دابة إلا على الله رزقها فلما تحققوا أنه لرزق عباده ضامن وبه كفيل توكلوا عليه فقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل
والصلاة على محمد قامع الأباطيل الهادي إلى سواء السبيل وعلى آله وسلم تسليما كثيرا
أما بعد فإن التوكل منزل من منازل الدين ومقام من مقامات الموقنين بل هو من معالى درجات المقربين وهو في نفسه غامض من حيث العلم ثم هو شاق من حيث العمل ووجه غموضه من حيث الفهم أن ملاحظة الأسباب والاعتماد عليها شرك في التوحيد والتثاقل عنها بالكلية طعن في السنة وقدح فى الشرع والاعتماد على الأسباب من غير أن ترى أسبابا تغيير في وجه العقل وانغماس في غمرة الجهل وتحقيق معنى التوكل على وجه يتوافق فيه مقتضى التوحيد والنقل والشرع في غاية الغموض والعسر ولا يقوى على كشف هذا الغطاء مع شدة الخفاء إلا سماسرة العلماء الذين اكتحلوا من فضل الله تعالى بأنوار الحقائق فأبصروا وتحققوا ثم نطقوا بالإعراب عما شاهدوه من حيث استنطقوا
ونحن الآن نبدأ بذكر فضيلة التوكل على سبيل التقدمة ثم نردفه بالتوحيد في الشطر الأول من الكتاب ونذكر حال التوكل وعمله في الشطر الثاني
بيان فضيلة التوكل أما من الآيات فقد قال تعالى وعلى الله فتوكلوا
إن كنتم مؤمنين وقال عز و جل وعلى الله فليتوكل المتوكلون وقال تعالى ومن يتوكل على الله فهو حسبه وقال سبحانه وتعالى إن الله يحب المتوكلين وأعظم بمقام موسوم بمحبة الله تعالى صاحبه ومضمون كفاية الله تعالى ملابسه فمن الله تعالى حسبه وكافيه ومحبه ومراعيه فقد فاز الفوز العظيم فإن المحبوب لا يعذب ولا يبعد ولا يحجب وقال تعالى أليس الله بكاف عبده فطالب الكفاية من غيره والتارك للتوكل هو المكذب لهذه الآية
فإنه سؤال في معرض استنطاق بالحق كقوله تعالى هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا وقال عز و جل ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم أي عزيز لا يذل من استجار به ولا يضيع من لاذ بجنا به والتجأ إلى

ذمامه وحماه وحكيم لا يقصر عن تدبير من توكل على تدبيره
وقال تعالى إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم بين أن كل ما سوى الله تعالى عبد مسخر
حاجته مثل حاجتكم فكيف يتوكل عليه
وقال تعالى إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه وقال عز و جل ولله خزائن السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون وقال عز و جل يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه وكل ما ذكر في القرآن من التوحيد فهو تنبيه على قطع الملاحظة عن الأغيار والتوكل على الواحد القهار
وأما الأخبار فقد قال صلى الله عليه و سلم فيما رواه ابن مسعود أريت الأمم في الموسم فرأيت أمتى قد ملأوا السهل والجبل فأعجبتنى كثرتهم وهيأتهم فقيل لى أرضيت قلت نعم قيل ومع هؤلاء سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب قيل من هم يا رسول الله قال الذين لا يكتوون ولا يتطيرون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة وقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم اللهم اجعله منهم فقام آخر فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال صلى الله عليه و سلم سبقك بها عكاشة // حديث ابن مسعود أريت الأمم في الموسم فرأيت أمتي قد ملأوا السهل والجبل الحديث رواه ابن منيع بإسناد حسن واتفق عليه الشيخان من حديث ابن عباس // وقال صلى الله عليه و سلم لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا // حديث لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير الحديث أخرجه الترمذي والحاكم وصححاه من حديث عمر وقد تقدم // وقال صلى الله عليه و سلم من انقطع إلى الله عز و جل كفاه الله تعالى كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها // حديث من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة الحديث أخرجه الطبراني في الصغير وابن أبي الدنيا ومني طريقة البيهقي في الشعب من رواية عن عمران بن حصين ولم يسمع منه وفيه إبراهيم بن الأشعث تكلم فيه أبو حاتم // وقال صلى الله عليه و سلم من سره أن يكون أغنى الناس فليكن بما عند الله أوثق منه بما في يديه // حديث من سره أن يكون أغنى الناس فليسكن بما عند الله أوثق منه بما في يده رواه الحاكم والبيهقي في الزهد من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف // ويروى عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه كان إذا أصاب أهله خصاصة قال قوموا إلى الصلاة ويقول بهذا أمرنى ربى عز و جل قال عز و جل وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها // حديث كان إذا أصاب أهله خصاصة قال قوموا إلى الصلاة ويقول بهذا أمرني ربي قال تعالى وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها رواه الطبراني في الأوسط من حديث محمد بن حمزة عن عبد الله بن سلام قال كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا نزل بأهله الضيق أمرهم بالصلاة ثم قرأ هذه الآية
ومحمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام إنما ذكروا له روايته عن أبيه عن جده فيبعد سماعه من جد أبيه // الآية وقال صلى الله عليه و سلم لم يتوكل من استرقى واكتوى // حديث لم يتوكل من استرقى واكتوى أخرجه الترمذي وحسنه والنسائي في الكبير والطبراني واللفظ له إلا أنه قال أو من حديث المغيرة بن شعبة وقال الترمذي من اكتوت أو استرقى فقد برىء من التوكل وقال النسائي ما توكل من اكتوى أو استرقى //
وروى أنه لما قال جبريل لإبراهيم عليهما السلام وقد رمى إلى النار بالمنجنيق ألك حاجة قال أما إليك فلا وفاء بقوله حسبى الله ونعم الوكيل إذ قال ذلك حين أخذ ليرمي فأنزل الله تعالى وإبراهيم الذى وفى
وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام يا داود ما من عبد يعتصم بي دون خلقي فتكيده السموات والأرض إلا جعلت له مخرجا
وأما الآثار فقد قال سعيد بن جبير لدغتنى عقرب فأقسمت على أمى لتسترقين فناولت الراقى يدى التى لم تلدغ

وقرأ الخواص قوله تعالى وتوكل على الحى الذى لا يموت إلى آخر فقال ما ينبغى للعبد بعدد هذه الآية أن يلجأ إلى أحد غير الله تعالى
وقيل لبعض العلماء في منامه من وثق بالله تعالى فقد أحرز قوته وقال بعض العلماء لا يشغلك المضمون لك من الرزق عن المفروض عليك من العمل فتضيع أمر آخرتك ولا تنال من الدنيا إلا ما قد كتب الله لك
وقال يحيى بن معاذ في وجود العبد الرزق من غير طلب دلالة على أن الرزق مأمور بطلب العبد
وقال إبراهيم بن أدهم سألت بعض الرهبان من أين تأكل فقال لى ليس هذا العلم عندى ولكن سل ربى من أين يطعمنى
وقال هرم بن حيان لأويس القرنى أين تأمرنى أن أكون فأومأ إلى الشام قال هرم كيف المعيشة قال أويس أف لهذه القلوب قد خالطها الشك فما تنفعها الموعظة
وقال بعضهم متى رضيت بالله وكيلا وجدت إلى كل خير سبيلا ونسأل الله تعالى حسن الأدب
بيان حقيقة التوحيد الذي هو أصل التوكل
اعلم أن التوكل من باب الإيمان وجميع أبواب الإيمان لا تنتظم إلا بعلم وحال وعمل والتوكل كذلك ينتظم من علم هو الأصل وعمل هو الثمرة وحال هو المراد باسم التوكل
فلنبدأ ببيان العلم الذي هو الأصل وهو المسمى إيمانا في أصل اللسان إذ الإيمان هو التصديق وكل تصديق بالقلب فهو علم وإذا قوى سمى يقينا ولكن أبواب اليقين كثيرة ونحن إنما نحتاج منها إلى ما نبنى عليه التوكل وهو التوحيد الذى يترجمه قولك لا إله إلا الله وحده لا شريك له والإيمان بالقدرة التي يترجم عنها قولك له الملك والإيمان بالجود والحكمة الذي يدل عليه قولك وله الحمد فمن قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير تم له الإيمان الذي هو أصل التوكل أعنى أن يصير معنى هذا القول وصفا لازما لقلبه غالبا عليه فأما التوحيد فهو الأصل والقول فيه يطول وهو من علم المكاشفة ولكن بعض علوم المكاشفات متعلق بالأعمال بواسطة الأحوال ولا يتم علم المعاملة إلا بها فإذن لا نتعرض إلا للقدر الذي يتعلق بالمعاملة وإلا فالتوحيد هو البحر الخضم الذي لا ساحل له فنقول
للتوحيد أربع مراتب وينقسم إلى لب وإلى لب اللب وإلى قشر وإلى قشر القشر
ولنمثل ذلك تقريبا إلى الأفهام الضعيفة بالجوز في قشرته العليا فإن له قشرتين وله لب وللب دهن هو لب اللب فالرتبة الأولى من التوحيد هي أن يقول الإنسان بلسانه لا إله إلا الله وقلبه غافل عنه أو منكر له كتوحيد المنافقين
والثانية أن يصدق بمعنى اللفظ قلبه كما صدق به عموم المسلمين وهو اعتقاد العوام
والثالثة أن يشاهد ذلك بطريق الكشف بواسطة نور الحق وهو مقام المقربين وذلك بأن يرى أشياء كثيرة ولكن يراها على كثرتها صادرة عن الواحد القهار
والرابعة أن لا يرى في الوجود إلا واحدا وهي مشاهدة الصديقين وتسمية الصوفية الفناء في التوحيد لأنه من حيث لا يرى إلا واحدا فلا يرى نفسه أيضا وإذا لم ير نفسه لكونه مستغرقا بالتوحيد كان فانيا عن نفسه في توحيده بمعنى أنه فنى عن رؤية نفسه والخلق فالأول موحد بمجرد اللسان ويعصم ذلك صاحبه في الدنيا عن السيف والسنان
والثاني موحد بمعنى أنه معتقد بقلبه مفهوم لفظه وقلبه خال عن التكذيب بما انعقد عليه قلبه وهو عقدة على القلب ليس فيه انشراح وانفساح ولكنه يحفظ صاحبه من العذاب في الآخرة إن توفى عليه ولم تضعف

بالمعاصي عقدته ولهذا العقد حيل يقصد بها تضعيفه وتحليله تسمى بدعة وله حيل يقصد بها دفع حيلة التحليل والتضعيف ويقصد بها أيضا إحكام هذه العقدة وشدها على القلب وتسمى كلاما والعارف به يسمى متكلما وهو في مقابلة المبتدع ومقصده دفع المبتدع عن تحليل هذه العقدة عن قلوب العوام وقد يخص المتكلم باسم الموحد من حيث إنه يحمى بكلامه مفهوم لفظ التوحيد على قلوب العوام حتى لا تنحل عقدته
والثالث موحد بمعنى أنه لم يشاهد إلا فاعلا واحدا إذا انكشف له الحق كما هو عليه
ولا يرى فاعلا بالحقيقة إلا واحدا وقد انكشفت له الحقيقة كما هي عليه لأنه كلف قلبه أن يعقد على مفهوم لفظ الحقيقة فإن تلك رتبة العوام والمتكلمين إذ لم يفارق المتكلم العامى في الاعتقاد بل في صنعة تلفيق الكلام الذي به حيل المبتدع عن تحليل هذه العقدة
والرابع موحد بمعنى أنه لم يحضر في شهوده غير الواحد فلا يرى الكل من حيث إنه كثير بل من حيث إنه واحد وهذه هي الغاية القصوى في التوحيد فالأول كالقشرة العليا من الجوز والثاني كالقشرة السفلي والثالث كاللب والرابع كالدهن المستخرج من اللب
وكما أن القشرة العليا من الجوز لا خير فيها بل إن أكل فهو مر المذاق وإن نظر إلى باطنه فهو كريه المنظر وإن اتخذ حطبا أطفأ النار وأكثر الدخان وإن ترك في البيت ضيق المكان فلا يصلح إلا أن يترك مدة على الجوز للصون ثم يرمى به عنه فكذلك التوحيد بمجرد اللسان دون التصديق بالقلب عديم الجدوى كثير الضرر مذموم الظاهر والباطن لكنه ينفع مدة في حفظ القشرة السفلىإلى وقت الموت والقشرة السفلى هي القلب والبدن
وتوحيد المنافق يصون بدنه عن سيف الغزاة فإنهم لم يؤمروا بشق القلوب والسيف إنما يصيب جسم البدن وهو القشرة وإنما يتجرد عنه بالموت فلا يبقى لتوحيده فائدة بعده وكما أن القشرة السفلى ظاهرة النفع بالإضافة إلى القشرة العليا فإنها تصون اللب وتحرسه عن الفساد عند الادخار وإذا فصلت أمكن أن ينتفع بها حطبا لكنها نازلة القدر بالإضافة إلى اللب وكذلك مجرد الاعتقاد من غير كشف كثير النفع بالإضافة إلى مجرد نطق اللسان ناقص القدر بالإضافة إلى الكشف والمشاهدة التى تحصل بانشراح الصدر وانفساحه وإشراق نور الحق فيه إذ ذاك الشرح هو المراد بقوله تعالى فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام وبقوله عز و جل أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه وكما أن اللب نفيس في نفسه بالإضافة إلى القشر وكله المقصود ولكنه لا يخلو عن شوب عصارة بالإضافة إلى الدهن المستخرج منه فكذلك توحيد الفعل مقصد عال للسالكين لكنه لا يخلو عن شوب ملاحظة الغير والالتفات إلى الكثرة بالإضافة إلى من لا يشاهد سوى الواحد الحق
فإن قلت كيف يتصور أن لا يشاهد إلا واحد وهو يشاهد السماء والأرض وسائر الأجسام المحسوسة وهي كثيرة فكيف يكون الكثير واحدا فاعلم أن هذه غاية علوم المكاشفات
وأسرار هذا العلم لا يجوز أن تسطر في كتاب فقد قال العارفون إفشاء سر الربوبية كفر ثم هو غير متعلق بعلم المعاملة نعم ذكر ما يكسر سورة استبعادك ممكن وهو أن الشيء قد يكون كثيرا بنوع مشاهدة واعتبار ويكون واحدا بنوع آخر من المشاهدة والاعتبار وهذا كما أن الإنسان كثير إن التفت إلى روحه وجسده وأطرافه وعروقه وعظامه وأحشائه وهو باعتبار آخر ومشاهدة أخرى واحد إذ نقول إنه إنسان واحد فهو بالإضافة إلى الإنسانية واحد وكم من شخص يشاهد إنسانا ولا يخطر بباله كثرة أمعائه وعروقه وأطرافه وتفصيل روحه وجسده وأعضائه والفرق بينهما أنه فى حالة الاستغراق والاستهتار به مستغرق بواحد ليس فيه تفريق وكأنه في عين الجمع والملتفت إلى الكثرة في تفرقه فكذلك كل ما في الوجود من الخالق والمخلوق له اعتبارات ومشاهدات كثيرة مختلفة فهو باعتبار واحد من

الاعتبارات واحد وباعتبارات أخر سواه كثير وبعضها أشد كثرة من بعض ومثاله الإنسان وإن كان لا يطابق الغرض ولكنه ينبه في الجملة على كيفية مصير الكثرة في حكم المشاهدة واحدا ويستبين بهذا الكلام ترك الإنكار والجحود لمقام لم تبلغه وتؤمن به إيمان تصديق فيكون لك من حيث إنك مؤمن بهذا التوحيد نصيب وإن لم يكن ما آمنت به صفتك كما أنك إذا آمنت بالنبوة وإن لم تكن نبيا كان لك نصيب منه بقدر قوة إيمانك
وهذه المشاهدة التي لا يظهر فيها إلا الواحد الحق تارة تدوم وتارة تطرأ كالبرق الخاطف وهو الأكثر والدوام نادر عزيز وإلى هذا أشار الحسين بن منصور الحلاج حيث رأى الخواص يدور في الأسفار فقال فيماذا أنت فقال أدور في الأسفار لأصحح حالتي في التوكل وقد كان من المتوكلين فقال الحسين قد أفنيت عمرك في عمران باطنك فأين الفناء في التوحيد فكأن الخواص كان في تصحيح المقام الثالث في التوحيد فطالبه بالمقام الرابع فهذه مقامات الموحدين في التوحيد على سبيل الإجمال
فإن قلت فلا بد لهذا من شرح بمقدار ما يفهم كيفية ابتناء التوكل عليه فأقول أما الرابع فلا يجوز الخوض في بيانه وليس التوكل أيضا مبنيا عليه بل يحصل حال التوكل بالتوحيد الثالث
وأما الأول وهو النفاق فواضح وأما الثاني وهو الاعتقاد فهو موجود في عموم المسلمين وطريق تأكيده بالكلام ودفع حيل المبتدعة فيه مذكور في عالم الكلام وقد ذكرنا في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد القدر المهم منه
وأما الثالث فهو الذي يبني عليه التوكل فلنذكر منه القدر الذي يرتبط التوكل به دون تفصيله الذي لا يحتمله أمثال هذا الكتاب وحاصله أن ينكشف لك أن لا فاعل إلا الله تعالى وأن كل موجود من خلق ورزق وعطاء ومنع وحياة وموت وغنى وفقر إلى غير ذلك مما ينطلق عليه اسم فالمنفرد بإبداعه واختراعه هو الله عز و جل لا شريك له فيه وإذا انكشف لك هذا لم تنظر الى غيره بل كان منه خوفك واليه رجاؤك وبه ثقتك وعليه اتكالك فإنه الفاعل على الانفراد دون غيره وما سواه مسخرون لا استقلال لهم بتحريك ذرة من ملكوت السموات والأرض وإذا انفتحت لك أبواب المكاشفة اتضح لك هذا اتضاحا أتم من المشاهدة بالبصر وإنما يصدك الشيطان عن هذا التوحيد في مقام يبتغى به أن يطرق إلى قلبك شائبة الشرك بسببين أحدهما الالتفات إلى اختيار الحيوانات
والثاني الالتفاف إلى الجمادات أما الالتفاف إلى الجمادات فكاعتمادك على المطر في خروج الزرع ونباته ونمائه وعلى الغيم في نزول المطر وعلى البرد في اجتماع الغيم وعلى الريح في استواء السفينة وسيرها وهذا كله شرك في التوحيد وجهل بحقائق الأمور ولذلك قال تعالى فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون قيل معناه أنهم يقولون لولا استواء الريح لما نجونا
ومن انكشف له أمر العالم كما هو عليه علم أن الريح هو الهواء والهواء لا يتحرك بنفسه مالم يحركه محرك وكذلك محركه وهكذا إلى أن ينتهي إلى المحرك الأول الذي لا محرك له ولا هو متحرك في نفسه عز و جل فالتفات العبد في النجاة إلى الريح يضاهى التفات من أخذ لتحزرقبته كتب الملك توقيعا بالعفو عنه وتخليته فأخذ يشتغل بذكر الحبر والكاغد والقلم الذي به يكتب التوقيع يقول
لولا القلم لما تخلصت فيرى نجاته من القلم لا من محرك القلم وهو غاية الجهل ومن علم أن القلم لا حكم له في نفسه وإنما هو مسخر في يد الكاتب لم يلتفت إليه ولم يشكر إلا الكاتب بل ربما يدهشه فرح النجاة وشكر الملك والكاتب من أن يخطر بباله القلم والحبر والدواة والشمس والقمر والنجوم والمطر والغيم والأرض وكل حيوان وجماد مسخرات في قبضة القدرة كتسخير القلم في يد الكاتب بل هذا تمثيل في حقك لاعتقادك أن الملك

الموقع هو الكاتب التوقيع والحق أن الله تبارك وتعالى هو الكاتب لقوله تعالى وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى فإذا انكشف لك أن جميع ما في السموات والأرض مسخرات على هذا الوجه انصرف عنك الشيطان خائبا وأيس عن مزج توحيدك بهذا الشرك فأتاك في المهلكة الثانية وهي الالتفات إلى اختيار الحيوانات في الأفعال الاختيارية ويقول كيف ترى الكل عن الله وهذا الإنسان يعطيك رزقك باختياره فإن شاء أعطاك وإن شاء قطع عنك وهذا الشخص هو الذي يحز رقبتك بسيفه وهو قادر عليك إن شاء حزن رقبتك وإن شاء عفا عنك فكيف لا تخافه وكيف لا ترجوه وأمرك بيده وأنت تشاهد ذلك ولا تشك فيه ويقول له أيضا نعم إن كنت لا ترى القلم لأنه مسخر فكيف لا ترى الكاتب بالقلم وهو المسخر له وعند هذا زل أقدام الأكثرون إلا عباد الله المخلصين الذين لا سلطان عليهم للشيطان اللعين فشاهدوا بنور البصائر كون الكاتب مسخرا مضطرا كما شاهد جميع الضعفاء كون القلم مسخرا وعرفوا أن غلط الضعفاء في ذلك كغلظ النملة مثلا لو كانت تدب على الكاغد فترى رأس القلم يسود الكاغد ولم يمتد بصرها إلى اليد والأصابع فضلا عن صاحب اليد فغلطت وظنت أن القلم هو المسود للبياض وذلك لقصور بصرها عن مجاوزة رأس القلم لضيق حدقتها فكذلك من لم ينشرح بنور الله تعالى صدره للإسلام قصرت بصيرته عن ملاحظة جبار السموات والأرض ومشاهدة كونه قاهرا وراء الكل فوقف في الطريق على الكاتب وهو جهل محض بل أرباب القلوب والمشاهدات قد انطق الله تعالى في حقهم كل ذرة في السموات والأرض بقدرته التي بها نطق كل شيء حتى سمعوا تقديسها وتسبيحها لله تعالى وشهادتها على نفسها بالعجز بلسان ذلق تتكلم بلا حرف ولا صوت لا يسمعه الذين هم عن السمع معزلون ولست أعنى به السمع الظاهر الذي لا يجاوز بالأصوات فإن الحمار شريك فيه ولا قدر لما يشارك فيه البهائم وإنما أريد به سمعا يدرك به كلام ليس بحرف ولا صوت ولا هو عربي ولا عجمي
فإن قلت فهذه أعجوبة لا يقبلها العقل فصف لي كيفية نطقها وإنها كيف نطقت وبماذا نطقت وكيف سبحت وقدست وكيف شهدت على نفسها بالعجز فاعلم إن لكل ذرة في السموات والأرض مع أرباب القلوب مناجاة في السر وذلك مما لا ينحصر ولا يتناهى فإنها كلمات تستمد من بحر كلام الله تعالى الذي لا نهاية له قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر الآية ثم إنها تتناجى بأسرار الملك والملكوت وإفشاء السر لؤم بل صدور الأحرار قبور الأسرار وهل رأيت قط أمينا على أسرار ملك قد نوجى بخفاياه فنادى بسره على ملأ من الخلق ولو جاز إفشاء كل سر لنا لما قال صلى الله عليه و سلم لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا // حديث لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا الحديث تقدم غير مرة // بل كان يذكر ذلك لهم حتى يبكون ولا يضحكون
ولما نهى عن إفشاء سر القدر // حديث النهى عن إفشاء سر القدر رواه أبو عدي وأبو نعيم في الحلية من حديث ابن عمر القدر سر الله فلا تفشوا لله عز و جل سره لفظ أبي نعيم وقال ابن عدي لا تكلموا في القدر فإنه سر الله الحديث وهو ضعيف وقد تقدم // ولما قال إذا ذكر النجوم فأمسكوا وإذا ذكر القدر فأمسكوا وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا // حديث إذا ذكر النجوم فأمسكوا وإذا ذكر القدر فأمسكوا الحديث أخرجه الطبراني وابن حبان في الضعفاء وتقدم في العلم // ولما خص حذيفة رضي الله عنه ببعض الأسرار // حديث أنه خص حذيفة ببعض الأسرار تقدم // فإذن عن حكايات مناجاة ذرات الملك والملكوت لقلوب أرباب المشاهدات مانعان أحدهما استحالة إفشاء السر والثاني خروج كلماتها عن الحصر والنهاية ولكنا في المثال الذي كنا فيه وهي حركة القلم

نحكى من مناجاتها قدرا يسيرا يفهم به على الإجمال كيفية ابتناء التوكل عليه ونرد كلماتها إلى الحروف والأصوات وإن لم تكن حروفا وأصواتا ولكن هي ضرورة التفهيم فنقول قال بعض الناظرين عن مشكاة نور الله تعالى للكاغد وقد رآه أسود وجهه بالحبر ما بال وجهك كان أبيض مشرقا والآن قد ظهر عليه السواد فلم سودت وجهك وما السبب فيه فقال الكاغد ما أنصفتني في هذه المقالة فإني ما سودت وجهي بنفسي ولكن سل الحبر فإنه كان مجموعا في المحبرة التي هي مستقرة ووطنه فسافر عن الوطن ونزل بساحة وجهي ظلما وعدوا فقال صدقت فسأل الحبر عن ذلك فقال ما أنصفتني فإني كنت في المحبرة وادعا ساكنا عازما على أن لا أبرح منها فأعتدي على القلم بطمعه الفاسد وأختطفني من وطني وأجلاني عن بلادي وفرق جمعي وبدني كما ترى على ساحة بيضاء فالسؤال عليه لا على فقال صدقت ثم سأل القلم عن السبب في ظلمه وعدوانه وإخراج الحبر من أوطانه فقال سل اليد والأصابع فإني كنت قصبا نابتا على شط الأنهار متنزها بين خضرة الأشجار فجاءتني اليد بسكين فنحت عني قشري ومزقت عني ثيابي واقتلعتني من أصلي وفصلت بين أنابيبي ثم برتني وشقت رأسي ثم غمستني في سواد الخبر ومرارته وهي تستخدمني وتمشيني على قمة رأسي ولقد نثرت الملح على جرحي بسؤالك وعتابك فتنح عني وسل من قهرني فقال صدقت ثم سأل اليد عن ظلمها وعدولها على القلم واستخدامها له فقالت اليد ما أنا إلا لحم وعظم ودم وهل رأيت لحما يظلم أو جسما يتحرك بنفسه وإنما أنا مركب مسخر ركبني فارس يقال له القدرة والعزة فهي التي ترددني وتجول بي في نواحي الأرض أما ترى المدر والحجر والشجر لا يتعدى شيئا منها مكانه ولا يتحرك بنفسه إذ لم يركبه مثل هذا الفارس القوى القاهر أما ترى أيدي الموتى تساويني في صورة اللحم والعظم والدم ثم لا معاملة بينها وبين القلم فأنا أيضا من حيث أنا لا معاملة بيني وبين القلم فسل القدرة عن شأني فإني مركب أزعجي من ركبني فقال صدقت ثم سأل القدرة عن شأنها في استعمالها اليد وكثرة استخدامها وترديدها فقالت دع عنك لومي ومعاتبتي فكم من لائم ملوم وكم من ملوم لا ذنب له وكيف خفي عليك أمري وكيف ظننت أني ظلمت اليد لما ركبتها وقد كنت لها راكبة قبل التحريك وما كنت أحركها ولا أستسخرها بل كنت نائمة ساكنة نوما ظن الظانون بي أني ميتة أو معدومة لأني ما كنت أتحرك ولا أحرك حتى جاءني موكل أزعجني وأرهقني إلى ما تراه مني فكانت لي قوة على مساعدته ولم تكن لي قوة على مخالفته وهذا الموكل يسمى الإرادة ولا أعرفه إلا باسمه وهجومه وصياله إذ أزعجني من غمرة النوم وأرهقني إلى ما كان لي مندوحة عنه لو خلاني ورأبي فقال صدقت ثم سأل الإرادة ما الذي جرأك على هذه القدرة الساكنة المطمئنة حتى صرفتها إلى التحريك وأرهقتها إليه إرهاقا لم تجد عنه مخلصا ولا مناصا فقالت الإرادة لا تعجل على فلعل لنا عذرا وأنت تلوم فإني ما انتهضت بنفسي ولكني انهضت وما أن انبعثت ولكني بعثت بحكم قاهر وأمر جازم وقد كنت ساكنة قبل مجيئه ولكن ورد على من حضرة القلب رسول العلم على لسان العقل بالأشخاص للقدرة فأشخصتها باضطرار فإني مسكينة مسخرة تحت قهر العلم والعقل ولم أدري بأي جرم وقفت عليه وسخرت له وألزمت طاعته لكني أدري أني في دعة وسكون مالم يرد على هذا الولود القاهر وهذا الحاكم العادل أو الظالم وقد وقفت عليه وقفا وألزمت طاعته إلزاما بل لا يبقى لي معه مهما جزم حكمه طاقة على المخالفة لعمري ما دام هو في التردد مع نفسه والتحير في حكمه فأنا ساكنة لكن مع استشعار وانتظار لحكمه فإذا انجزم حكمه أزعجت بطبع وقهر تحت طاعته وأشخصت القدرة لتقوم بموجب حكمه فسل العلم عن شأني ودع عني عتابك

فإني كما قال القائل
متى ترحلت عن قوم وقد قدروا ... أن لا تفارقهم فالراحلون هم
فقال صدقت وأقبل على العلم والعقل والقلب مطالبا لهم ومعاتبا إياهم على استنهاض الإرادة وتسخيرها لإشخاص القدرة فقال العقل أما أنا فسراج ما اشتعلت بنفسى ولكن أشعلت وقال القلب أما أنا فلوح ما انبسطت بنفسى ولكن بسطت وقال العلم أما أنا فنقش نقشت في بياض لوح القلب لما أشرق سراج العقل وما انخططت بنفسى فكم كان هذا اللوح قبل خاليا عنى فسل القلم عنى لأن الخط لا يكون إلا بالقلم فعند ذلك تتعتع السائل ولم يقنعه جواب وقال قد طال تعبى في هذا الطريق وكثرت منازلى ولا يزال يحيلنى من طمعت في معرفة هذا الأمر منه على غيره ولكنى كنت أطيب نفسا بكثرة الترداد لما كنت أسمع كلاما مقبولا لا في الفؤاد وعذرا ظاهرا في دفع السؤال فأما قولك إنى خط ونقش وإنما خطى قلم فلست أفهمه فإنى لا أعلم قلما إلا من القصب ولا لوحا إلا من الحديد أو الخشب ولا خطا إلا بالحبر ولا سراجا إلا من النار وإنى لأسمع في هذا المنزل حديث اللوح والسراج والخط والقلم ولا أشاهد من ذلك شيئا أسمع جعجعة ولا أرى طحنا فقال له القلم إن صدقت فيما قلت فبضاعتك مزجاة وزادك قليل ومركبك ضعيف واعلم أن المهالك في الطريق التي توجهت إليها كثيرة فالصواب لك أن تنصرف وتدع ما أنت فيه فما هذا بعشك فادرج عنه فكل ميسر لما خلق له وإن كنت راغبا في استتمام الطريق إلى المقصد فألق سمعك وأنت شهيد
واعلم أن العوالم في طريقك هذا ثلاثة عالم الملك والشهادة أولها ولقد كان الكاغد والحبر والقلم واليد من هذا العالم وقد جاوزت تلك المنازل على سهولة والثاني عالم الملكوت وهو ورائى فإذا جاوزتنى انتهيت إلى منازله وفيه المهامة الفيح والجبال الشاهقة والبحار المغرقة ولا أدرى كيف تسلم فيها والثالث هو عالم الجبروت وهو بين عالم الملك وعالم الملكوت ولقد قطعت منها ثلاث منازل في أوائلها منزلة القدرة والإرادة والعلم وهو واسطة بين عالم الملك والشهادة والملكوت لأن عالم الملك أسهل منه طريقا وعالم الملكوت أوعر منه منهجا وإنما عالم الجبروت بين عالم الملك وعالم الملكوت يشبه السفينة التي هي في الحركة بين الأرض والماء فلا هي في حد اضطراب الماء ولا هي في حد سكون الأرض وثبرتها وكل من يمشى على الأرض يمشى في عالم الملك والشهادة فإن جاوزت قوته إلى أن يقوى على ركوب السفينة كان كمن يمشى في عالم الجبروت فإن انتهى إلى أن يمشى على الماء من غير سفينة مشى في عالم الملكوت من غير تتعتع فإن كنت لا تقدر على المشى على الماء فانصرف فقد جاوزت الأرض وخلفت السفينة ولم يبق بين يديك إلا الماء الصافى وأول عالم الملكوت مشاهدة القلم الذي يكتب به العلم في لوح القلب وحصول اليقين الذي يمشى به على الماء أما سمعت قول رسول الله صلى الله عليه و سلم في عيسى عليه السلام لو ازداد يقينا لمشى على الهواء // حديث قيل له أن عيسى يمشي على الماء قال لو ازداد يقينا لمشى على الهواء تقدم // لما قيل له إنه كان يمشى على الماء فقال السالك السائل قد تحيرت في أمري وأستشعر قلبي خوفا مما وصفته من خطر الطريق ولست أدرى أطيق قطع هذه المهامة التي وصفتها أم لا فهل لذلك من علامة قال نعم افتح بصرك واجمع ضوء عينيك وحدقهنحوي فإن ظهر لك القلم الذي به أكتب في لوح القلب فيشبه أن تكون أهلا لهذا الطريق فإن كل من جاوز عالم الجبروت وقرع بابا من أبواب الملكوت كوشف بالقلم أما ترى أن النبي صلى الله عليه و سلم في أول أمره كوشف بالقلم إذ أنزل عليه اقرأ وربك

الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم فقال السالك لقد فتحت بصري وحدقته فو الله ما أرى قصبا ولا خشبا ولا أعلم قلما إلا كذلك فقال العلم لقد أبعدت النجعة أما سمعت أن متاع البيت يشبه رب البيت أما علمت أن الله تعالى لا تشبه ذاته سائر الذوات فكذلك لا تشبه يده الأيدى ولا قلمه الأقلام ولا كلامه سائر الكلام ولا خطه سائر الخطوط وهذه أمور إلهية من عالم الملكوت فلبس الله تعالى في ذاته بجسم ولا هو في مكان بخلاف غيره ولا يده لحم وعظم ودم بخلاف الأيدي ولا قلمه من قصب ولا لوحه من خشب ولا كلامه بصوت وحرف ولا خطه رقم ورسم ولا حبره زاج وعفص فإن كنت لا تشاهد هذا هكذا فما أراك إلا مخنثا بين فحولة التنزيه وأنوثة التشبيه مذبذبا بين هذا وذا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء فكيف نزهت ذاته وصفاته تعالى عن الأجسام وصفاتها ونزهت كلامه عن معانى الحروف والأصوات وأخذت تتوقف في يده وقلمه ولوحه وخطه فإن كنت قد فهمت من قوله صلى الله عليه و سلم إن الله خلق آدم على صورته الصورة الظاهرة المدركة بالبصر فكن مشبها مطلقا كما يقال كن يهوديا صرفا وإلا فلا تلعب بالتوراة وإن فهمت منه الصورة الباطنة التي تدرك بالبصائر لا بالأبصار فكن منزها صرفا ومقدسا فحلا واطو الطريق فإنك بالواد المقدس طوى واستمع بسر قلبك لما يوحى فلعلك تجد على النار هدى ولعلك من سرادقات العرش تنادى بما نودى به موسى إنى أنا ربك فلما سمع السالك من العلم ذلك استشعر قصور نفسه وانه مخنث بين التشبيه والتنزيه فاشتعل قلبه نارا من حدة غضبه على نفسه لما رآها بعين النقص ولقد كان زيته الذى في مشكاة قلبه يكاد يضىء ولو لم تمسه نار فلما نفخ فيه العلم بحدته اشتعل زيته فأصبح نورا على نور فقال له العلم اغتنم الآن هذه الفرصة وافتح بصرك لعلك تجد على النار هدى ففتح بصره فانكشف له القلم الإلهي فإذا هو كما وصفه العلم فى التنزيه ما هو من خشب ولا قصب ولا له رأس ولا ذنب وهو يكتب على الدوام في قلوب البشر كلهم أصناف العلوم وكأن له في كل قلب رأسا ولا رأس له فقضى منه العجب وقال نعم الرفيق العلم فجزاه الله تعالى عني خيرا إذ الآن ظهر لي صديق أنبائه عن أوصاف القلم فإني أراه قلما لا كالأقلام فعند هذا ودع العلم وشكره وقال قد طال مقامي عندك ومرادتى لك وأنا عازم على أن أسافر إلى حضرة القلم وأسأله عن شأنه فسافر إليه وقال له ما بالك ايها القلم تخط على الدوام في القلوب من العلوم ما تبعث به الإرادات إلى إشخاص القدر وصرفها إلى المقدورات فقال أو قد نسيت ما رأيت في عالم الملك والشهادة وسمعت من جواب القلم إذ سألته فأحالك على اليد قال لم انس ذلك
قال فجوابي مثله جوابه قال كيف وأنت لا تشبهه قال القلم أما سمعت أن الله تعالى خلق آدم على صورته قال نعم
قال فسل عن شأني الملقب بيمين الملك فإني في قبضته وهو الذي يرددني وأنا مقهور مسخر فلا فرق بين القلم الإلهي وقلم الآدمي في معنى التسخير وإنما الفرق في ظاهر الصورة
فقال فمن يمين الملك فقال القلم أما سمعت قوله تعالى والسموات مطويات بيمينه قال نعم قال والأقلام أيضا في قبضة يمينه هو الذي يرددها فسافر السالك من عنده إلى اليمين حتى شاهده ورأى من عجائبه ما يزيد على عجائب القلم ولا يجوز وصف شيء من ذلك ولا شرحه بل لا تحوى مجلدات كثيرة عشر عشير وصفه والجملة فيه أنه يمين لا كالإيمان ويد لا كالأيدي وأصبع لا كالأصابع فرأى القلم محركا في قبضته فظهر له عذر القلم فسأل اليمين عن شأنه وتحريكه للقلم فقال جوابي مثل ما سمعته من اليمين التي رأيتها في عالم الشهادة وهي الحوالة على القدرة إذ اليد لا حكم لها في نفسها وإنما

محركها القدرة لا محالة فسافر السالك إلى عالم القدرة ورأى فيه من العجائب ما استحقر عندها ما قبله وسألها عن تحريك اليمين فقالت إنما أنا صفة فاسأل القادر إذ العمدة على الموصوفات لا على الصفات وعند هذا كاد أن يزيغ ويطلق بالجراءة لسان السؤال فثبت بالقول الثابت ونودي من وراء حجاب سرادقات الحضرة لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون فغشيته هيبة الحضرة فخر صعقا يضطرب في غشيته فلما أفاق قال سبحانك ما أعظم شأنك تبت إليك وتوكلت عليك وآمنت بأنك الملك الجبار الواحد القهار فلا أخاف غيرك ولا أرجو سواك ولا أعوذ إلا بعفوك من عقابك وبرضاك من سخطك وما لي إلا أن أسألك وأتضرع إليك وأبتهل بين يديك فأقول اشرح لي صدري لأعرفك واحلل عقدة من لساني لأثني عليك فنودي من وراء الحجاب إياك أن تطمع في الثناء وتزيد على سيد الأنبياء بل إرجع إليه فما آتاك فخذه وما نهاك عنه فانته عنه وما قاله لك فقله فإنه ما زاد في هذه الحضرة على أن قال سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك // حديث سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك تقدم // فقال إلهي إن لم يكن للسان جراءة على الثناء عليك فهل للقلب مطمع في معرفتك فنودي إياك أن تتخطى رقاب الصديقين فارجع إلى الصديق الأكبر فاقتد به فإن أصحاب سيد الأنبياء كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم أما سمعته يقول العجز عن درك الإدراك إدراك فيكفيك نصيبا من حضرتنا أن تعرف أنك محروم عن حضرتنا عاجز عن ملاحظة جمالنا وجلالنا فعند ذلك رجع السالك واعتذر عن أسئلته ومعاتباته وقال لليمين والقلم والعلم والإرادة والقدرة وما بعدها اقبلوا عذري فإني كنت غريبا حديث العهد بالدخول في هذه البلاد ولكل داخل دهشة فما كان إنكاري عليكم إلا عن قصور وجهل والآن قد صح عندي عذركم وانكشف لي أن المنفرد بالملك والملكوت والعزة والجبروت هو الواحد القهار فما انتم إلا مسخرون تحت قهره وقدرته مرددون في قبضته وهو الأول والآخر والظاهر والباطن فلما ذكر ذلك في عالم الشهادة استبعد منه ذلك وقيل له كيف يكون هو الأول والآخر وهما وصفان متناقضان وكيف يكون هو الظاهر والباطن فالأول ليس بآخر والظاهر ليس بباطن فقال هو الأول بالإضافة إلى الموجودات إذ صدر منه الكل على ترتيبه واحدا بعد واحد وهو الآخر بالإضافة إلى سير السائرين إليه فإنهم لا يزالون مترقين من منزل إلى منزل إلى أن يقع الانتهاء إلى تلك الحضرة فيكون ذلك آخر السفر فهو آخر في المشاهدة أول في الوجود وهو باطن بالإضافة إلى العاكفين في عالم الشهادة الطالبين لإدراكه بالحواس الخمس ظاهر بالإضافة إلى من يطلبه في السراج الذي اشتعل في قلبه بالبصيرة الباطنة النافذة في عالم الملكوت فهذا كان توحيد السالكين لطريق التوحيد في الفعل أعني من انكشف له أن الفاعل واحد
فإن قلت قد انتهى هذا التوحيد إلى أنه يبتني على الإيمان بعالم الملكوت فمن لم يفهم ذلك أو يجحده فما طريقه فأقول أما الجاحد فلا علاج له إلا أن يقال له إنكارك لعالم الملكوت كإنكار السمنية لعالم الجبروت وهم الذين حصروا العلوم في الحواس الخمس فأنكروا القدرة والإرادة والعلم لأنها لا ندرك بالحواس الخمس فلازموا حضيض عالم الشهادة بالحواس الخمس فإن قال وأنا منهم فإني لا أهتدي إلا إلى عالم الشهادة بالحواس الخمس ولا أعلم شيئا سواه فيقال إنكارك لما شاهدناه مما وراء الحواس الخمس كإنكار السوفسطائية للحواس الخمس فإنهم قالوا ما نراه لا نثق به فلعلنا نراه في المنام فإن قال وأنا من جملتهم فإني شاك أيضا في

المحسوسات فيقال هذا شخص فسد مزاجه وامتنع علاجه فيترك أياما قلائل وما كل مريض يقوى على علاجه الأطباء هذا حكم الجاحد
وأما الذي لا يجحد ولكن لا يفهم فطريق السالكين معه أن ينظروا إلى عينه التي يشاهد بها عالم الملكوت فإن وجدوها صحيحة في الأصل وقد نزل فيها ماء أسود يقبل الإزالة والتنقية اشتغلوا بتنقيته اشتغال الكحال بالأبصار الظاهرة فإذا استوى بصره أرشد إلى الطريق ليسلكها كما فعل ذلك صلى الله عليه و سلم بخواص أصحابه فإن كان غير قابل للعلاج فلم يمكنه أن يسلك الطريق الذي ذكرناه في التوحيد ولم يمكنه أن يسمع كلام ذرات الملك والملكوت بشهادة التوحيد كلموه بحرف وصوت وردوا ذروة التوحيد إلى حضيض فهمه فإن في عالم الشهادة أيضا توحيدا إذ يعلم كل أحد أن المنزل يفسد بصاحبين والبلد يفسد بأميرين فيقال له على حد عقله
إله العالم واحد والمدبر واحد إذ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فيكون ذلك على ذوق ما رآه في عالم الشهادة فينغرس اعتقاد التوحيد في قلبه بهذا الطريق اللائق بقدر عقله وقد كلف الله الأنبياء أن يكلموا الناس على قدر عقولهم ولذلك نزل القرآن بلسان العرب على حد عادتهم في المحاورة
فإن قلت فمثل هذا التوحيد الاعتقادي هل يصلح أن يكون عمادا للتوكل وأصلا فيه فأقول نعم فإن الاعتقاد إذا قوى عمل عمل الكشف في أثارة الأحوال إلا أنه في الغالب يضعف ويتسارع إليه الاضطراب والتزلزل غالبا ولذلك يحتاج صاحبه إلى متكلم يحرسه بكلامه أو إلى أن يتعلم هو الكلام ليحرس به العقيدة التي تلقنها من أستاذه أو من أبويه أو من أهل بلده
وأما لذى شاهد الطريق وسلكه بنفسه فلا يخاف عليه شيء من ذلك بل لو كشف الغطاء لما ازداد يقينا وإن كان يزداد وضوحا كما أن الذي يرى إنسانا في وقت الإسفار لا يزداد يقينا عند طلوع الشمس بأنه إنسان ولكن يزداد وضوحا في تفصيل خلقته وما مثال المكاشفين والمعتقدين إلا كسحرة فرعون مع أصحاب السامري فإن سحرة فرعون لما كانوا مطلعين على منتهى تأثير السحر لطول مشاهدتهم وتجربتهم رأوا من موسى عليه السلام تجاوز حدود السحر وانكشف لهم حقيقة الأمر فلم يكترثوا بقول فرعون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف بل قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا قاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا فإن البيان والكشف يمنع التغيير وأما أصحاب السامري لما كان إيمانهم عن النظر إلى ظاهر الثعبان فلما نظروا إلى عجل السامري وسمعوا خواره تغيروا وسمعوا قوله هذا إلهكم وإله موسى ونسوا أنه لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا فكل من آمن بالنظر إلى ثعبان يكفر لا محالة إذا نظر إلى عجل لأن كليهما من عالم الشهادة والاختلاف والتضاد في عالم الشهادة كثير
وأما عالم الملكوت فهو من عند الله تعالى فلذلك لا نجد فيه اختلافا وتضادا أصلا
فإن قلت ما ذكرته من التوحيد ظاهر مهما ثبت أن الوسائط والأسباب مسخرات وكل ذلك ظاهر إلا في حركات الإنسان فإنه يتحرك إن شاء ويسكن إن شاء فكيف يكون مسخرا فأعلم انه لو كان مع هذا يشاء إن أراد أن يشاء ولا يشاء إن لم يرد أن يشاء لكان هذا مزلة القدم وموقع الغلط ولكن علم أنه يفعل ما يشاء إذا شاء إن يشأ أم لم يشأ فليست المشيئة إليه إذ لو كانت إليه لافتقرت إلى مشيئة أخرى وتسلسل إلى غير نهاية وإذا لم تكن إليه المشيئة فمهما وجدت المشيئة التي تصرف القدرة إلى مقدورها انصرفت القدرة لا محالة ولم يكن لها سبيل إلى المخالفة فالحركة لازمة ضرورة بالقدرة والقدرة متحركة ضرورة عند انجزام المشيئة فالمشيئة تحدث ضرورة في القلب فهذا ضرورات ترتب بعضها على بعض
وليس للعبد أن يدفع وجود المشيئة ولا انصراف

القدرة إلى المقدور بعدها ولا وجود الحركة بعد بعث المشيئة المقدرة فهو مضطر في الجميع
فإن قلت فهذا جبر محض والجبر يناقض الاختيار وأنت لا تنكر الاختيار فكيف يكون مجبورا مختارا فأقول لو انكشف الغطاء لعرفت أنه في عين الاختيار مجبور فهو إذن مجبور على الاختيار فكيف يفهم هذا من لا يفهم الاختيار فلنشرح الاختيار بلسان المتكلمين شرحا وجيزا يليق بما ذكر متطفلا وتابعا فإن هذا الكتاب لم نقصد به إلا علم المعاملة ولكني أقول لفظ الفعل في الإنسان يطلق على ثلاثة أوجه إذ يقال الإنسان يكتب بالأصابع ويتنفس بالرئة والحنجرة ويخرق الماء إذا وقف عليه بجسمه فينسب إليه الخرق في الماء والتنفس والكتابة وهذه الثلاثة في حقيقة الاضطرار والجبر واحدة ولكنها تختلف وراء ذلك في أمور فأعرب لك عنها بثلاث عبارات فنسمي خرقة للماء عند وقوعه على وجهه فعلا طبيعيا ونسمي تنفسه فعلا إراديا ونسمي كتابته فعلا اختياريا والجبر ظاهر في الفعل الطبيعي لأنه مهما وقف على وجه الماء أو تخطى من السطح للهواء انخرق الهواء لا محالة وقد يكون الخرق بعد التخطي ضروريا والتنفس في معناه فإن نسبة حركة الحنجرة إلى إرادة التنفس كنسبة انخراق الماء إلى ثقل البدن فمهما كان الثقل موجودا وجد الإنخراق بعده وليس الثقل إليه وكذلك الإرادة ليست إليه ولذلك لو قصد عين الإنسان بإبرة طبق الأجفان اضطرارا ولو أراد أن يتركها مفتوحة لم يقدر مع أن تغميض الأجفان اضطرارا فعل إرادي ولكنه إذا تمثل صورة الإبرة في مشاهدته بالإدراك حدثت الإرادة بالتغميض ضرورة وحدثت الحركة بها ولو أراد أن يترك ذلك لم يقدر عليه مع أنه فعل بالقدرة والإرادة فقد التحق هذا بالفعل الطبيعي في كونه ضروريا
وأما الثالث وهو الاختيار فهو مظنة الالتباس كالكتابة والنطق وهو الذي يقال فيه إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل وتارة لا يشاء فيظن من هذا أن الأمر إليه وهذا للجهل بمعنى الاختيار فلنكشف عنه وبيانه أن الإرادة تبع للعلم الذي يحكم بأن الشيء موافق لك والأشياء تنقسم إلى ما تحكم مشاهدتك الظاهرة أو الباطنة بأنه يوافقك من غير تحير وتردد وإلى ما قد يتردد العقل فيه فالذي نقطع به من غير تردد أن من يقصد عينك مثلا بإبرة أو بدنك بسيف فلا يكون في علمك تردد في أن دفع ذلك خير لك وموافق فلا جرم تنبعث الإرادة بالعلم
والقدرة بالإرادة وتحصل حركة الأجفان بالدفع وحركة اليد بدفع السيف ولكن من غير روية وفكرة ويكون ذلك بالإرادة ومن الأشياء ما يتوقف التمييز والعقل فيه فلا يدرى أنه موافق أم لا فيحتاج إلى روية فكر حتى يتميز أن الخير في الفعل أو الترك فإذا حصل بالفكر والروية العلم بأن أحدهما خير التحقق ذلك بالذي يقطع به من غير روية فكر فانبعثت الإرادة ههنا كما تنبعث لدفع السيف والسنان فإذا انبعثت لفعل ما ظهر للعقل أنه خير سميت هذه الإرادة اختيارا مشتقا من الخير أي هو انبعاث إلى ما ظهر للعقل أنه خير وهو عين تلك الإرادة ولم ينتظر في انبعاثها إلى ما انتظرت تلك الإرادة وهو ظهور خيرية الفعل في ححقه إلا أن الخيرية في دفع السيف ظهرت من غير روية بل على البديهة وهذا افتقر إلى الروية فالاختيار عبارة عن إرادة خاصة وهي التي انبعثت بإشارة العقل فيما له في إدراكه توقف وعن هذا قيل إن العقل يحتاج إليه للتمييز بين خير الخيرين وشر الشرين ولا يتصور أن تنبعث الإرادة إلا بحكم الحس والتخيل أو بحكم جزم من العقل ولذلك لو أراد الإنسان أن يحز رقبة نفسه مثلا لم يمكنه لا لعدم القدرة في اليد ولا لعدم السكين ولكن لفقد الإرادة الداعية المشخصة للقدرة وإنما فقدت الإرادة لأنها تنبعث بحكم العقل أو الحسن بكون الفعل موافقا وقتله نفسه ليس موافقا له فلا يمكنه مع قوة الأعضاء أن يقتل نفسه إلا إذا كان في عقوبة مؤلمة لا تطاق فإن العقل هنا يتوقف في الحكم ويتردد لأن

تردده بين شر الشرين فإن ترجح له بعد الروية أن ترك القتل أقل شرا لم يمكنه قتل نفسه وإن حكم بأن القتل أقل شرا وكان حكمه جزما لا ميل فيه ولا صارف منه انبعثت الإرادة والقدرة وأهلك نفسه كالذي يتبع بالسيف للقتل فإنه يرمى بنفسه من السطح مثلا وإن مهلكا ولا يبالى ولا يمكنه أن لا يرمى نفسه فإن كان يتبع بضرب خفيف فإن انتهى إلى طرف السطح حكم العقل بأن الضرب أهون من الرمى فوقفت أعضاؤه فلا يمكنه أن يرمى نفسه ولا تنبعث له داعية ألبتة لأن داعية الإرادة مسخرة بحكم العقل والحس والقدرة مسخرة للداعية والحركة مسخرة للقدرة والكل مقدر بالضرورة فيه من حيث لا يدري فإنما هو محل ومجرى لهذه الأمور فأما أن يكون منه فكلا ولا فإذن معنى كونه مجبورا أن جميع ذلك حاصل فيه من غيره لا منه ومعنى كونه مختارا أنه محل لإرادة حدثت فيه جبرا بعد حكم العقل بكون الفعل خيرا محضا موافقا وحدث الحكم أيضا جبرا فإذا هو مجبور على الاختيار ففعل النار في الإحراق مثلا جبر محض وفعل الله تعالى اختيارا محض وفعل الإنسان على منزلة بين المنزلتين فإنه جبر على الاختيار فطلب أهل الحق لهذا عبارة ثالثة لأنه لما كان فنا ثالثا وائتموه فيه بكتاب الله تعالى فسموه كسبا وليس مناقضا للجبر ولا للاختيار بل هو جامع بينهما عند من فهمه وفعل الله تعالى يسمى اختيارا بشرط أن لا يفهم من الاختيار إرادة بعد تحير وتردد فإن ذلك في حقه محال وجميع الألفاظ المذكورة في اللغات لا يمكن أن تستعمل في حق الله تعالى إلا على نوع من الاستعارة والتجوز وذكر ذلك لا يليق بهذا العلم ويطول القول فيه
فإن قلت فهل تقول إن العلم ولد الإرادة والإرادة ولدت القدرة والقدرة ولدت الحركة وأن كل متأخر حدث من المتقدم فإن قلت ذلك فقد حكمت بحدوث شيء لا من قدرة الله تعالى وإن أبيت ذلك فما معنى ترتب البعض من هذا على البعض فاعلم أن القول بأن بعض ذلك حدث عن بعض جهل محض سواء عبر عنه بالتولد أو بغيره بل حوالة جميع ذلك على معنى الذي يعبر عنه بالقدرة الأزلية وهو الأصل الذي لم يقف كافة الخلق عليه إلا الراسخون في العلم فإنهم وقفوا على كنه معناه والكافة وقفوا على مجرد لفظه مع نوع تشبيه بقدرتنا وهو بعيد عن الحق وبيان ذلك يطول ولكن بعض المقدورات مترتب على البعض في الحدوث ترتب المشروط على الشرط فلا تصدر من القدرة الأزلية إرادة إلا بعد علم ولا علم إلا بعد حياة ولا حياة إلا بعد محل الحياة وكما لا يجوز أن يقال الحياة تحصل من الجسم الذي هو شرط الحياة فكذلك في سائر درجات الترتيب ولكن بعض الشروط ربما ظهرت للعامة وبعضها لم يظهر إلا للخواص المكاشفين بنور الحق وإلا فلا يتقدم متقدم ولا يتأخر متأخر إلا بالحق واللزوم وكذلك جميع أفعال الله تعالى ولولا ذلك لكان التقديم والتأخير عبثا يضاهي فعل المجانين تعالى الله عن قول الجاهلين علوا كبيرا وإلى هذا أشار قوله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون وقوله تعالى وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق فكل ما بين السماء والأرض حادث على ترتيب واجب وحق لازم لا يتصور أن يكون إلا كما حدث وعلى هذا الترتيب الذي وجد فما تأخر متأخر إلا لانتظار شرطه والمشروط قبل الشرط محال والمحال لا يوصف بكونه مقدورا فلا يتأخر العلم عن النطفة إلا لفقد شرط الحياة ولا تتأخر عنها الإرادة بعد العلم إلا لفقد شرط العلم وكل ذلك منهاج الواجب وترتيب الحق ليس في شيء من ذلك لعب واتفاق بل كل ذلك بحكمة وتدبير وتفهيم ذلك عسير ولكنا نضرب لتوقف المقدور مع وجود القدرة على وجود الشرط مثالا يقرب مبادئ الحق من الأفهام الضعيفة وذلك بأن

نقدر إنسانا محدثا قد انغمس في الماء إلى رقبته فالحدث لا يرتفع عن أعضائه وإن كان الماء هو الرافع وهو ملاق له فقدر القدرة الأزلية حاضرة ملاقية للمقدورات متعلقة بها ملاقاة الماء للأعضاء ولكن لا يحصل بها المقدور كما لا يحصل رفع الحدث بالماء انتظارا للشرط وهو غسل الوجه فإذا وضع الواقف في الماء وجهه على الماء عمل الماء في سائر أعضائه وارتفع الحدث فربما يظن الجاهل أن الحدث ارتفع عن اليدين برفعه عن الوجه لأنه حدث عقيبه إذ يقول كان الماء ملاقيا ولم يكن رافعا والماء لم يتغير عما كان فكيف حصل منه ما لم يحصل من قبل بل حصل ارتفاع الحدث عن اليدين عند غسل الوجه فإذن غسل الوجه هو الرافع للحدث عن اليدين وهو جهل يضاهي ظن من يظن أن الحركة تحصل بالقدرة والقدرة بالإرادة والإرادة بالعلم وكل ذلك خطأ بل عند ارتفاع الحدث عن الوجه ارتفع الحدث عن اليد بالماء الملاقي لها لا بغسل الوجه والماء لم يتغير واليد لم تتغير ولم يحدث فيهما شيء ولكن حدث وجود الشرط فظهر أثر العلة فهكذا ينبغي أن تفهم صدور المقدرات عن القدرة الأزلية مع أن القدرة قديمة والمقدورات حادثة وهذا قرع باب آخر لعالم آخر من عوالم المكاشفات فلنترك جميع ذلك فإن مقصودنا التنبيه على طريق التوحيد في الفعل فإن الفاعل بالحقيقة واحد فهو المخوف والمرجو وعليه التوكل والاعتماد ولم نقدر على أن نذكر من بحار التوحيد إلا قطرة من بحر المقام الثالث من مقامات التوحيد واستيفاء ذلك في عمر نوح محال كاستيفاء ماء البحر بأخذ القطرات منه وكل ذلك ينطوي تحت قول لا إله إلا الله وما أخف مؤنته على اللسان وما أسهل اعتقاد مفهوم لفظه على القلب وما أعز حقيقته ولبه عند العلماء الراسخين في العلم فكيف عند غيرهم
فإن قلت فكيف الجمع بين التوحيد والشرع ومعنى التوحيد أن لا فاعل إلا الله تعالى ومعنى الشرع إثبات الأفعال للعباد فإن كان العبد فاعلا فكيف يكون الله تعالى فاعلا وإن كان الله تعالى فاعلا فكيف يكون العبد فاعلا ومفعول بين فاعلين غير مفهوم فأقول نعم ذلك غير مفهوم إذا كان للفاعل معنى واحد وإن كان له معنيان ويكون الاسم مجملا مرددا بينهما لم يتناقض كما يقال قتل الأمير فلانا ويقال قتله الجلاد ولكن الأمير قاتل بمعنى والجلاد قاتل بمعنى آخر فكذلك العبد فاعل بمعنى والله عز و جل فاعل بمعنى آخر فمعنى كون الله تعالى فاعلا أنه المخترع الموجد ومعنى كون العبد فاعلا أنه المحل الذي خلق فيه القدرة بعد أن خلق فيه الإرادة بعد أن خلق فيه العلم فارتبطت القدرة بالإرادة والحركة بالقدرة ارتباط الشرط بالمشروط وارتبط بقدرة الله ارتباط المعلول بالعلة وارتباط المخترع بالمخترع وكل ما له ارتباط بقدرة فإن محل القدرة يسمى فاعلا له كيفما كان الارتباط كما يسمى الجلاد قاتلا والأمير قاتلا لأن القتل ارتبط بقدرتهما ولكن على وجهين مختلفين فلذلك سمي فعلا لهما فكذلك ارتباط المقدورات بالقدرتين ولأجل توافق ذلك وتطابقه نسب الله تعالى الأفعال في القرآن مرة إلى الملائكة ومرة إلى العباد ونسبها بعينها مرة أخرى إلى نفسه فقال الله تعالى في الموت قل يتوفاكم ملك الموت ثم قال عز و جل الله يتوفى الأنفس حين موتها وقال تعالى افرأيتم ما تحرثون أضاف إلينا ثم قال تعالى أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقال عز و جل فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا ثم قال تعالى فنفخنا فيها من روحنا وكان النافخ جبريل عليه السلام وكما قال تعالى فإذا قرأناه فاتبع قرآنه قيل في التفسير معناه إذا قرأه عليك جبريل وقال تعالى قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم فأضاف القتل إليهم والتعذيب إلى نفسه والتعذيب هو عين

القتل بل صرح وقال تعالى فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وقال تعالى وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وهو جمع بين النفي والإثبات ظاهرا ولكن معناه وما رميت بالمعنى الذي يكون الرب به راميا إذ رميت بالمعنى الذي يكون العبد به راميا إذ هما معنيان مختلفان
وقال الله تعالى الذي علم بالقلم علم الإنسان مالم يعلم ثم قال الرحمن علم القرآن وقال علمه البيان وقال ثم إن علينا بيانه وقال أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في وصف ملك الأرحام إنه يدخل الرحم فيأخذ النطفة في يده ثم يصورها جسدا فيقول يا رب أذكر أم أنثى أسوى أم معوج فيقول الله تعالى ما شاء ويخلق الملك // حديث وصف ملك الأرحام أنه يدخل الرحم فيأخذ النطفة بيده ثم يصورها جسدا الحديث رواه البزار وابن عدي من حديث عائشة إن الله تبارك وتعالى حين يريد أن يخلق الخلق يبعث ملكا فيدخل الرحم فيقول يا رب ماذا الحديث وفي آخره فما من شيء إلا وهو يخلق معه في الرحم وفي سنده جهالة وقال ابن عدي أنه منكر وأصله متفق عليه من حديث ابن مسعود بنحوه // وفي لفظ آخر ويصور الملك ثم ينفخ فيه الروح بالسعادة أو بالشقاوة
وقد قال بعض السلف إن الملك الذي يقال له الروح هو الذي يولج الأرواح في الأجساد وأنه يتنفس بوصفه فيكون كل نفس من أنفاسه روحا يلج في جسم ولذلك سمي روحا وما ذكره في مثل هذا الملك وصفته فهو حق شاهده أرباب القلوب ببصائرهم فأما كون الروح عبارة عنه فلا يمكن أن يعلم إلا بالنقل والحكم به دون النقل تخمين مجرد وكذلك ذكر الله تعالى في القرآن من الأدلة والآيات في الأرض والسموات ثم قال أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد وقال شهد الله أنه لا إله إلا هو فبين أنه الدليل على نفسه وذلك ليس متناقضا بل طرق الاستدلال مختلفة
فكم من طالب عرف الله تعالى بالنظر إلى الموجودات وكم من طالب عرف كل الموجودات بالله تعالى كما قال بعضهم عرفت ربي بربي ولولا ربي لما عرفت ربي وهو معنى قوله تعالى أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد وقد وصف الله تعالى نفسه بأنه المحيي والمميت ثم فوض الموت والحياة إلى ملكين ففي الخبر أن ملكي الموت والحياة تناظرا فقال ملك الموت أنا أميت الأحياء وقال ملك الحياة أنا أحيي الموتى فأوحى الله تعالى إليهما كونا على عملكما وما سخرتكما له من الصنع وأنا المميت والمحيي لا يميت ولا يحيى سواى // حديث إن ملك الموت والحياة تناظرا فقال ملك الموت أنا أميت الأحياء وقال ملك الحياة أنا أحيي الأموات فأوحى الله إليهما أن كونا على عملكما الحديث لم أجد له أصلا // فإذن الفعل يستعمل على وجوه مختلفة فلا تتناقض هذه المعاني إذا فهمت ولذلك قال صلى الله عليه و سلم للذي ناوله التمرة خذها لو لم تأتها لأتتك // حديث قال للذي ناوله التمرة خذها لو لم تأتها لأتتك أخرجه ابن حبان في كتاب روضة العقلاء من رواية هذيل ابن شرحبيل ووصله الطبراني عن هذيل عن ابن عمر ورجاله رجال الصحيح // أضاف الإتيان إليه وإلى التمرة ومعلوم أن التمرة لا تأتي على الوجه الذي يأتي الإنسان إليها وكذلك لما قال التائب أتوب إلى الله تعالى ولا أتوب إلى محمد فقال صلى الله عليه و سلمعرف الحق لأهله // حديث إنه قال للذي قال أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد عرف الحق لأهله تقدم في الزكاة // فكل من أضاف الكل إلى الله تعالى فهو المحقق الذي عرف الحق والحقيقة ومن أضافه إلى غيره فهو المتجوز والمستعير في كلامه وللتجوز وجه كما أن للح4قيقة وجها واسم الفاعل وضعه واضع اللغة للمخترع ولكن ظن أن الإنسان مخترع بقدرته فسماه فاعلا بحركته وظن أنه تحقيق وتوهم أن نسبته إلى الله تعالى على سبيل المجاز مثل نسبة القتل إلى الأمير فإنه مجاز بالإضافة إلى نسبته إلى الجلاد فلما انكشف الحق لأهله عرفوا أن الأمر بالعكس

وقالوا إن الفاعل قد وضعته أيها اللغوى للمخترع فلا فاعل إلا الله فالاسم له بالحقيقة ولغيره بالمجاز
أي تتجوز به عما وضعه اللغوى له ولما جرى حقيقة المعنى على لسان بعض الأعراب قصدا أو اتفاقا صدقه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال أصدق بيت قاله الشاعر قول لبيد
ألا كل شيء ما خلا الله باطل // حديث أصدق بيت قالته العرب بيت لبيد ألا كل شيء ما خلا الله باطل متفق عليه من حديث أبي هريرة بلفظ قاله الشاعر وفي رواية لمسلم أشعر كلمة تكلمت بها العرب // أي كل ما لا قوام له بنفسه وإنما قوامه بغيره فهو باعتبار نفسه باطل وإنما حقيته وحقيقته بغيره لا بنفسه فإذن لا حق بالحقيقة إلى الحي القيوم الذي ليس كمثله شيء فإنه قائم بذاته وكل ما سواه قائم بقدرته فهو الحق وما سواه باطل ولذلك قال سهل يا مسكين كان ولم تكن ويكون ولا تكون فلما كنت اليوم صرت تقول أنا وأنا كن الآن كما لم تكن فإنه اليوم كما كان
فإن قلت فقد ظهر الآن أن الكل جبر فما معنى الثواب والعقاب والغضب والرضا وكيف غضبه على فعل نفسه فاعلم أن معنى ذلك قد أشرنا إليه في كتاب الشكر فلا نطول بإعادته فهذا هو القدر الذي رأينا الرمز إليه من التوحيد الذي يورث حال التوكل ولا يتم هذا إلا بالإيمان بالرحمة والحكمة فإن التوحيد يورث النظر إلى مسبب الأسباب والإيمان بالرحمة وسعتها هو الذي يورث الثقة بمسبب الأسباب ولا يتم حال التوكل كما سيأتي إلا بالثقة بالوكيل وطمأنينة القلب إلى حسن نظر الكفيل وهذا الإيمان أيضا باب عظيم من أبواب الإيمان وحكاية طريق المكاشفين فيه تطول فلنذكر حاصله ليعتقده الطالب لمقام التوكل اعتقادا قاطعا لا يستريب فيه
وهو أن يصدق تصديقا يقينيا لا ضعف فيه ولا ريب أن الله عز و جل لو خلق الخلق كلهم على عقل أعقلهم وعلم أعلمهم وخلق لهم من العلم ما تحتمله نفوسهم وأفاض عليهم من الحكمة مالا منتهى لوصفها ثم زاد مثل عدد جميعهم علما وحكمة وعقلا ثم كشف لهم عن عواقب الأمور وأطلعهم على أسرار الملكوت وعرفهم دقائق اللطف وخفايا العقوبات حتى اطلعوا به على الخير والشر والنفع والضر ثم أمرهم أن يدبروا الملك والملكوت بما أعطوا من العلوم والحكم لما أقتضى تدبير جميعهم مع التعاون والتظاهر عليه أن يزاد فيما دبر الله سبحانه الخلق به في الدنيا والآخرة جناح بعوضة ولا أن ينقص منها جناح بعوضة ولا أن يرفع منها ذرة ولا أن يخفض منها ذرة ولا أن يدفع مرض أو عيب أو نقص أو فقر أو ضر عمن بلى به ولا أن يزال صحة أو كمال أو غنى أو نفع عمن أنعم الله به عليه بل كل ما خلقه الله تعالى من السموات والأرض إن رجعوا فيها البصر وطولوا فيها النظر ما رأوا فيها من تفاوت ولا فطور وكل ما قسم الله تعالى بين عباده من رزق وأجل وسرور وحزن وعجز وقدرة وإيمان وكفر وطاعة ومعصية فكله عدل محض لا جور فيه وحق صرف لا ظلم فيه بل هو على الترتيب الواجب الحق على ما ينبغي وكما ينبغي بالقدر الذي ينبغي وليس في الإمكان أصلا أحسن منه ولا أتم ولا أكمل ولو كان وادخره مع القدرة ولم يتفضل بفعله لكان بخلا يناقض الجود وظلما يناقض العدل ولو لم يكن قادرا لكان عجزا يناقض الإلهية بل كل فقر وضر في الدنيا فهو نقصان من الدنيا وزيادة في الآخرة وكل نقص في الآخرة بالإضافة إلى شخص فهو نعيم بالإضافة إلى غيره إذ لولا الليل لما عرف قدر النهار ولولا المرض لما تنعم الأصحاء بالصحة ولولا النار لما عرف أهل الجنة قدر النعمة وكما أن فداء أرواح الإنس بأرواح البهائم وتسليطهم على ذبحها ليس بظلم بل تقديم الكامل على الناقص عين العدل فكذلك تفخيم النعم على سكان الجنان بتعظيم العقوبة على أهل النيران وفداء

أهل الإيمان بأهل الكفران عين العدل وما لم يخلق الناقص لا يعرف الكامل ولولا خلق البهائم لما ظهر شرف الإنس فإن الكمال والنقص يظهر بالإضافة فمقتضى الجود والحكمة خلق الكامل والناقص جميعا وكما أن قطع اليد إذا تأكلت إبقاء على الروح عدل لأنه فداء كامل بناقص فكذلك الأمر في التفاوت الذي بين الخلق في القسمة في الدنيا والآخرة فكل ذلك عدل لا جور فيه وحق لا لعب فيه وهذا الآن بحر آخر عظيم العمق واسع الأطراف مضطرب الأمواج قريب في السعة من بحر التوحيد فيه غرق طوائف من القاصرين ولم يعلموا أن ذلك غامض لا يعقله إلا العالمون ووراء هذا البحر سر القدر الذي تحير فيه الأكثرون ومنع من إفشاء سره المكاشفون والحاصل أن الخير والشر مقضى به وقد كان ما قضى به واجب الحصول بعد سبق المشيئة فلا راد لحكمه ولا معقب لقضائه وأمره بل كل صغير وكبير مستطر وحصوله بقدر معلوم منتظر وما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولنقتصر على هذه المرامز من علوم المكاشفة التي هي أصول مقام التوكل ولنرجع إلى علم المعاملة إن شاء الله تعالى وحسبنا الله ونعم الوكيل الشطر الثاني من الكتاب في أحوال التوكل وأعماله
وفيه
بيان حال التوكل
وبيان ما قاله الشيوخ في حد التوكل وبيان التوكل في الكسب للمنفرد والمعيل وبيان التوكل بقدر الادخار وبيان التوكل في دفع المضار وبيان التوكل في إزالة الضرر بالتداوى وغيره والله الموفق برحمته بيان حال التوكل
قد ذكرنا أن مقام التوكل ينتظم من علم وحال وعمل وذكرنا العلم
فأما الحال فالتوكل بالتحقيق عبارة عنه وإنما العلم أصله والعمل ثمرته وقد أكثر الخائضون في بيان حد التوكل واختلفت عباراتهم وتكلم كل واحد عن مقام نفسه وأخبر عن حده كما جرت عادة أهل التصوف به ولا فائدة في النقل والإكثار فلنكشف الغطاء عنه ونقول التوكل مشتق من الوكالة يقال وكل أمره إلى فلان أي فوضه إليه واعتمد عليه فيه ويسمى الموكول إليه وكيلا ويسمى المفوض إليه متكلا عليه ومتوكلا عليه مهما اطمأنت إليه نفسه ووثق به ولم يتهمه فيه بتقصير ولم يعتقد فيه عجزا وقصورا فالتوكل عبارة عن اعتماد القلب على الوكيل وحده ولنضرب للوكيل في الخصومة مثلا فنقول من ادعى عليه دعوى باطلة بتلبيس فوكل للخصومة من يكشف ذلك التلبيس لم يكن متوكلا عليه ولا واثقا به ولا مطمئن النفس بتوكيله إلا إذا اعتقد فيه أربعة أمور منتهى الهداية ومنتهى القوة ومنتهى الفصاحة ومنتهى الشفقة أما الهداية فليعرف بها مواقع التلبيس حتى لا يخفى عليه من غوامض الحيل شيء أصلا وأما القدرة والقوة فليستجرئ على التصريح بالحق فلا يداهن ولا يخاف ولا يستحى ولا يجبن فإنه ربما يطلع على وجه تلبيس خصمه فيمنعه الخوف أو الجبن أو الحياء أو صارف آخر من الصوارف المضعفة للقلب عن التصريح به وأما الفصاحة فهي أيضا من القدرة إلا أنها قدرة في اللسان على الإفصاح عن كل ما استجرأ القلب عليه وأشار إليه فلا كل عالم بمواقع التلبيس قادر بذلاقة لسانه على حل عقدة التلبيس وأما منتهى الشفقة فيكون باعثا له على بذل كل ما يقدر

عليه في حقه من المجهود فإن قدرته لا تغني دون العناية به إذا كان لا يهمه أمره ولا يبالى به ظفر خصمه أو لم يظفر هلك به حقه أو لم يهلك فإن كان شاكا في الأربعة أو في واحدة منها أو جوز أن يكون خصمه في هذه الأربعة أكمل منه لم تطمئن نفسه إلى وكيله بل بقي منزعج القلب مستغرق الهم بالحيلة والتدبير ليدفع ما يحذره من قصور وكيله وسطوة خصمه ويكون تفاوت درجة أحواله في شدة الثقة والطمأنينة بحسب تفاوت قوة اعتقاده لهذه الخصال فيه والاعتقادات والظنون في القوة والضعف تتفاوت تفاوتا لا ينحصر فلا جرم تتفاوت أحوال المتوكلين في قوة الطمأنينة والثقة تفاوتا لا ينحصر إلى أن ينتهى إلى اليقين الذي لا ضعف فيه كما لو كان الوكيل والد الموكل وهو الذي يسعى لجمع الحلال والحرام لأجله فإنه يحصل له يقين بمنتهى الشفقة والعناية فتصير خصلة واحدة من الخصال الأربعة قطعية وكذلك سائرا الخصال يتصور أن يحصل القطع به وذلك بطول الممارسة والتجربة وتواتر الأخبار بأنه أفصح الناس لسانا وأقدرهم بيانا وأقدرهم على نصرة الحق بل على تصوير الحق بالباطل والباطل بالحق فإذا عرفت التوكل في هذا المثال فقس عليه التوكل على الله تعالى فإن ثبت في نفسك كشف أو باعتقاد جازم أنه لا فاعل إلا الله كما سبق واعتقدت مع ذلك تمام العلم والقدرة على كفاية العباد ثم تمام العناية والعطف والرحمة بجملة العباد والآحاد وأنه ليس وراء منتهى قدرته قدرة ولا وراء منتهى علمه علم ولا وراء منتهى عنايته بك ورحمته لك عناية ورحمة اتكل لا محالة قلبك عليه وحده ولم يلتفت إلى غيره بوجه ولا إلى نفسه وحوله وقوته فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله كما سبق في التوحيد عند ذكر الحركة والقدرة فإن الحول عبارة عن الحركة والقوة عبارة عن القدرة فإن كنت لا تجد هذه الحالة من نفسك فسببه أحد أمرين إما ضعف اليقين بإحدى هذه الخصال الأربعة وإما ضعف القلب ومرضه باستيلاء الجبن عليه وانزعاجه بسبب الأوهام الغالبة عليه فإن القلب قد ينزعج تبعا للوهم وطاعة له عن غير نقصان في اليقين فإن من يتناول عسلا فشبه بين يديه بالعذرة ربما نفر طبعه وتعذر عليه تناوله ولو كلف العاقل أن يبيت مع الميت في قبر أو فراش أو بيت نفر طبعه عن ذلك وإن كان متيقنا بكونه ميتا وأنه جماد في الحال وأن سنة الله تعالى مطردة بأنه لا يحشره الآن ولا يحييه وإن كان قادرا عليه كما أنها مطردة بأن لا يقلب القلم الذي في يده حية ولا يقلب السنور أسدا وإن كان قادرا عليه ومع أنه لا يشك في هذا اليقين ينفر طبعه عن مضاجعة الميت في فراش أو المبيت معه في البيت ولا ينفر عن سائر الجمادات وذلك جبن في القلب وهو نوع ضعيف فلما يخلو الإنسان عن شيء منه وإن قل وقد يقوى فيصير مرضا حتى يخاف أن يبيت في البيت وحده مع إغلاق الباب وإحكامه فإذن لا يتم التوكل إلا بقوة القلب وقوة اليقين جميعا إذ بهما يحصل سكون القلب وطمأنينته فالسكون في القلب شيء واليقين شيء آخر فكم من يقين لا طمأنينتة معه كما قال تعالى لإبراهيم عليه السلام أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي فالتمس أن يكون مشاهدا إحياء الميت بعينه ليثبت في خياله فإن النفس تتبع الخيال وتطمئن به ولا تطمئن باليقين في ابتداء أمرها إلى أن تبلغ بالآخرة إلى درجة النفس المطمئنة وذلك لا يكون في البداية أصلا وكم من مطمئن لا يقين له كسائر أرباب الملل والمذاهب فإن اليهودي مطمئن القلب إلى تهوده وكذا النصراني ولا يقين لهم أصلا وإنما يتبعون الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى وهو سبب اليقين إلا أنهم معرضون عنه فإذن الجبن والجراءة غرائز ولا ينفع اليقين معها فهي أحد الأسباب التي تضاد حال التوكل كما أن ضعف اليقين بالخصال الأربعة أحد الأسباب وإذا اجتمعت هذه الأسباب حصلت الثقة بالله تعالى وقد قيل مكتوب في التوراة ملعون من ثقته إنسان مثله وقد قال صلى الله عليه و سلم

من استعز بالعبيد أذله الله تعالى // حدديث من اعتز بالعبيد أذلة الله أخرجه العقيلى في الضعفاء وأبو نعيم في الحلية من حديث عمر أورده العقيلي في ترجمة عبد الله بن عبد الله الأموي وقال لا يتابع على حديثه وقد ذكره ابن حبان في الثقات وقال يخالف في روايته وإذا انكشف لك معنى التوكل وعلمت الحالة التي سميت توكلا فاعلم أن تلك الحالة لها في القوة والضعف ثلاث درجات
الدرجة الأولى ما ذكرناه وهو أن يكون حاله في حق الله تعالى والثقة بكفالته وعنايته كحاله في الثقة بالوكيل الثانية وهي أقوى أن يكون حاله مع الله تعالى كحال الطفل مع أمه فإنه لا يعرف غيرها ولا يفزع إلى أحد سواها ولا يعتمد إلا إياها فإذا رآها تعلق في كل حال بذيلها ولم يخلها وإن نابه أمر في غيبتها كان أول سابق إلى لسانه يا أماه وأول خاطر يخطر في قلبه أمه فإنها مفزعه فإنه قد وثق بكفالتها وكفايتها وشفقتها ثقة ليست خالية عن نوع إدراك بالتمييز الذي له ويظن أنه طبع من حيث إن الصبي لو طولب بتفصيل هذه الخصال لم يقدر على تلقين لفظه ولا على إحضاره مفصلا في ذهنه ولكن كل ذلك وراء الإدراك فمن كان باله إلى الله عز و جل ونظره إليه واعتماده عليه كلف به كما يكلف الصبي بأمه فيكون متوكلا حقا فإن الطفل متوكل على أمه والفرق بين هذا وبين الأول أن هذا متوكل وقد فني في توكله عن توكله إذ ليس يلتفت قلبه إلى التوكل وحقيقته بل إلى المتوكل عليه فقط فلا مجال في قلبه لغير المتوكل عليه وأما الأول فيتوكل بالتكلف والكسب وليس فانيا عن توكله لأن له التفاتا إلى توكله وشعورا به وذلك شغل صارف عن ملاحظة المتوكل عليه وحده وإلى هذه الدرجة أشار سهل حيث سئل عن التوكل ما أدناه قال ترك الأماني قيل وأوسطه قال ترك الاختيار وهو إشارة إلى الدرجة الثانية وسئل عن أعلاه فلم يذكره وقال لا يعرفه إلا من بلغ أوسطه الثالثة وهي أعلاها أن يكون بين يدي الله تعالى في حركاته وسكناته مثل الميت بين يدي الغاسل لا يفارقه إلا في أنه يرى نفسه ميتا تحركه القدرة الأزلية كما تحرك يد الغاسل الميت وهو الذي قوى يقينه بأنه مجرى للحركة والقدرة والإرادة والعلم وسائر الصفات وأن كلا يحدث جبرا فيكون بائنا عن الانتظار لما يجرى عليه ويفارق الصبي فإن الصبي يفزع إلى أمه ويصيح ويتعلق بذيلها ويعدو خلفها بل هو مثل صبي علم أنه وإن لم يزعق بأمه فالأم تطلبه وأنه وإن لم يتعلق بذيل أمه فالأم تحمله وإن لم يسألها اللبن فالأم تفاتحه وتسقيه وهذا المقام في التوكل يثمر ترك الدعاء والسؤال منه ثقة بكرمه وعنايته وأنه يعطي ابتداء أفضل مما يسئل فكم من نعمة ابتدأها قبل السؤال والدعاء وبغير الاستحقاق والمقام الثاني لا يقتضى ترك الدعاء والسؤال منه وإنما يقتضى ترك السؤال من غيره فقط
فإن قلت فهذه الأحوال هل يتصور وجودها فاعلم أن ذلك ليس بمحال ولكنه عزيز نادر والمقام الثاني والثالث أعزها والأول أقرب إلى الإمكان ثم إذا وجد الثالث والثاني فداومه أبعد منه بل يكاد لا يكون المقام الثالث في دوامه إلا كصفرة الوجل فإن انبساط القلب إلى ملاحظة الحول والقوة والأسباب طبع وانقباضه عارض كما إن انبساط الدم إلى جميع الأطراف طبع وانقباضه عارض والوجل عبارة عن انقباض الدم عن ظاهر البشرة إلى الباطن حتى تنمحى عن ظاهر البشرة الحمرة التي كانت ترى من وراء الرقيق من ستر البشرة فإن البشرة ستر رقيق تتراءى من ورائه حمرة الدم وانقباضه يوجب الصفرة وذلك لا يدوم وكذا انقباض القلب بالكلية عن ملاحظة الحول والقوة وسائر الأسباب الظاهرة لا يدوم وأما المقام الثاني فيشبه صفرة المحموم فإنه قد يدوم يوما ويومين والأول يشبه صفرة مريض استحكم مرضه فلا يبعد أن يدوم ولا يبعد أن يزول

فإن قلت فهل يبقى مع العبد تدبير وتعلق بالأسباب فى هذه الأحوال فاعلم إن المقام الثالث ينفى التدبير رأسا ما دامت الحالة باقية بل يكون صاحبها كالمبهوت والمقام الثانى ينفى كل تدبير إلا من حيث الفزع إلى الله بالدعاء والابتهال كتدبير الطفل فى التعلق بأمه فقط والمقام الأول لا ينفى أصل التدبير والاختيار ولكن ينفى بعض التدبيرات كالمتوكل على وكيله فى الخصومة فإنه يترك تدبيره من جهة غير الوكيل ولكن لا يترك التدبير الذى أشار إليه وكيله به أو التدبير الذى عرفه من عادته وسننه دون صريح إشارته فأما الذى يعرفه بإشارته بأن يقول له لست أتكلم إلا فى حضورك فيشتغل لا محالة بالتدبير للحضور ولا يكون هذا مناقضا توكله عليه إذ ليس هو فزعا منه إلى حول نفسه وقوته فى إظهار الحجة ولا إلى حول غيره بل من تمام توكله عليه أن يفعل ما رسمه له إذ لو لم يكن متوكلا عليه ولا معتمدا عليه فى قوله لما حضر فقوله وأما المعلوم من عادته وإطراد سننه فهو أن يعلم من عادته أن لا يحاج الخصم إلا من السجل فتمام توكله إن كان متوكلا عليه أن يكون معولا على سنته وعادته ووافيا بمقتضاها وهو أن يحمل السجل مع نفسه إليه عند مخاصمته فإذن لا يستغنى عن التدبير فى الحضور وعن التدبير فى إحضار السجل ولو ترك شيئا من ذلك كان نقصا فى توكله فكيف يكون فعله نقصا فيه نعم بعد أن حضر وفاء بإشارته وأحضر السجل وفاء بسنته وعادته وقعد ناظرا إلى محاجته فقد ينتهى إلى المقام الثانى والثالث فى حضوره حتى يبقى كالبهوت المنتظر لا يفزع إلى حوله وقوته إذ لم يبق له حول ولا قوة وقد كان فزعه إلى حوله وقوته فى الحضور وإحضار السجل بإشارة الوكيل وسنته وقد انتهى نهايته فلم يبق إلا طمأنينة النفس والثقة بالوكيل والانتظار لما يجرى وإذا تأملت هذا اندفع عنك كل إشكال فى التوكل وفهمت أنه ليس من شرط التوكل ترك كل تدبير وعمل وأن كل تدبير وعمل لا يجوز أيضا مع التوكل بل هو على الانقسام وسيأتى تفصيله فى الأعمال فإذا فزع المتوكل إلى حوله وقوته فى الحضور والإحضار لا يناقض التوكل لأنه يعلم أنه لو لا الوكيل لكان حضوره وإحضاره باطلا وتعبا محضا بلا جدوى فإذن لا يصير مفيدا من حيث إنه حوله وقوته بل من حيث إن الوكيل جعله معتمدا لمحاجته وعرفه ذلك بإشارته وسنته فإذن لا حول ولا قوة إلا بالوكيل إلا أن هذه الكلمة لا يكمل معناها فى حق الوكيل لأنه ليس خالقا حوله وقوته بل هو جاعل لهما مفيدين فى أنفسهما ولم يكونا مفيدين لولا فعله وإنما يصدق ذلك فى حق الوكيل وهو الله تعالى إذ هو خالق الحول والقوة كما سبق فى التوحيد وهو الذى جعلهما مفيدين إذ جعلهما شرطا لما سيخلقه من بعدهما من الفوائد والمقاصد فإذن لا حول ولا قوة إلا بالله حقا وصدقا فمن شاهد هذا كله كان له الثواب العظيم الذى وردت به الأخبار فيمن يقول لا حول ولا قوة إلا بالله // أحاديث ثواب قول لا حول ولا قوة إلا بالله تقدمت فى الدعوات // وذلك قد يستبعد فيقال كيف يعطى هذا الثواب كله بهذه الكلمة مع سهولتها على اللسان وسهولة اعتقاد القلب بمفهوم لفظها وهيهات فإنما ذلك جزاء على هذه المشاهدة التى ذكرناها فى التوحيد ونسبة هذه الكلمة وثوابها إلى كلمة لا إله إلا الله وثوابها كنسبة معنى إحداهما إلى الأخرى إذ فى هذه الكلمة إضافة إلى شيئين إلى الله تعالى فقط وهما الحول والقوة وأما كلمة لا إله إلا الله فهو نسبة الكل إليه فانظر إلى التفاوت بين الكل وبين شيئين لتعرف به ثواب لا إله إلا الله بالإضافة إلى هذا وكما ذكرنا من قبل أن للتوحيد قشرين ولبين فكذلك لهذه الكلمة ولسائر الكلمات وأكثر الخلق قيدوا بالقشرين وما طرقوا إلى اللبين وإلى اللبين الإشارة بقوله صلى الله عليه و سلممن قال لا إله إلا الله

صادقا من قلبه مخلصا وجبت له الجنة // حديث من قال لا إله إلا الله صادقا مخلصا من قلبه وجبت له الجنة رواه الطبراني من حديث زيد بن أرقم وأبو يعلى من حديث أبي هريرة وقد تقدم // وحيث أطلق من غير الصدق والإخلاص أراد بالمطلق هذا المقيد كما أضاف المغفرة إلى الإيمان والعمل الصالح فى بعض المواضع وأضافها إلى مجرد الإيمان فى بعض المواضع والمراد به المقيد بالعمل الصالح فالملك لا ينال بالحديث وحركة اللسان حديث وعقد القلب أيضا حديث ولكنه حديث نفس وإنما الصدق والإخلاص وراءهما ولا ينصب سرير الملك إلا للمقربين وهم المخلصون نعم لمن يقرب منهم فى الرتبة من أصحاب اليمين أيضا درجات عند الله تعالى وإن كانت لا تنتهى إلا بالملك أما ترى أن الله سبحانه لما ذكر فى سورة الواقعة المقربين السابقين تعرض لسرير الملك فقال على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين ولما انتهى إلى أصحاب اليمين ما زاد فى ذكر الماء والظل والفواكه والأشجار والحور العين وكل ذلك من لذات المنظور والمشروب والمأكول والمنكوح ويتصور ذلك للبهائم على الدوام وأين لذات البهائم من لذة الملك والنزول فى أعلى عليين فى جوار رب العالمين ولو كان لهذه اللذات قدر لما وسعت على البهائم ولما رفعت عليها درجة الملائكة أفترى أن أحوال البهائم وهى مسيبة فى الرياض متنعمة بالماء والأشجار وأصناف المأكولات متمتعة بالنزوان والسفاد أعلى وألذ وأشرف وأجدر بأن تكون عند ذوى الكمال مغبوطة من أحوال الملائكة فى سرورهم بالقرب من جوار رب العالمين فى أعلى عليين هيهات هيهات ما أبعد عن التحصيل من إذا خير بين أن يكون حمارا أو يكون فى درجة جبريل عليه السلام فيختار درجة الحمار على درجة جبريل عليه السلام وليس يخفى أن شبه كل شىء منجذب إليه وأن النفس التى نزوعها إلى صنعه الأساكفة أكثر من نزوعها إلى صنعة الكتابة فهو بالأساكفه أشبه فى جوهره منه بالكتاب وكذلك من نزوع نفسه إلى نيل لذات البهائم أكثر من نزوعها إلى نيل لذات الملائكة فهو بالبهائم أشبه منه بالملائكة لا محالة وهؤلاء هم الذين يقال فيهم أولئك كالأنعام بل هم أضل وإنما كانوا أضل لأن الأنعام ليس فى قوتها طلب درجة الملائكة فتركها الطلب للعجز وأما الإنسان ففى قوته ذلك والقادر على نيل الكمال أحرى بالذم وأجدر بالنسبة إلى الضلال مهما تقاعد عن طلب الكمال وإذا كان هذا كلاما معترضا فلنرجع إلى المقصود فقد بينا معنى قول لا إله إلا الله ومعنى قول لا حول ولا قوة إلا بالله وإن من ليس قائلا بهما عن مشاهدة فلا يتصور منه حال التوكل
فإن قلت ليس فى قولك لا حول ولا قوة إلا بالله إلا نسبة شيئين إلى الله فلو قال قائل السماء والأرض خلق الله فهل يكون ثوابه مثل ثوابه فأقول لا لأن الثواب على قدر درجة المثاب عليه ولا مساواة بين الدرجتين ولا ينظر إلى عظم السماء والأرض وصغر الحول والقوة إن جاز وصفهما بالصغر تجوزا فليست الأمور بعظم الأشخاص بل كل عامى يفهم أن الأرض والسماء ليستا من جهة الآدميين بل هما من خلق الله تعالى فأما الحول والقوة فقد أشكل أمرهما على المعتزلة والفلاسفة وطوائف كثيرة ممن يدعى أنه يدقق النظر فى الرأى والمعقول حتى يشق الشعر بحدة نظره فهى مهلكة مخطرة ومزلة عظيمة هلك فيها الغافلون إذ أثبتوا لأنفسهم أمرا وهو شرك فى التوحيد وإثبات خالق سوى الله تعالى فمن جاوز هذه العقبة بتوفيق الله تعالى إياه فقد علت رتبته وعظمت درجته فهو الذى يصدق قول لا حول ولا قوة إلا بالله وقد ذكرنا أنه ليس فى التوحيد إلا عقبتان إحداهما النظر

إلى السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم والغيم والمطر وسائر الجمادات والثانية النظر إلى اختيار الحيوانات وهى أعظم العقبتين وأخطرهما وبقطعهما كمال سر التوحيد فلذلك عظم ثواب هذه الكلمة أعنى ثواب المشاهدة التى هذه الكلمة ترجمتها فإذا رجع حال التوكل إلى التبرى من الحول والقوة والتوكل على الواحد الحق وسيتضح عند ذكرنا تفصيل أعمال التوكل إن شاء الله تعالى
بيان ما قاله الشيوخ فى أحوال التوكل
ليتبين أن شيئا منها لا يخرج عما ذكرنا ولكن كل واحد يشير إلى بعض الأحوال فقد قال أبو موسى الديلى قلت لأبى يزيد ما التوكل فقال ما تقول أنت قلت إن أصحابنا يقولون لو أن السباع والأفاعى عن يمينك ويسارك ما تحرك لذلك سرك فقال أبو يزيد نعم هذا قريب ولكن لو أن أهل الجنة فى الجنة يتنعمون وأهل النار فى النار يعذبون ثم وقع بك تمييز بينهما خرجت من جملة التوكل فما ذكره أبو موسى فهو خبر عن أجل أحوال التوكل وهو المقام الثالث وما ذكره أبو يزيد عبارة عن أعز أنواع العلم الذى هو من أصول التوكل وهو العلم بالحكمة وأن ما فعله الله تعالى فعله بالواجب فلا تمييز بين أهل النار وأهل الجنة بالإضافة إلى أصل العدل والحكمة وهذا أغمض أنواع العلم ووراءه سر القدر وأبو يزيد قلما يتكلم إلا عن أعلى المقامات وأقصى الدرجات وليس ترك الاحتراز عن الحيات شرطا فى المقام الأول من التوكل فقد احترز أبو بكر رضى الله عنه فى الغار إذ سد منافذ الحيات // حديث إن أبا بكر سد منافذ الحيات فى الغار شفقة على النبي صلى الله عليه و سلم تقدم // إلا أن يقال فعل ذلك برجله ولم يتغير بسببه سره أو يقال إنما فعل ذلك شفقة فى حق رسول الله صلى الله عليه و سلم لا فى حق نفسه وإنما يزول التوكل بتحرك سره وتغيره لأمر يرجع إلى نفسه وللنظر فى هذا مجال ولكن سيأتى بيان أن أمثال ذلك وأكثر منه لا يناقض التوكل فإن حركة السر من الحيات هو الخوف وحق المتوكل أن يخاف مسلط الحيات إذ لا حول للحيات ولا قوة لها إلا بالله فإن احترز لم يكن اتكاله على تدبيره وحوله وقوته فى الاحتراز بل على خالق الحول والقوة والتدبير
وسئل ذو النون المصرى عن التوكل فقال خلع الأرباب وقطع الأسباب فخلع الأرباب إشارة إلى علم التوحيد وقطع الأسباب إشارة إلى الأعمال وليس فيه تعرض صريح للحال وإن كان اللفظ يتضمنه فقيل له زدنا فقال إلقاء النفس فى العبودية وإخراجها من الربوبية وهذا إشارة إلى التبرى من الحول والقوة فقط
وسئل حمدون القصار عن التوكل فقال إن كان لك عشرة آلاف درهم وعليك دانق دين لم تأمن أن تموت ويبقى دينك فى عنقك ولو كان عليك عشرة آلاف درهم دين من غير أن تترك لها وفاء لا تيأس من الله تعالى أن يقضيها عنك وهذا إشارة إلى مجرد الإيمان بسعة القدرة وأن فى المقدورات أسبابا خفية سوى هذه الأسباب الظاهرة
وسئل أبو عبد الله القرشى عن التوكل فقال التعلق بالله تعالى فى كل حال فقال السائل زدنى فقال ترك كل سبب يوصل إلى سبب حتى يكون الحق هو المتولى لذلك فالأول عام للمقامات الثلاث والثانى إشارة إلى المقام الثالث خاصة وهو مثل توكل إبراهيم صلى الله عليه و سلم إذ قال له جبريل عليه السلام ألك حاجة فقال أما إلبك فلا إذ كان سؤاله سببا يفضى إلى سبب وهو حفظ جبريل له فترك ذلك ثقة بأن الله تعالى إن أراد سخر جبريل لذلك فيكون هو المتولى لذلك وهذا حال مبهوت غائب عن نفسه بالله تعالى فلم ير معه غيره

وهو حال عزيز فى نفسه ودوامه إن وجد أبعد منه وأعز
وقال أبو سعيد الخراز التوكل اضطراب بلا سكون وسكون بلا اضطراب ولعله يشير إلى المقام الثانى فسكونه بلا اضطراب إشارة إلى سكون القلب إلى الوكيل وثقته به واضطراب بلا سكون إشارة إلى فزعه إليه وابتهاله وتضرعه بين يديه كاضطراب الطفل بيديه إلى أمه وسكون قلبه إلى تمام شفقتها
وقال أبو على الدقاق التوكل ثلاث درجات التوكل ثم التسليم ثم التفويض فالمتوكل يسكن إلى وعده والمسلم يكتفى بعلمه وصاحب التفويض يرضى بحكمه وهذا إشارة إلى تفاوت درجات نظره بالإضافة إلى المنظور إليه فإن العلم هو الأصل والوعد يتبعه والحكم يتبع الوعد ولا يبعد أن يكون الغالب على قلب المتوكل ملاحظة شىء من ذلك وللشيوخ فى التوكل أقاويل سوى ما ذكرناه فلا نطول بها فإن الكشف أنفع من الرواية والنقل فهذا ما يتعلق بحال التوكل والله الموفق برحمته ولطفه
بيان أعمال المتوكلين
اعلم أن العلم يورث الحال والحال يثمر الأعمال وقد يظن أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن وترك التدبير بالقلب والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة وكاللحم على الوضم وهذا ظن الجهال فإن ذلك حرام فى الشرع والشرع قد أثنى على المتوكلين فكيف ينال مقام من مقامات الدين بمحظورات الدين بل نكشف الغطاء عنه ونقول إنما يظهر تأثير التوكل فى حركة العبد وسعيه بعلمه إلى مقاصده وسعى العبد باختياره إما أن يكون لأجل جلب نافع هو مفقود عنده كالكسب أو لحفظ نافع هو موجود عنده كالادخار أو لدفع ضار لم ينزل به كدفع الصائل والسارق والسباع أو لإزالة ضار قد نزل به كالتداوى من المرض فمقصود حركات العبد لا تعدو هذه الفنون الأربعة وهو جلب النافع أو حفظه أو دفع الضار أو قطعه فلنذكر شروط التوكل ودرجاته فى كل واحد منها مقرونا بشواهد الشرع الفن الأول فى جلب النافع فنقول فيه الأسباب التى بها يجلب النافع على ثلاث درجات مقطوع به ومظنون ظنا يوثق به وموهوم وهما لا تثق النفس به ثقة تامة ولا تطمئن إليه الدرجة الأولى المقطوع به وذلك مثل الأسباب التى ارتبطت المسببات بها بتقدير الله ومشيئته ارتباطا مطردا لا يختلف كما أن الطعام إذا كان موضوعا بين يديك وأنت جائع محتاج ولكنك لست تمد اليد إليه وتقول أنا متوكل وشرط التوكل ترك السعى ومد اليد إليه سعى وحركة وكذلك مضغه بالأسنان وابتلاعه بإطباق أعالى الحنك على أسافله فهذا جنون محض وليس من التوكل فى شىء فإنك إن انتظرت أن يخلق الله تعالى فيك شبعا دون الخبز أو يخلق فى الخبز حركة إليك أو يسخر ملكا ليمضغه لك ويوصله إلى معدتك فقد جهلت سنة الله تعالى وكذلك لو لم تزرع الأرض وطمعت فى أن يخلق الله تعالى نباتا من غير بذر أو تلد زوجتك من غير وقاع كما ولدت مريم عليها السلام فكل ذلك جنون وأمثال هذا مما يكثر ولا يمكن إحصاؤه أليس التوكل فى هذا المقام بالعمل بل بالحال والعلم أما العلم فهو أن تعلم أن الله تعالى خلق الطعام واليد والأسنان وقوة الحركة وأنه هو الذى يطعمك ويسقيك وأما الحال فهو أن يكون سكون قلبك واعتمادك على فعل الله تعالى لا على اليد والطعام وكيف تعتمد على صحة يدك وربما تجف فى الحال وتفلج وكيف تعول على قدرتك وربما يطرأ عليك فى الحال ما يزيل عقلك ويبطل قوة حركتك وكيف تعول على حضور الطعام وربما يسلط الله تعالى

من يغلبك عليه أو يبعث حية تزعجك عن مكانك وتفرق بينك وبين طعامك وإذا احتمل أمثال ذلك ولم يكن لها علاج إلا بفضل الله تعالى فبذلك فلتفرح وعليه فلتعول فإذا كان هذا حاله وعلمه فليمد اليد فإنه متوكل الدرجة الثانية الأسباب التى ليست متيقنة ولكن الغالب أن المسببات لا تحصل دونها وكان احتمال حصولها دونها بعيدا كالذى يفارق الأمصار والقوافل ويسافر فى البوادى التى لا يطرقها الناس إلا نادرا ويكون سفره من غير استصحاب زاد فهذا ليس شرطا فى التوكل بل استصحاب الزاد فى البوادى سنة الأولين ولا يزول التوكل به بعد أن يكون الاعتماد على فضل الله تعالى لا على الزاد كما سبق ولكن فعل ذلك جائز وهو من أعلى مقامات التوكل ولذلك كان يفعله الخواص
فإن قلت فهذا سعى فى الهلاك وإلقاء النفس فى التهلكة فاعلم أن ذلك يخرج عن كونه حراما بشرطين أحدهما أن يكون الرجل قد راض نفسه وجاهدها وسواها على الصبر عن الطعام أسبوعا وما يقاربه بحيث يصبر عنه بلا ضيق قلب وتشوش خاطر وتعذر فى ذكر الله تعالى والثانى أن يكون بحيث يقوى على التقوت بالحشيش وما يتفق من الأشياء الخسيسة فبعد هذين الشرطين لا يخلو فى غالب الأمر فى البوادى فى كل أسبوع عن أن يلقاه آدمى أو ينتهى إلى حلة أو قرية أو إلى حشيش يجتزئ به فيحيا به مجاهدا نفسه والمجاهدة عماد التوكل وعلى هذا كان يعول الخواص ونظراؤه من المتوكلين والدليل عليه أن الخواص كان لا تفارقه الإبرة والمقراض والحبل والركوة ويقول هذا لا يقدح فى التوكل وسببه أنه علم أن البوادى لا يكون الماء فيها على وجه الأرض وما جرت سنة الله تعالى بصعود الماء من البئر بغير دلو ولا حبل ولا يغلب وجود الحبل والدلو فى البوادى كما يغلب وجود الحشيش والماء يحتاج إليه لوضوئه كل يوم مرات ولعطشه فى كل يوم أو يومين مرة فإن المسافر مع حرارة الحركة لا يصبر عن الماء وإن صبر عن الطعام وكذلك يكون له ثوب واحد وربما يتخرق فتنكشف عورته ولا يوجد المقراض والإبرة فى البوادى غالبا عند كل صلاة ولا يقوم مقامهما فى الخياطة والقطع شىء مما يوجد فى البوادى فكل ما فى معنى الأربعة أيضا يلتحق بالدرجة الثانية لأنه مظنون ظنا ليس مقطوعا به لأنه يحتمل أن لا يتخرق الثوب أو يعطيه إنسان ثوبا أو يجد على رأس البئر من يسقيه ولا يحتمل أن يتحرك الطعام ممضوغا إلى فيه فبين الدرجتين فرقان ولكن الثانى فى معنى الأول ولهذا نقول لو انحاز إلى شعب من شعاب الجبال حيث لا ماء ولا حشيش ولا يطرقه طارق فيه وجلس متوكلا فهو آثم به ساع فى هلاك نفسه كما روى أن زاهدا من الزهاد فارق الأمصار وأقام فى سفح جبل سبعا وقال لا أسال أحدا شيئا حتى فائتني ربى برزقى فقعد سبعة فكاد يموت ولم يأته رزق فقال يا رب إن أحييتنى فأئتنى برزقى الذى قسمت لى وإلا فاقبضنى إليك فأوحى الله جل ذكره إليه وعزتى لا أرزقنك حتى تدخل الأمصار وتقعد بين الناس فدخل المصر وقعد فجاءه هذا بطعام وهذا بشراب فأكل وشرب وأوجس فى نفسه من ذلك فأوحى الله تعالى إليه أردت أن تذهب حكمتى بزهدك فى الدنيا أما علمت أنى أرزق عبدي بأيدي عبادى أحب إلى من أن أرزقه بيد قدرتى فإذن التباعد عن الأسباب كلها مراغمة للحكمة وجهل بسنة الله تعالى والعمل بموجب سنة الله تعالى مع الاتكال على الله عز و جل دون الأسباب لا يناقض التوكل كما ضربناه مثلا فى الوكيل بالخصومة من قبل ولكن الأسباب تنقسم إلى ظاهرة وإلى خفية فمعنى التوكل الاكتفاء بالأسباب الخفية عن الأسباب الظاهرة مع سكون النفس إلى مسبب السبب لا إلى السبب

فإن قلت ما قولك فى القعود فى البلد بغير كسب أهو حرام أو مباح أو مندوب فاعلم أن ذلك ليس بحرام لأنه كفعل صاحب السياحة فى البادية إذا لم يكن مهلكا نفسه فهذا كيف كان لم يكن مهلكا نفسه حتى يكون فعله حراما بل لا يبعد أن يأتيه الرزق من حيث لا يحتسب ولكن قد يتأخر عنه والصبر ممكن إلى ان يتفق ولكن لو أغلق باب البيت على نفسه بحيث لا طريق لأحد إليه ففعله ذلك حرام وإن فتح باب البيت وهو بطال غير مشغول بعبادة فالكسب والخروج أولى له ولكن ليس فعله حراما إلا أن يشرف على الموت فعند ذلك يلزمه الخروج والسؤال والكسب وإن كان مشغول القلب بالله غير مستشرف إلى الناس ولا متطلع إلى من يدخل من الباب فيأتيه برزقه بل تطلعه إلى فضل الله تعالى واشتغاله بالله فهو أفضل وهو من مقامات التوكل وهو أن يشتغل بالله تعالى ولا يهتم برزقه فإن الرزق يأتيه لا محالة وعند هذا يصح ما قاله بعض العلماء وهو أن العبد لو هرب من رزقه لطلبه كما لو هرب من الموت لأدركه وأنه لو سأل الله تعالى أن لا يرزقه لما استجاب وكان عاصيا ولقال له يا جاهل كيف أخلقك ولا أرزقك ولذلك قال ابن عباس رضى الله عنهما اختلف الناس فى كل شىء إلا فى الرزق والأجل فإنهم أجمعوا على أن لا رزاق ولا مميت إلا الله تعالى وقال صلى الله عليه و سلملو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا ولزالت بدعائكم الجبال // حديث لو توكلتم على الله حق توكله الحديث وزاد فى آخره ولزالت بدعائكم الجبال وقد تقدما قريبا دون هذه الزيادة فرواها الإمام محمد بن نصر فى كتاب تعظيم قدر الصلاة من حديث معاذ بن جبل بإسناد فيه لين لو عرفتم الله حق معرفته لمشيتم على البحور ولزالت بدعائكم الجبال ورواه البيهقى فى الزهد من رواية وهيب المكى مرسلا دون قوله لمشيتم على البحور وقال هذا منقطع // وقال عيسى عليه السلام انظروا إلى الطير لا تزرع ولا تحصد ولا تدخر والله تعالى يرزقها يوما بيوم فإن قلتم نحن أكبر بطونا فانظروا إلى الأنعام كيف قيض الله تعالى لها هذا الحق للرزق وقال أبو يعقوب السوسى المتوكلون تجرى أرزاقهم على أيدى العباد بلا تعب منهم وغيرهم مشغولون مكدودون وقال بعضهم العبيد كلهم فى رزق الله تعالى ولكن بعضهم يأكل بذل كالسؤال وبعضهم بتعب وانتظار كالتجار وبعضهم بامتهان كالصناع وبعضهم بعز كالصوفية يشهدون العزيز فيأخذون رزقهم من يده ولا يرون الواسطة الدرجة الثالثة ملابسة الأسباب التى يتوهم إفضاؤها إلى المسببات من غير ثقة ظاهرة كالذى يستقصى فى التدبيرات الدقيقة فى تفصيل الاكتساب ووجوهه وذلك يخرج بالكلية عن درجات التوكل كلها وهو الذى فيه الناس كلهم أعنى من يكتسب بالحيل الدقيقة اكتسابا مباحا لمال مباح فأما أخذ الشبهة أو اكتساب بطريق فيه شبهة فذلك غاية الحرص على الدنيا والاتكال على الأسباب فلا يخفى أن ذلك يبطل التوكل وهذا مثل الأسباب التى نسبتها إلى جلب النافع مثل نسبة الرقية والطير والكي بالإضافة إلى إزالة الضار فإن النبي صلى الله عليه و سلم وصف المتوكلين بذلك ولم يصفهم بأنهم لا يكتسبون ولا يسكنون الأمصار ولا يأخذون من أحد شيئا بل وصفهم بأنهم يتعاطون هذه الأسباب وأمثال هذه الأسباب التى يوثق بها فى المسببات مما يكثر فلا يمكن إحصاؤها وقال سهل فى التوكل إنه ترك التدبير وقال إن الله خلق الخلق ولم يحجبهم عن نفسه وإنما حجابهم بتدبيرهم ولعله أراد به استنباط الأسباب البعيدة بالفكر فهى التى تحتاج إلى التدبير دون الأسباب الجلية فإذن قد ظهر أن الأسباب منقسمة إلى ما يخرج التعلق بها عن التوكل وإلى ما لا يخرج وأن الذى يخرج ينقسم إلى مقطوع به وإلى مظنون وأن المقطوع به لا يخرج عن التوكل عند وجود حال التوكل وعلمه وهو الاتكال على مسبب الأسباب فالتوكل فيها بالحال والعلم لا بالعمل وأما المظنونات

فالتوكل فيها بالحال والعلم والعمل جميعا والمتوكلون فى ملابسة هذه الأسباب على ثلاثة مقامات الأول مقام الخواص ونظرائه وهو الذى يدور فى البوادى بغير زاد ثقة بفضل الله تعالى عليه فى تقويته على الصبر أسبوعا وما فرقه أو تيسير حشيش له أو قوت أو تثبيته على الرضا بالموت إن لم يتيسر شىء من ذلك فإن الذى يحمل الزاد قد يفقد الزاد أو يضل بعيره ويموت جوعا فذلك ممكن مع الزاد كما أنه يمكن مع فقده المقام الثانى أن يقعد فى بيته أو فى مسجد ولكنه فى القرى والأمصار وهذا أضعف من الأول لكنه أيضا متوكل لأنه تارك للكسب والأسباب الظاهرة معول على فضل الله تعالى فى تدبير أمره من جهة الأسباب الخفية ولكنه بالقعود فى الأمصار متعرض لأسباب الرزق فإن ذلك من الأسباب الجاية إلا أن ذلك لا يبطل توكله إذا كان نظره إلى الذى يسخر له سكان البلد لإيصال رزقه إليه لا إلى سكان البلد إذ يتصور أن يغفل جميعهم عنه ويضيعوه لولا فضل الله تعالى بتعريفهم وتحريك دواعيهم المقام الثالث أن يخرج ويكتسب اكتسابا على الوجه الذى ذكرناه فى الباب الثالث والرابع من كتاب آداب الكسب وهذا السعى لا يخرجه أيضا عن مقامات التوكل إذا لم يكن طمأنينة نفسه إلى كفايته وقوته وجاهه وبضاعته فإن ذلك ربما يهلكه الله تعالى جميعه فى لحظة بل يكون نظره إلى الكفيل الحق بحفظ جميع ذلك وتيسير أسبابه له بل يرى كسبه وبضاعته وكفايته بالإضافة إلى قدرة الله تعالى كما يرى القلم فى يد الملك الموقع فلا يكون نظره إلى القلم بل إلى قلب الملك أنه بماذا يتحرك وإلى ماذا يميل وبم يحكم ثم إن كان هذا المكتسب مكتسبا لعياله أو ليفرق على المساكين فهو ببدنه مكتسب وبقلبه عنه منقطع فحال هذا أشرف من حال القاعد فى بيته والدليل على أن الكسب لا ينافى حال التوكل إذا روعيت فيه الشروط وانضاف إليه الحال والمعرفة كما سبق أن الصديق رضى الله عنه لما بويع بالخلافة أصبح آخذا الأثواب تحت حضنه والذراع بيده ودخل السوق ينادى حتى كرهه المسلمون وقالوا كيف تفعل ذلك وقد أقمت لخلافة النبوة فقال لا تشغلونى عن عيالى فإنى إن أضعتهم كنت لما سواهم أضيع حتى فرضوا له قوت أهلبيت من المسلمين فلما رضوا بذلك رأى مساعدتهم وتطييب قلوبهم واستغراق الوقت بمصالح المسلمين أولى ويستحيل أن يقال لم يكن الصديق فى مقام التوكل فمن أولى بهذا المقام منه فدل على أنه كان متوكلا لا باعتبار ترك الكسب والسعى بل باعتبار قطع الالتفات إلى قوته وكفايته والعلم بأن الله هو ميسر الاكتساب ومدبر الأسباب وبشروط كان يراعيها فى طريق الكسب من الاكتفاء بقدر الحاجة من غير استكثار وتفاخر وادخار ومن غير أن يكون درهمه أحب إليه من درهم غيره فمن دخل السوق ودرهمه أحب إليه من درهم غيره فهو حريص على الدنيا ومحب لها ولا يصح التوكل إلا مع الزهد فى الدنيا نعم يصح الزهد دون التوكل فإن التوكل مقام وراء الزهد وقال أبو جعفر الحداد وهو شيخ الجنيد رحمة الله عليها وكان من المتوكلين أخفيت التوكل عشرين سنة وما فارقت السوق كنت أكتسب فى كل يوم دينارا ولا أبيت منه دانقا ولا أستريح منه إلى قيراط أدخل به الحمام بل أخرجه كله قبل الليل وكان الجنيد لا يتكلم فى التوكل بحضرته وكان يقول أستحى أن أتكلم فى مقامه وهو حاضر عندى واعلم أن الجلوس فى رباطات الصوفية مع معلوم بعيد من التوكل فإن لم يكن معلوم ووقف وأمروا الخادم بالخروج للطلب لم يصح معه التوكل إلا على ضعف ولكن يقوى بالحال والعلم كتوكل المكتسب وإن لم يسألوا بل قنعوا بما يحمل

إليهم فهذا أقوى فى توكلهم لكنه بعد اشتهار القوم بذلك فقد صار لهم سوقا فهو كدخول السوق ولا يكون داخل السوق متوكلا إلا بشروط كثيرة كما سبق
فإن قلت فما الأفضل أن يقعد فى بيته أو يخرج ويكتسب فاعلم أنه إن كان يتفرغ بترك الكسب لفكر وذكر وإخلاص واستغراق وقت بالعبادة وكان الكسب يشوش عليه ذلك وهو مع هذا لا تستشرف نفسه إلى الناس فى انتظار من يدخل عليه فيحمل إليه شيئا بل يكون قوى القلب فى الصبر والاتكال على الله تعالى فالمقصود له أولى وإن كان يضطرب قلبه فى البيت ويستشرف إلى الناس فالكسب أولى لأن استشراف القلب إلى الناس سؤال بالقلب وتركه أهم من ترك الكسب وما كان المتوكلون يأخذون ما تستشرف إليه نفوسهم كان أحمد بن حنبل قد أمر ابا بكر المروزى أن يعطى بعض الفقراء شيئا فضلا عما كان استأجره عليه فرده فلما ولى قال له أحمد الحقه وأعطه فإنه يقبل فلحقه وأعطاه فأخذه فسأل أحمد عن ذلك فقال كان قد استشرفت نفسه فرد فلما خرج انقطع طمعه وأيس فأخذه وكان الخواص رحمه الله إذا نظر إلى عبد فى العطاء أو خاف اعتياد النفس لذلك لم يقبل منه شيئا
وقال الخواص بعد أن سئل عن أعجب ما رآه فى أسفاره رأيت الخضر ورضى بصحبتى ولكنى فارقته خيفة أن تسكن نفسى إليه فيكون نقصا فى توكلى فإذن المكتسب إذا راعى آداب الكسب وشروط نيته كما سبق فى كتاب الكسب وهو أن لا يقصد به الاستكثار ولم يكن اعتماده على بضاعته وكفايته كان متوكلا
فإن قلت فما علامة عدم اتكاله على البضاعة والكفاية فأقول علامته أنه إن سرقت بضاعته أو خسرت تجارته أو تعوق أمر من أموره كان راضيا به ولم تبطل طمأنينته ولم يضطرب قلبه بل كان حال قلبه فى السكون قبله وبعده واحدا فإن من لم يسكن إلى شىء لم يضطرب لفقده ومن اضطرب لفقد شىء فقد سكن إليه وكان بشر يعمل المغازل فتركها وذلك لأن البعادى كاتبه قال بلغنى أنك استعنت على رزقك بالمغازل أرأيت إن أخذ الله سمعك وبصرك الرزق على من فوقع ذلك فى قلبه فأخرج آلة المغازل من يده وتركها وقيل تركها لما نوهت باسمه وقصد لأجلها وقيل فعل ذلك لما مات عياله كما كان لسفيان خمسون دينارا يتجر فيها فلما مات عياله فرقها
فإن قلت فكيف يتصور أن يكون له بضاعة ولا يسكن إليها وهو يعلم أن الكسب بغير بضاعة لا يمكن فأقول بأن يعلم أن الذين يرزقهم الله تعالى بغير بضاعة فيهم كثرة وأن الذين كثرت بضاعتهم فسرقت وهلكت فيهم كثرة وأن يوطن نفسه على أن الله لا يفعل به إلا ما فيه صلاحه فإن أهلك بضاعته فهو خير له فلعله لو تركه كان سببا لفساد دينه وقد لطف الله تعالى به وغايته أن يموت جوعا فينبغى أن يعتقد أن الموت جوعا خير له فى الآخرة مهما قضى الله تعالى عليه بذلك من غير تقصير من جهته فإذا اعتقد جميع ذلك استوى عنده وجود البضاعة وعدمها ففى الخبر إن العبد ليهم من الليل بأمر من أمور التجارة مما لو فعله لكان فيه هلاكه فينظر الله تعالى إليه من فوق عرشه فيصرفه عنه فيصبح كئيبا حزينا يتطير بجاره وابن عمه من سبقنى من دهانى وما هى إلا رحمة رحمه الله بها // حديث إن العبد ليهم من الليل بأمر من أمور التجارة مما لو فعله لكان فيه هلاكه فينظر الله إليه من فوق عرشه فيصرفه عنه الحديث أخرجه أبو نعيم فى الحلية من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف جدا نحوه إلا أنه قال إن العبد ليشرف على حاجة من حاجات الدنيا الحديث بنحوه // ولذلك قال عمر رضى الله عنه لا أبالى أصبحت غنيا أو فقيرا فإنى قلبه فأخرج آلة المغازلة من يده وتركها وقيل تركها لما نوهت باسمه وقصد لأجلها وقيل فعل ذلك لما مات عياله كما كان لسقيان خمسون دينارا يتجر فيها فلما مات عياله فرقها
فإن قلت فكيف يتصور أن يكون له بضاعة ولا يسكن غليها وهو يعلم أن الكسب بغير بضاعة لا يمكن فأقول بأن يعلم أن الذين يرزقهم الله تعالى بغير بضاعة فيهم كثرة وأن الذين كثرت بضاعتهم فسرقت وهلكت فيهم كثرة وأن يوطن نفسه على أن الله لا يفعل به إلا ما فيه صلاحه فإن أهلك بضاعته فهو خير له فلعله لو تركه كان سببا لفساد دينه وقد لطف الله تعالى به وغايته أن يموت جوعا فينبغى أن يعتقد أن الموت جوعا خير له فى الآخرة مهما قضى الله تعالى عليه بذلك من غير تقصير من جهته فإذا اعتقد جميع ذلك استوى عنده وجود البضاعة وعدمها ففى الخبر إن العبد ليهم من الليل بأمر من أمور التجارة مما لو فعله لكان فيه هلاكه فينظر الله تعالى إليه من فوق عرشه فيصرفه عنه فيصبح كثيبا حزينا بجاره وابن عمه من سبقنى من دهانى وما هى إلا رحمة رحمه الله بها // حديث غن العبد ليهم من الليل بأمر من أمور التجارة مما لو فعله لكان فيه هلاكه فينظر الله إليه من فوق عرشه فيصرفه عنه الحديث أخرجه ابو نعيم فى الحلية من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف جدا نحوه إلا أنه قال إن العبد ليشرف على حاجة من حاجات الدنيا الحديث بنحوه // ولذلك قال عمر رضى الله عنه لا أبالى أصبحت غنيا أو فقيرا فإنى

لا أدرى أيهما خير لى ومن لم يتكامل يقينه بهذه الأمور لم يتصور منه التوكل ولذلك قال أبو سليمان الدارانى لأحمد بن أبى الحوارى لى من كل مقام نصيب إلا من هذا التوكل المبارك فإنى ما شممت منه رائحة هذا كلامه مع علو قدره ولم ينكر كونه من المقامات الممكنة ولكنه قال ما أدركته ولعله أراد إدراك أقصاه وما لم يكمل الإيمان بأن لا فاعل إلا الله ولا رازق سواه وأن كل ما يقدره على العبد من فقر وغنى وموت وحياة فهو خير له مما يتمناه العبد لم يكمل حال التوكل فبناء التوكل على قوة الإيمان بهذه الأمور كما سبق وكذا سائر مقامات الدين من الأقوال والأعمال تنبنى على أصولها من الإيمان وبالجملة التوكل مقام مفهوم ولكن يستدعى قوة القلب وقوة اليقين ولذلك قال سهل من طعن على التكسب فقد طعن على السنة ومن طعن على ترك التكسب فقد طعن على التوحيد
فإن قلت فهل من دواء ينتفع به فى صرف القلب عن الركون إلى الأسباب الظاهرة وحسن الظن بالله تعالى فى تيسير الأسباب الخفية فأقول نعم هو أن تعرف أن سوء الظن تلقين الشيطان وحسن الظن تلقين الله تعالى قال الله تعالى الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا فإن الإنسان بطبعه مشغوف بسماع تخويف الشيطان ولذلك قيل الشفيق بسوء الظن مولع وإذا انضم إليه الجبن وضعف القلب ومشاهدة المتكلين على الأسباب الظاهرة والباعثين عليها غلب سوء الظن وبطل التوكل بالكلية بل رؤية الرزق من الأسباب الخفية أيضا تبطل التوكل فقد حكى عن عابد أنه عكف فى مسجد ولم يكن له معلوم فقال له الإمام لو اكتسبت لكان أفضل لك فلم يجبه حتى أعاد عليه ثلاثا فقال فى الرابعة يهودى فى جوار المسجد قد ضمن لى كل يوم رغيفين فقال إن كان صادقا فى ضمانه فعكوفك فى المسجد خير لك فقال يا هذا لو لم تكن إماما تقف بين يدى الله وبين العباد مع هذا النقص فى التوحيد كان خيرا لك إذ فضلت وعد يهودى على ضمان الله تعالى بالرزق وقال إمام المسجد لبعض المصلين من أين تأكل فقال يا شيخ اصبر حتى أعيد الصلاة التى صليتها خلفك ثم أجيبك
وينفع حسن الظن بمجىء الرزق من فضل الله تعالى بواسطة الأسباب الخفية أن تسمع الحكايات التى فيها عجائب صنع الله تعالى فى وصول الرزق إلى صاحبه وفيها عجائب قهر الله تعالى فى إهلاك أموال التجار والأغنياء وقتلهم جوعا كما روى عن حذيفة المرعشى وقد كان خدم إبراهيم بن أدهم فقيل له ما أعجب ما رأيت منه فقال بقينا فى طريق مكةأياما لم نجد طعاما ثم دخلنا الكوفة فأوينا إلى مسجد خراب فنظر إلى إبراهيم وقال يا حذيفة أرى بك الجوع فقلت هو ما رأى الشيخ فقال علي بدواة وقرطاس فجئت به إليه فكتب بسم الله الرحمن الرحيم أنت المقصود إليه بكل حال والمشار إليه بكل معنى وكتب شعرا
أنا حامد أنا شاكر أنا ذاكر ... أنا جائع أنا ضائع أنا عارى
هى ستة وأنا الضمين لنصفها ... فكن الضمين لنصفها يا بارى
مدحى لغيرك لهب نار خضتها ... فأجر عبيدك من دخول النار
ثم دفع إلى الرقعة فقال اخرج ولا تعلق قلبك بغير الله تعالى وادفع الرقعة إلى أول من يلقاك فخرجت فأول من لقينى كان رجلا على بغلة فناولته الرقعة فأخذها فلما وقف عليها بكى وقال ما فعل صاحب هذه الرقعة فقلت هو فى المسجد الفلانى فدفع إلي صرة فيها ستمائة دينار ثم لقيت رجلا آخر فسألته عن راكب البغلة

فقال هذا نصراني فجئت إلى إبراهيم وأخبرته بالقصة فقال لا تمسها فإنه يجيىء الساعة فلما كان بعد ساعة دخل النصراني وأكب على رأس إبراهيم يقبله وأسلم
وقال أبو يعقوب الأقطع البصرى جعت مرة بالحرم عشرة أيام فوجدت ضعفا فحدثتني نفسى بالخروج فخرجت إلى الوادى لعلي أجد شيئا يسكن ضعفي فرأيت سلجمة مطروحة فأخذتها فوجدت في قلبي منها وحشة وكأن قائلا يقول لي جعت عشرة أيام وآخره يكون حظك سلجمة متغيرة فرميت بها ودخلت المسجد وقعدت فإذا أنا برجل أعجمي قد أقبل حتى جلس بين يدي ووضع قمطرة وقال هذه لك فقلت كيف خصصتني بها قال إعلم أنا كنا في البحر منذ عشرة أيام وأشرفت السفينة على الغرق فنذرت إن خلصني الله تعالى أن أتصدق بهذه على على أول من يقع عليه بصرى من المجاورين وأنت أول من لقيته فقلت افتحها ففتحتها فإذا فيها سميد مصري ولوز مقشور وسكر كعاب فقبضت قبضة من ذا وقبضة من ذا وقلت رد الباقى إلى أصحابك هدية مني إليكم وقد قبلتها ثم قلت في نفسى رزقك يسير إليك من عشرة أيام وأنت تطلبه من الوادي
وقال ممشاد الدينورى كان على دين فاشتغل قلبى بسببه فرأيت في النوم كأن قائلا يقول يا بخيل أخذت علينا هذا المقدار من الدين خذ عليك الأخذ وعلينا العطاء فما حاسبت بعد ذلك بقالا ولا قصابا ولا غيرهما
وحكى عن بنان الحمال قال كنت في طريق مكة أجيء من مصر ومعى زاد فجاءتني امرأة وقالت لي يابنات أنت حمال تحمل على ظهرك الزاد وتتوهم أنه لا يرزقك قال فرميت بزادي ثم أتى على ثلاث لم آكل فوجدت خلخالا في الطريق فقلت في نفسى أحمله حتى يجئ صاحبه فربما يعطيني شيئا فأرده عليه فإذا أنا بتلك المرأة فقالت لى أنت تاجر تقول عسى يجيئ صاحبه فآخذ منه شيئا ثم رمت لي شيئا من الدراهم وقالت أنفقها فاكتفيت بها إلى قريب مكة
وحكى أن بنانا احتاج إلى جارية تخدمه فانبسط إلى إخوانه فجمعوا له ثمنها وقالوا هو ذا يجيئ النفير فنشترى ما يوافق فلما ورد النفير اجتمع رأيهم على واحدة وقالوا إنها تصلح له فقالوا لصاحبها بكم هذه فقال إنها ليست للبيع فألحوا عليه فقال إنها لبنان الحمال أهدتها إليه امرأة من سمرقند فحملت إلى بنان وذكرت له القصة
وقيل كان في الزمان الأول رجل في سفر ومعه قرص فقال إن أكلته مت فركل الله عز و جل به ملكا وقال إن أكله فارزقه وأن لم يأكله فلا تعطه غيره فلم يزل القرص معه إلى أن مات ولم يأكله وبقى القرص عنده
وقال أبو سعيد الخراز دخلت البادية بغير زاد فأصابتني فاقة فرأيت المرحلة من بعيد فسررت بأن وصلت ثم فكرت في نفسى أني سكنت واتكلت على غيره وآليت أن لا أدخل المرحلة إلا أن أحمل إليها فحفرت لنفسى في الرمل حفرة واريت جسدي فيها إلى صدرى فسمعت صوتا في نصف الليل عاليا يا أهل المرحلة إن لله تعالى وليا حبس نفسه في هذا الرمل فألحقوه فجاء جماعة فأخرجوني وحملوني إلى القرية
وروى أن رجلا لازم باب عمر رضي الله عنه فإذا هو بقائل يقول يا هذا هاجرت إلى عمر أو إلى الله تعالى اذهب فتعلم القرآن فإنه سيغنيك عن باب عمر فذهب الرجل وغاب حتى افتقده عمر فإذا هو قد اعتزل واشتغل بالعبادة فجاءه عمر فقال له إنى قد اشتقت إليك فما الذى شغلك عنى فقال إنى قرأت القرآن فأغناني

عن عمر وآل عمر فقال عمر
رحمك الله فماالذي وجدت فيه فقال وجدت فيه وفي السماء رزقكم وما توعدون فقلت رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض فبكى عمر وقال صدقت فكان عمر بعد ذلك يأتيه ويجلس إليه
وقال أبو حمزة الخراساني حججت سنة من السنين فبينا أنا أمشى في الطريق إذ وقعت في بئر فنازعتني نفسى أن أستغيث فقلت لا والله لا أستغيث فما استتممت هذا الخاطر حتى مر برأس البئر رجلان فقال أحدهما للآخر تعالى حتى نسد رأس هذا البئر لئلا يقع فيه أحد فأتوا بقصب وبارية وطموا رأس البئر فهممت أن أصيح فقلت في نفسى إلى من أصيح هو أقرب منهما وسكنت فبينا أنا بعد ساعة إذ أنا بشيء جاء وكشف عن رأس البئر وأدلى رجله وكأنه يقول تعلق بي في همهمة له كنت أعرف ذلك فتعلقت به فأخرجني فإذا هو سبع فمر وهتف بي هاتف يا أبا حمزة أليس هذا أحسن نجيناك من التلف بالتلف فمشيت وأنا أقول
نهانى حيائى منك أن أكشف الهوى ... وأغنيتني بالفهم منك عن الكشف
تلطفت في أمرى فأبديت شاهدى ... إلى غائبي واللطف يدرك باللطف
تراءيت لى بالغيب حتى كأنما ... تبشرنى بالغيب أنك في الكف
أراك وبي من هيبتي لك وحشة ... فتؤنسني باللطف منك وبالعطف
وتحيى محبا أنت في الحب حتفه ... وذا عجب كون الحياة مع الحتف
وأمثال هذه الوقائع مما يكثر وإذا قوى الإيمان به وانضم إليه القدرة على الجوع قدر أسبوع من غير ضيق صدر وقوى الإيمان بأنه إن لم يسق إليه رزقه في أسبوع فالموت خير له عند الله عز و جل ولذلك حبسه عنه تم التوكل بهذه الأحوال والمشاهدات وإلا فلا يتم أصلا
بيان توكل المعيل
إعلم أن من له عيال فحكمه يفارق المنفرد لأن المنفرد لا يصح توكله إلا بأمرين أحدهما قدرته على الجوع أسبوعا من غير استشراف وضيق نفس والآخر أبواب من الإيمان ذكرناها من جملتها أن يطيب نفسا بالموت إن لم يأته رزقه علما بأن رزقه الموت والجوع وهو إن كان نقصا في الدنيا فهو زيادة في الآخرة فيرى أنه سيق إليه خير الرزقين له وهو رزق الآخرة وأن هذا هو المرض الذي به يموت ويكون راضيا بذلك وأنه كذا قضي وقدر له فبهذا يتم التوكل المنفرد ولا يجوز تكليف العيال الصبر على الجوع ولا يمكن أن يقرر عندهم الإيمان بالتوحيد وأن الموت على الجوع رزق مغبوط عليه في نفسه إن اتفق ذلك نادرا وكذا سائر أبواب الإيمان فإذن لا يمكنه في حقهم إلا توكل المكتسب وهو المقام الثالث كتوكل أبي بكر الصديق رضى الله عنه إذ خرج للكسب فأما دخول البوادى وترك العيال توكلا في حقهم أو القعود عن الاهتمام بأمرهم توكلا في حقهم فهذا حرام وقد يفضى إلى هلاكهم ويكون هو مؤاخذا بهم بل التحقيق أنه لا فرق بينه وبين عياله فإنه إن ساعده العيال على الصبر على الجوع مدة وعلى الاعتداد بالموت على الجوع رزقا وغنيمة في الآخرة فله أن يتوكل في حقهم ونفسه أيضا عيال عنده ولا يجوز له أن يضيعها إلا أن تساعده على الصبر على الجوع مدة فإن كان لا يطيقه ويضطرب عليه قلبه وتتشوش عليه عبادته لم يجز له التوكل ولذلك روى أن أبا تراب النخشبي نظر إلى صوفى مد يده إلى قشر بطيخ ليأكله بعد ثلاثة أيام فقال له لا يصلح لك التصوف إلزم السوق أى لا تصوف إلا مع التوكل

ولا يصح التوكل إلا لمن يصبر عن الطعام أكثر من ثلاثة أيام وقال أبو علي الروذباري إذا قال الفقير بعد خمسة أيام أنا جائع فألزموه السوق ومروه بالعمل والكسب فإن بدنه عياله وتوكله فيما يضر ببدنه كتوكله في عياله وإنما يفارقهم في شيءواحد وهو أن له تكليف نفسه الصبر على الجوع وليس له ذلك في عياله وقد انكشف لك من هذا أن التوكل ليس انقطاعا عن الأسباب بل الاعتماد على الصبر على الجوع مدة والرضا بالموت إن تأخر الرزق نادرا وملازمة البلاد والأمصار أو ملازمة البوادى التي لا تخلو عن حشيش وما يجرى مجراه فهذه كلها أسباب البقاء ولكن مع نوع من الأذى إذ لا يمكن الاستمرار عليه إلا بالصبر والتوكل في الأمصار أقرب إلى الأسباب من التوكل في البوادي وكل ذلك ذلك من الأسباب إلا أن الناس عدلوا إلى أسباب أظهر منها فلم يعدوا تلك أسبابا وذلك لضعف إيمانهم وشدة حرصهم وقلة صبرهم على الأذى في الدنيا لأجل الآخرة واستيلاء الجبن على قلوبهم بإساءة الظن وطول الأمل ومن نظر في ملكوت السموات والأرض انكشف له تحقيقا أن الله تعالى دبر الملك والملكوت تدبيرا لا يجاوز العبد رزقه وأن ترك الاضطراب فإن العاجز عن الاضطراب لم يجاوزه رزقه أما ترى الجنين في بطن أمه لما أن كان عاجزا عن الاضطراب كيف وصل سرته بالأم حتى تنتهى إليه فضلات غذاء الأم بواسطة السرة ولم يكن ذلك بحيلة الجنين ثم لما انفصل سلط الحب والشفقة على الأم لتتكفل به شاءت أم أبت اضطرارا من الله تعالى إليه بما أشعل في قلبها من نار الحب ثم لما لم يكن له سن يمضغ به الطعام جعل رزقه من اللبن الذى لا يحتاج إلى المضغ ولأنه لرخاوة مزاجه كان لا يحتمل الغذاء الكثيف فأدر له اللبن اللطيف في ثدى الأم عند انفصاله على حسب حاجته أفكان هذا بحيلة الطفل أو بحيلة الأم إذا صار بحيث يوافقه الغذاء الكثيف أنبت له أسنانا قواطع وطواحين لأجل المضغ فإذا كبر واستقل يسر له أسباب التعلم وسلوك سبيل الآخرة فجنبه بعد البلوغ جهل محض لأنه ما نقصت أسباب معيشته ببلوغه بل زادت فإنه لم يكن قادرا على الاكتساب فالآن قد قدر فزادت قدرته نعم كان المشفق عليه شخصا واحدا وهي الأم أو الأب وكانت شفقته مفرطة جدا فكان يطعمه ويسقيه في اليوم مرتين وكان إطعامه بتسليط الله تعالى الحب والشفقة على قلبه فكذلك قد سلط الله الشفقة والمودة والرحمة والرقة على قلوب المسلمين بل أهل البلد كافة حتى إن كل واحد منهم إذا أحس بمحتاج تألم قلبه ورق عليه وانبعثت له داعية إلى إزالة حاجته فقد كان المشفق عليه واحدا والآن المشفق عليه ألف وزيادة وقد كانوا لا يشفقون عليه لأنهم رأوه في كفالة الأم والأب وهو مشفق خاص فما رأوه محتاجا ولو رأوه يتيما لسلط الله داعية الرحمة على واحد من المسلمين أو على جماعة حتى يأخذونه ويكفلونه فما رؤى إلى الآن في سنى الخصب يتيم قد مات جوعا مع أنه عاجز عن الاضطراب وليس له كافل خاص والله تعالى كافله بواسطة الشفقة التي خلقها في قلوب عباده فلماذا ينبغى أن يشتغل قلبه برزقه بعد البلوغ ولم يشتغل في الصبا وقد كان المشفق واحدا والمشفق الآن ألف نعم كانت شفقة الأم أقوى وأحظى ولكنها واحدة وشفقة آحاد الناس وإن ضعفت فيخرج من مجموعها ما يفيد الغرض فكم من يتيم قد يسر الله تعالى له حالا هو أحسن من حال من له أب وأم فينجبر ضعف شفقة الآحاد بكثرة المشفقين وبترك التنعم والاقتصار على قدر الضرورة ولقد أحسن الشاعر حيث يقول
جرى قلم القضاء بما يكون ... فسيان التحرك والسكون
جنون منك أن تسعى لرزق ... ويرزق في غشاوته الجنين

فإن قلت الناس يكفلون اليتيم لأنهم يرونه عاجزا بصباه وأما هذا فبالغ قادر على الكسب فلا يلتفتون إليه ويقولون هو مثلنا فليجتهد لنفسه فأقول إن كان هذا القادر بطالا فقد صدقوا فعليه الكسب ولا معنى للتوكل في حقه فإن التوكل من مقامات الدين يستعان به على التفرغ لله تعالى فما للبطال والتوكل وإن كان مشتغلا بالله ملازما لمسجد أو بيت وهو مواظب على العلم والعبادة فالناس لا يلومونه في ترك الكسب ولا يكلفونه ذلك بل اشتغاله بالله تعالى يقرر حبه في قلوب الناس حتى يحملون إليه فوق كفايته وإنما عليه أن لا يغلق الباب ولا يهرب إلى جبل من بين الناس وما رؤى إلى الآن عالم أو عابد استغرق الأوقات بالله تعالى وهو في الأمصار فمات جوعا ولا يرى قط بل لو أراد أن يطعم جماعة من الناس بقوله لقدر عليه فإن من كان لله تعالى كان الله عز و جل له ومن اشتغل بالله عز و جل ألقى الله حبه في قلوب الناس وسخر له القلوب كما سخر قلب الأم لولدها فقد دبر الله تعالى الملك والملكوت تدبيرا كافيا لأهل الملك والملكوت
فمن شاهد هذا التدبير وثق بالمدبر واشتغل به وآمن ونظر إلى مدبر الأسباب لا إلى الأسباب نعم ما دبره تدبيرا يصل إلى المشتغل به الحلو والطيور السمان والثياب الرقيقة والخيول النفيسة على الدوام لا محالة وقد يقع ذلك أيضا في بعض الأحوال لكن دبره تدبيرا يصل إلى كل مشتغل بعبادة الله تعالى في كل أسبوع قرص شعير أو حشيش يتناوله لا محالة والغالب أنه يصل أكثر منه بل يصل ما يزيد على قدر الحاجة والكفاية فلا سبب لترك التوكل إلا رغبة النفس في التنعم على الدوام ولبس الثياب الناعمة وتناول الأغذية اللطيفة وليس ذلك من طريق الآخرة وذلك قد لا يحصل بغير اضطراب وهو في الغالب أيضا ليس يحصل مع الاضطراب وإنما يحصل نادرا وفي النادر أيضا قد يحصل بغير اضطراب فأثر الاضطراب ضعف عند من انفتحت بصيرته فلذلك لا يطمئن إلى اضطرابه بل إلى مدبر الملك والملكوت تدبيرا لا يجاوز عبدا من عباده رزقه وإن سكن إلا نادرا ندورا عظيما يتصور مثله في حق المضطرب فإذا انكشفت هذه الأمور وكان معه قوه في القلب وشجاعة في النفس أثمر ما قاله الحسن البصري رحمه الله إذ قال وددت أن أهل البصرة في عيالي وأن حبة بدينار
وقال وهيب بن الورد لو كانت السماء نحاسا والأرض رصاصا واهتممت برزقي لظننت أنى مشرك
فإذا فهمت هذه الأمور فهمت أن التوكل مقام مفهوم في نفسه ويمكن الوصول إليه لمن قهر نفسه وعلمت أن من أنكر أصل التوكل وإمكانه أنكره عن جهل فإياك أن تجمع بين الإفلاسين الإفلاس عن وجود المقام ذوقا والإفلاس عن الإيمان به علما فإذن عليك بالقناعة بالنزر القليل والرضا بالقوت فإنه يأتيك لا محالة وإن فررت منه وعند ذلك على الله أن يبعث إليك رزقك على يدى من لا تحتسب فإن اشتغلت بالتقوى والتوكل شاهدت بالتجربة مصداق قوله تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب الآية إلا أنه لم يتكفل له أن يرزقه لحم الطير ولذائذ الأطعمة فما ضمن إلا الرزق الذي تدوم به حياته وهذا المضمون مبذول لكل من اشتغل بالضامن واطمأن إلى ضمانه فإن الذي أحاط به تدبير الله من الأسباب الخفية للرزق أعظم مما ظهر للخلق بل مداخل الرزق لا تحصى ومجاريه لا يهتدى إليها وذلك لأن ظهوره على الأرض وسببه في السماء
قال الله تعالى وفي السماء رزقكم وما توعدون وأسرار السماء لا يطلع عليها ولهذا دخل جماعة على الجنيد فقال ماذا تطلبون قالوا نطلب الرزق فقال إن علمتم في أي موضع هو فاطلبوه
قالوا نسأل الله
قال إن علمتم أنه ينساكم فذكروه فقالوا ندخل البيت ونتوكل وننظر ما يكون
فقال التوكل على التجربة شك قالوا فما الحيلة قال ترك الحيلة
وقال أحمد بن عيسى

الخراز كنت في البادية فنالنى جوع شديد فغلبتني نفسي أن أسأل الله تعالى طعاما فقلت ليس هذا من أفعال المتوكلين فطالبتنى أن أسأل الله صبرا فلما هممت بذلك سمعت هاتفا يهتف بي ويقول
ويزعم أنه منا قريب ... وأنا لا نضيع من أتانا
ويسألنا على الإقتار جهدا ... كأنا لا نراه ولا يرانا
فقد فهمت أن من انكسرت نفسه وقوى قلبه ولم يضعف بالجبن باطنه وقوى إيمانه بتدبير الله تعالى كان مطمئن النفس أبدا واثقا بالله عز و جل فإن أسوأ حاله أن يموت ولا بد أن يأتيه الموت كما يأتى من ليس مطمئنا فإذن تمام التوكل بقناعة من جانب ووفاء بالمضمون من جانب والذي ضمن رزق القانعين بهذه الأسباب التي دبرها صادق فاقنع وجرب تشاهد صدق الوعد تحقيقا بما يرد عليك من الأرزاق العجيبة التي لم تكن في ظنك وحسابك ولا تكن في توكلك منتظرا للأسباب بل لمسبب الأسباب كما لا تكون منتظرا لقلم الكاتب بل لقلب الكاتب فإنه أصل حركة القلم والمحرك الأول واحد فلا ينبغي أن يكون النظر إلا إليه وهذا شرط توكل من يخوض البوادى بلا زاد أو يقعد في الأمصار وهو خامل
وأما الذي له ذكر بالعبادة والعلم فإذا قنع في اليوم والليلة بالطعام مرة واحدة كيف كان وإن لم يكن من اللذائذ وثوب خشن يليق بأهل الدين فهذا يأتيه من حيث يحتسب ولا يحتسب على الدوام بل يأتيه أضعافه فتركه التوكل واهتمامه بالرزق غاية الضعف والقصور فإن اشتهاره بسبب ظاهر يجلب الرزق إليه أقوى من دخول الأمصار في حق الخامل مع الاكتساب فالاهتمام بالرزق قبيح بذوى الدين وهو بالعلماء أقبح لأن شرطهم القناعة والعالم القانع يأتيه رزقه ورزق جماعة كثيرة إن كانوا معه إلا إذا أراد أن لا يأخذ من أيدى الناس ويأكل من كسبه فذلك له وجه لائق بالعالم العامل الذي سلوكه بظاهر العلم والعمل ولم يكن له سير بالباطن فإن الكسب يمنع عن السير بالفكر الباطن فاشتغاله بالسلوك مع الأخذ من يد من يتقرب إلى الله تعالى بما يعطيه أولى لأنه تفرغ لله عز و جل وإعانة للمعطى على نيل الثواب ومن نظر إلى مجارى سنة الله تعالى علم أن الرزق ليس على قدر الأسباب ولذلك سأل بعض الأكاسرة حكيما عن الأحمق المرزوق والعاقل المحروم فقال أراد الصالح أن يدل على نفسه إذ لو رزق كل عاقل وحرم كل أحمق لظن أن العقل رزق صاحبه فلما رأوا خلافة علموا أن الرازق غيرهم ولا ثقة بالأسباب الظاهرة لهم قال الشاعر
ولو كانت الأرزاق تجري على الحجا ... هلكن إذن من جهلهن البهائم
بيان أحوال المتوكلين في التعلق بالأسباب بضرب مثال
أعلم أن مثال الخلق مع الله تعالى مثل طائفة من السؤال وقفوا في ميدان على باب قصر الملك وهم محتاجون إلى الطعام فأخرج إليهم غلمانا كثيرة ومعهم أرغفة من الخبز وأمرهم أن يعطوا بعضهم رغيفين رغيفين وبعضهم رغيفا رغيفا ويجتهدوا في أن لا يغفلوا عن واحد منهم وأمر مناديا حتى نادى فيهم أن اسكنوا ولا تتعلقوا بغلماني إذا خرجوا إليكم بل ينبغى أن يطمئن كل واحد منكم في موضعه فإن الغلمان مسخرون وهم مأمورون بأن يوصلوا إليكم طعامكم فمن تعلق بالغلمان وآذاهم وأخذ رغيفين فإذا فتح باب الميدان وخرج اتبعته بغلام يكون موكلا به إلى أن أتقدم لعقوبته في ميعاد معلوم عندى ولكن أخفيه ومن لم يؤذ الغلمان وقنع برغيف واحد أتاه من يد الغلام وهو ساكن فإنى اختصه بخلعة سنية في الميعاد المذكور لعقوبة الآخر ومن ثبت في مكانه ولكنه أخذ رغيفين فلا عقوبة عليه ولا خلعة له ومن أخطأه غلماني فما أوصلوا إليه شيئا فبات الليلة جائعا غير متسخط للغلمان

ولا قائلا ليته أوصل إلى رغيفا فإنى غدا أستوزره وأفوض ملكي إليه فانقسم السؤال إلى أربعة أقسام قسم غلبت عليهم بطونهم فلم يلتفتوا إلى العقوبة الموعودة وقالوا من اليوم إلى غد فرج ونحن الآن جائعون فبادروا إلى الغلمان فآذوهم وأخذوا الرغيفين فسبقت العقوبة إليهم في الميعاد المذكور فندموا ولم ينفعهم الندم وقسم تركوا التعلق بالغلمان خوف العقوبة ولكن أخذوا رغيفين لغلبة الجوع فسلموا من العقوبة وما فازوا بالخلعة وقسم قالوا إنا نجلس بمرأى من الغلمان حتى لا يخطئونا ولكن نأخذ إذا أعطونا رغيفا واحدا ونقنع به فلعلنا نفوز بالخلعة ففازوا بالخلعة وقسم رابع اختفوا في زوايا الميدان وانحرفوا عن مرأى أعين الغلمان وقالوا إن اتبعونا وأعطونا قنعنا برغيف واحد وإن أخطأونا قاسينا شدة الجوع الليلة فلعلنا نقوى على ترك التسخط فننال رتبة الوزارة ودرجة القرب عند الملك فما نفعهم ذلك إذ اتبعهم الغلمان في كل زاوية وأعطوا كل واحد رغيفا واحدا وجرى مثل ذلك أياما حتى اتفق على الندور أن اختفى ثلاثة في زاوية ولم تقع عليهم أبصار الغلمان وشغلهم شغل صارف عن طول التفتيش فباتوا في جوع شديد فقال اثنان منهم ليتنا تعرضنا للغلمان وأخذنا طعامنا فلسنا نطيق الصبر وسكت الثالث إلى الصباح فنال درجة القرب والوزارة فهذا مثال الخلق والميدان هو الحياة في الدنيا وباب الميدان الموت والميعاد المجهول يوم القيامة والوعد بالوزارة هو الوعد بالشهادة للمتوكل إذا مات جائعا راضيا من غير تأخير ذلك إلى ميعاد القيامة لأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون والمتعلق بالغلمان هو المعتدي في الأسباب والغلمان المسخرون هم الأسباب والجالس في ظاهر الميدان بمرأى الغلمان هم المقيمون في الأمصار في الرباطات والمساجد على هيئة السكون والمختفون في الزوايا هم السائحون في البوادى على هيئة التوكل والأسباب تتبعهم والرزق يأتيهم إلا على سبيل الندور فإن مات واحد منهم جائعا راضيا فله الشهادة والقرب من الله تعالى وقد انقسم الخلق إلى هذه الأقسام الأربعة ولعل من كل مائة تعلق بالأسباب تسعون وأقام سبعة من العشرة الباقية في الأمصار متعرضين للسبب بمجرد حضورهم واشتهارهم وساح في البوادي ثلاثة وتسخط منهم اثنان وفاز بالقرب واحد ولعله كان كذلك في الأعصار السالفة وأما الآن فالتارك للأسباب لا ينتهي إلى واحد من عشرة آلاف
الفن الثاني في التعرض لأسباب الادخار فمن حصل له مال بإرث أو كسب أو سؤال أو سبب من الأسباب فله في الادخار ثلاثة أحوال الأولى أن يأخذ قدر حاجته في الوقت فيأكل إن كان جائعا ويلبس إن كان عاريا ويشترى مسكنا مختصرا إن كان محتاجا ويفرق الباقى في الحال ولا يأخذه ولا يدخره إلا بالقدر الذي يدرك به من يستحقه ويحتاج إليه فيدخره على هذه النية فهذا هو الوفي بموجب التوكل تحقيقا وهى الدرجة العليا الحالة الثانية المقابلة لهذه المخرجة له عن حدود التوكل أن يدخر لسنة فما فوقها فهذا ليس من المتوكلين أصلا وقد قيل لا يدخر من الحيوانات إلا ثلاثة الفأرة والنملة وابن آدم الحالة الثالثة أن يدخر لأربعين يوما فما دونها فهذا هل يوجب حرمانه من المقام المحمود الموعود في الآخرة للمتوكلين اختلفوا فيه فذهب سهل إلى أنه يخرج عن حد التوكل
وذهب الخواص إلى أنه لا يخرج بأربعين يوما ويخرج بما يزيد على الأربعين
وقال أبو طالب المكي لا يخرج عن حد التوكل بالزيادة على الأربعين أيضا وهذا اختلاف لا معنى له بعد تجويز أصل الادخار نعم يجوز أن يظن ظان أن أصل الادخار يناقض التوكل فأما التقدير بعد ذلك فلا مدرك له وكل ثواب موعود على رتبة فإنه يتوزع على تلك الرتبة وتلك الرتبة لها بداية

ونهاية ويسمي أصحاب النهايات السابقين وأصحاب البدايات أصحاب اليمين ثم أصحاب اليمين أيضا على درجات وكذلك السابقون وأعالى درجات أصحاب اليمين تلاصق أسافل درجات السابقين فلا معنى للتقدير في مثل هذا بل التحقيق أن التوكل بترك الادخار لا يتم إلا بقصر الأمل وأما عدم آمال البقاء فيبعد اشتراطه ولو في نفس فإن ذلك كالممتنع وجوده أما الناس فمتفاوتون في طول الأمل وقصره وأقل درجات الأمل يوم وليلة فما دونه من الساعات وأقصاه ما يتصور أن يكون عمر الإنسان وبينهما درجات لا حصر لها فمن لم يؤمل أكثر من شهر أقرب إلى المقصود ممن يؤمل سنة وتقييده بأربعين لأجل ميعاد موسى عليه السلام بعيد فإن تلك الواقعة ما قصد بها بيان مقدار مارخص الأمل فيه ولكن استحقاق موسى لنيل الموعود كان لا يتم إلا بعد أربعين يوما لسر جرت به وبأمثاله سنة الله تعالى في تدريج الأمور كما قال عليه السلام إن الله خمر طينة آدم بيده أربعين صباحا // حديث خمر طينة آدم بيده أربعين صباحا رواه أبو منصور الديلمى في مسند الفردوس من حديث ابن مسعود وسلمان الفارسي بإسناد ضعيف جدا وهو باطل // لأن استحقاق تلك الطينة التخمر كان موقوفا على مدة مبلغها ما ذكر فإذن ما وراء السنة لا يدخر له إلا بحكم ضعف القلب والركون إلى ظاهر الأسباب فهو خارج عن مقام التوكل غير واثق بإحاطة التدبير من الوكيل الحق بخفايا الأسباب فإن أسباب الدخل في الارتفاعات والزكوات تتكرر بتكرر السنين غالبا ومن ادخر لأقل من سنة فله درجة بحسب قصر أمله ومن كان أمله شهرين لم تكن درجته كدرجة من أمل شهرا ولا درجة من أمل ثلاثة أشهر بل هو بينهما في الرتبة ولا يمنع من الادخار إلا قصر الأمل فالأفضل أن لا يدخر أصلا وإن ضعف قلبه فكلما قل ادخاره كان فضله أكثر وقد روى في الفقير الذي أمر صلى الله عليه و سلم عليا كرم الله وجهه وأسامة أن يغسلاه فغسلاه وكفناه ببردته فلما دفنه قال لأصحابه إنه يبعث يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر ولولا خصلة كانت فيه لبعث ووجهه كالشمس الضاحية قلنا وما هي يا رسول الله قال كان صواما قواما كثير الذكر لله تعالى غير أنه كان إذا جاء الشتاء ادخر حلة الصيف لصيفه وإذا جاء الصيف ادخر حلة الشتاء لشتائه ثم قال صلى الله عليه و سلم بل أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر // حديث أنه قال في حق الفقير الذى أمر عليا أو أسامة فغسله وكفنه ببردته أنه يبعث يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر الحديث وفي آخره من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر لم أجد له أصلا وتقدم آخر الحديث قبل هذا // الحديث وليس الكوز والشفرة وما يحتاج إليه على الدوام معنى ذلك فإن ادخاره لا ينقص الدرجة وأما ثوب الشتاء فلا يحتاج إليه في الصيف وهذا في حق من لا ينزعج قلبه بترك الادخار ولا تستشرف نفسه إلى أيدى الخلق بل لا يلتفت قلبه إلا إلى الوكيل الحق فإن كان يستشعر في نفسه اضطرابا يشغل قلبه عن العبادة والذكر والفكر فالادخار له أولى بل لو أمسك ضيعة يكون دخلها وافيا بقدر كفايته وكان لا يتفرغ قلبه إلا به فذلك له أولى لأن المقصود إصلاح القلب ليتجرد لذكر الله ورب شخص يشغله وجود المال ورب شخص يشغله عدمه والمحذور ما يشغل عن الله عز و جل وإلا فالدنيا في عينها غير محذورة لا وجودها ولا عدمها ولذلك بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أصناف الخلق وفيهم التجار والمحترفون وأهل الحرف والصناعات فلم يأمر التجار بترك تجارته ولا المحترف بترك حرفته ولا أمر التارك لهما بالاشتغال بهما بل دعا الكل إلى الله تعالى وأرشدهم إلى أن فوزهم ونجاتهم في انصراف قلوبهم عن الدنيا إلى الله تعالى وعمدة الاشتغال بالله عز و جل القلب فصواب الضعيف ادخار قدر حاجته كما أن صواب القوى ترك الادخار

وهذا كله حكم المنفرد فأما المعيل فلا يخرج عن حد التوكل بادخار قوت سنة لعياله جبرا لضعفهم وتسكينا لقلوبهم وادخار أكثر من ذلك مبطل للتوكل لأن الأسباب تتكرر عند تكرر السنين فادخاره ما يزيد عليه سببه ضعف قلبه وذلك يناقض قوة التوكل فالمتوكل عبارة عن موحد قوى القلب مطمئن النفس إلى فضل الله تعالى واثق بتدبيره دون وجود الأسباب الظاهرة وقد ادخر رسول الله صلى الله عليه و سلم لعياله قوت سنة // حديث ادخر لعياله قوت سنة متفق عليه وتقدم في الزكاة // ونهى أم أيمن وغيرها أن تدخر له شيئا لغد // حديث نهى أم أيمن وغيرها أن تدخر شيئا لغد تقدم نهيه لأم أيمن وغيرها // ونهى بلالا عن الادخار في كسرة خبز ادخرها ليفطر عليها فقال صلى الله عليه و سلمأنفق بلالا ولا تخش من ذي العرش إقلالا // حديث نهى بلالا عن الادخار وقال أنفق بلالا ولا تخش من ذى العرش إقلالا رواه البزار من حديث ابن مسعود وأبي هريرة وبلال دخل عليه النبي صلى الله عليه و سلم وعنده صبر من تمر فقال ذلك وروى أبو يعلى والطبرانى في الأوسط حديث أبي هريرة وكلها ضعيفة
وأما ما ذكره المصنف من أنه ادخر كسرة خبز فلم أره // وقال صلى الله عليه و سلمإذا سئلت فلا تمنع وإذا أعطيت فلا تخبأ // حديث قال لبلال إذا سئلت فلا تمنع وإذا أعطيت فلا تخبأ رواه الطبراني والحاكم من حديث أبي سعيد وهو ثقة // اقتداء بسيد المتوكلين صلى الله عليه و سلم وقد كان قصر أمله بحيث كان إذا بال تيمم مع قرب الماء ويقول ما يدريني لعلي لا أبلغه // حديث أنه صلى الله عليه و سلم بال وتيمم مع قرب الماء ويقول ما يدريني لعلى لا أبلغه أخرجه ابن أبي الدنيا في قصر الأمل من حديث ابن عباس بسند ضعيف // وكان صلى الله عليه و سلم لو أخر لم ينقص ذلك من توكله إذ كان لا يثق بما ادخره ولكنه عليه السلام ترك ذلك تعليما للأقوياء من أمته فإن أقوياء أمته ضعفاء بالإضافة إلى قوته وادخر عليه السلام لعياله سنة لا لضعف قلب فيه وفي عياله ولكن ليسن ذلك للضعفاء من أمته بل أخبر إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه // حديث إن الله يحب أن تؤتى رخصه الحديث أخرجه أحمد والطبرانى والبيهقي من حديث أم عمر وقد تقدم // تطييبا لقلوب الضعفاء حتى لا ينتهى بهم الضعف إلى اليأس والقنوط فيتركون الميسور من الخير عليهم بعجزهم عن منتهى الدرجات فما أرسل رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا رحمة للعالمين كلهم عليه اختلاف أصنافهم ودرجاتهم وإذا فهمت هذا علمت أن الادخار قد يضر بعض الناس وقد لا يضر ويدل على ما روى أبو أمامة الباهلى أن بعض أصحاب الصفة توفى فما وجد له كفن فقال صلى الله عليه و سلمفتشوا ثوبه فوجدوا فيه دينارين في داخل إزاره فقال صلى الله عليه و سلم كيتان // حديث أبي أمامة توفى بعض أصحاب الصفة فوجدوا دينارين في داخلة إزاره فقال صلى الله عليه و سلم كيتان رواه أحمد من رواية شهر بن حوشب عنه // وقد كان غيره من المسلمين يموت ويخلف أموالا ولا يقول ذلك في حقه وهذا يحتمل وجهين لأن حاله يحتمل حالين أحدهما أنه أراد كيتين من النار كما قال تعالى تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم وذلك إذا كان حاله إظهار الزهد والفقر والتوكل مع الإفلاس عنه فهو نوع تلبيس والثاني أن لا يكون ذلك عن تلبيس فيكون المعنى به النقصان عن درجة كماله كما ينقص من جمال الوجه اثر كيتين في الوجه وذلك لا يكون عن تلبيس فإن كل ما يخلفه الرجل فهو نقصان عن درجته في الآخرة إذ لا يؤتى أحد من الدنيا شيئا إلا نقص بقدره من الآخرة وأما بيان أن الادخار مع فراغ القلب عن المدخر ليس من ضرورته بطلان التوكل فيشهد له ما روى عن بشر قال الحسين المغازلى من أصحابه كنت عنده ضحوة من النهار فدخل عليه رجل كهل أسمر خفيف العارضين فقام إليه بشر قال وما رأيته قام لأحد غيره قال ودفع إلى كفا من دراهم وقال اشتر لنا من أطيب ما تقدر عليه من الطعام الطيب وما قال لي قط

مثل ذلك قال فجئت بالطعام فوضعته فأكل معه وما رأيته أكل مع غيره قال فأكلنا حاجتنا وبقى من الطعام شىء كثير فأخذه الرجل وجمعه في ثوبه وحمله معه وانصرف فعجبت من ذلك وكرهته له فقال لي بشر لعلك أنكرت فعله قلت نعم أخذ بقية الطعام من غير إذن فقال ذاك أخونا فتح الموصلى زارنا اليوم من الموصل فإنما أراد أن يعلمنا أن التوكل إذا صح لم يضر معه الادخار
الفن الثالث في مباشرة الأسباب الدافعة للضرر المعرض للخوف أعلم أن الضرر قد يعرض للخوف في نفس أو مال وليس من شروط التوكل ترك الأسباب الدافعة رأسا أما في النفس فكالنوم في الأرض المسبعة أو في مجاري السيل من الوادى أو تحت الجدار المائل والسقف المنكسر فكل ذلك منهى عنه وصاحبه قد عرض نفسه للهلاك بغير فائدة نعم تنقسم هذه الأسباب إلى مقطوع بها ومظنونة وإلى موهومة فترك الموهوم منها من شرط التوكل وهى التى نسبتها إلى دفع الضرر نسبة الكى والرقية فإن الكى والرقية قد تقدم به على المحذور دفعا لما يتوقع وقد يستعمل بعد نزول المحذور للإزالة ورسول الله صلى الله عليه و سلم لم يصف المتوكلين إلا بترك الكى والرقية والطيرة ولم يصفهم بأنهم إذا خرجوا إلى موضع بارد لم يلبسوا جبة والجبة تلبس دفعا للبرد المتوقع وكذلك كل مافي معناها من الأسباب نعم الاستظهار بأكل الثوم مثلا عند الخروج إلى السفر في الشتاء تهييجا لقوة الحرارة من الباطن ربما يكون من قبيل التعمق في الأسباب والتعويل عليها فيكاد يقرب من الكي بخلاف الجبة ولترك الأسباب الدافعة وإن كانت مقطوعة وجه إذا ناله الضرر من إنسان فإنه إذا أمكنه الصبر وأمكنه الدفع والتشفى فشرط التوكل الاحتمال والصبر قال الله تعالى فاتخذه وكيلا واصبر على ما يقولون وقال تعالى ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون وقال عز و جل ودع آذاهم وتوكل على الله وقال سبحانه تعالى فاصبر كما صبر أولى العزم من الرسل وقال تعالى نعم أجر العاملين الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون وهذا في أذى الناس وأما الصبر على أذى الحيات والسباع والعقارب فترك دفعها ليس من التوكل في شىء إذ لا فائدة فيه ولا يراد السعى ولا يترك السعى لعينه بل لإعانته على الدين وترتب الأسباب ههنا كترتبها في الكسب وجلب المنافع فلا نطول بالإعادة وكذلك في الأسباب الدافعة عن المال فلا ينقص التوكل بإغلاق باب البيت عند الخروج ولا بأن يعقل البعير لأن هذه أسباب عرفت سنة الله تعالى إما قطعا وإما ظنا ولذلك قال صلى الله عليه و سلم للإعرابي لما أن أهمل البعير وقال توكلت على الله اعقلها وتوكل // حديث اعقلها وتوكل أخرجه الترمذى من حديث أنس قال يحيى القطان منكر ورواه ابن خزيمة في التوكل والطبراني من حديث عمرو بن أمية الضمرى بإسناد جيد قيدها // وقال تعالى خذوا حذركم وقال في كيفية صلاة الخوف وليأخذوا أسلحتهم وقال سبحانه وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل وقال تعالى لموسى عليه السلام فأسر بعبادى ليلا والتحصن بالليل اختفاء عن أعين الأعداء ونوع تسبب واختفاء رسول الله صلى الله عليه و سلم في الغار اختفاء عن أعين الأعداء دفعا للضرر // حديث اختفى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن أعين الأعداء دفعا للضرر تقدم في قصة اختفائه في الغار عند إرادة الهجرة // وأخذ السلاح في الصلاة فليس دافعا قطعا كقتل الحية والعقرب فإنه دافع قطعا ولكن أخذ السلاح سبب مظنون وقد بينا أن المظنون كالمقطوع وإنما الموهوم هو الذي يقتضى التوكل تركه
فإن قلت فقد حكى عن جماعة أن منهم من وضع الأسد يده على كتفه ولم يتحرك فأقول وقد حكى عن جماعة أنهم ركبوا الأسد وسخروه فلا ينبغى أن يغرك ذلك المقام فإنه وإن كان صحيحا في نفسه فلا يصلح للاقتداء

بطريق التعلم من الغير بل ذلك مقام رفيع في الكرامات وليس ذلك شرطا في التوكل وفيه أسرار لا يقف عليها من لم ينته إليها
فإن قلت وهل من علامة أعلم بها أنى قد وصلت إليها فأقول الواصل لا يحتاج إلى طلب العلامات ولكن من العلامات على ذلك المقام السابقة عليه أن يسخر لك كلب هو معك في إهابك يسمى الغضب فلا يزال يعضك ويعض غيرك فإن سخر لك هذا الكلب بحيث إذا هيج وأشلى لم يستشل إلا بإشارتك وكان مسخرا لك فربما ترتفع درجتك إلى أن يسخر لك الأسد الذى هو ملك السباع وكلب دارك أولى أن يكون مسخرا لك من كلب البوادى وكلب إهابك أولى بأن يتسخر من كلب دارك فإذا لم يسخر لك الكلب الباطن فلا تطمع في استسخار الكلب الظاهر
فإن قلت فإذا اخذ المتوكل سلاحه حذرا من العدو وأغلق بابه حذرا من اللص وعقل بعيره حذرا من أن ينطلق فبأى اعتبار يكون متوكلا فأقول يكون متوكلا بالعلم والحال فأما العلم فهو أن يعلم أن اللص إن اندفع لم يندفع بكفايته في إغلاق الباب بل لم يندفع إلا بدفع الله تعالى إياه فكم من باب يغلق ولا ينفع وكم من بعير يعقل ويموت أو يفلت وكم من آخذ سلاحه يقتل أو يغلب فلا تتكل على هذه الأسباب أصلا بل على مسبب الأسباب كما ضربنا المثل في الوكيل في الخصومة فإنه إن حضر وأحضر السجل فلا يتكل على نفسه وسجله بل يتكل على كفاية الوكيل وقوته وأما الحال فهو أن يكون راضيا بما يقضى الله تعالى به في بيته ونفسه ويقول اللهم إن سلطت على ما في البيت من يأخذه فهو في سبيلك وأنا راض بحكمك فإنى لا أدرى أن ما أعطيتني هبة فلا تسترجعها أو عارية ووديعة فتستردها ولا أدرى أنه رزقى أو سبقت مشيئتك في الأزل بأنه رزق غيرى وكيفما قضيت فأنا راض به وما أغلقت الباب تحصنا من قضاؤك وتسخطا له بل جريا على مقتضى سنتك في ترتيب الأسباب فلا ثقة إلا بك يا مسبب الأسباب فإذا كان هذا حاله وذلك الذى ذكرناه علمه لم يخرج عن حدود التوكل بعقل البعير وأخذ السلاح وإغلاق الباب ثم إذا عاد فوجد متاعه في البيت فينبغى أن يكون ذلك عنده نعمة جديدة من الله تعالى وإن لم يجده بل وجده مسروقا نظر إلى قلبه فإن وجده راضيا أو فرحا بذلك عالما أنه ما أخذ الله تعالى ذلك منه إلا ليزيد رزقه في الآخرة فقد صح مقامه في التوكل وظهر له صدقه وإن تألم قلبه به ووجد قوة الصبر فقد بان له أنه ما كان صادقا في دعوى التوكل لان التوكل مقام بعد الزهد ولا يصح الزهد إلا ممن لا يتأسف على ما فات من الدنيا ولا يفرح بما يأتى بل يكون على العكس منه فكيف يصح له التوكل نعم قد يصح له مقام الصبر إن أخفاه ولم يظهر شكواه ولم يكثر سعيه في الطلب والتجسس وإن لم يقدر على ذلك حتى تأذى بقلبه وأظهر الشكوى بلسانه واستقصى الطلب ببدنه فقد كانت السرقة مزيدا له في ذنبه من حيث إنه ظهر له قصوره عن جميع المقامات وكذبه في جميع الدعاوي فبعد هذا ينبغى أن يجتهد حتى لا يصدق نفسه في دعاويها ولا يتدلى بحبل غرورها فإنها خداعة أمارة بالسوء مدعية للخير
فإن قلت فكيف يكون للمتوكل مال حتى يؤخذ فأقول المتوكل لا يخلوا بيته من متاع كقصعة يأكل فيها وكوز يشرب منه وإناء يتوضأ منه وجراب يحفظ به زاده وعصا يدفع بها عدوه وغير ذلك من ضرورات المعيشة من اثاث البيت وقد يدخل في يده مال وهو يمسكه ليجد محتاجا فيصرفه إليه فلا يكون ادخاره على هذه النية مبطلا لتوكله وليس من شرط التوكل إخراج الكوز الذي يشرب منه والجراب الذي فيه زاده وإنما ذلك في

المأكول وفي كل مال زائد على قدر الضرورة لأن سنة الله جارية بوصول الخير إلى الفقراء المتوكلين في زوايا المساجد وما جرت السنة بتفرقة الكيزان والأمتعة في كل يوم ولا في كل أسبوع والخروج عن سنة الله عز و جل ليس شرطا في التوكل ولذلك كان الخواص يأخذ في السفر الحبل والركوة والمقراض والإبرة دون الزاد لكن سنة الله تعالى جارية بالفرق بين الأمرين
فإن قلت فكيف يتصور أن لا يحزن إذا أخذ متاعه الذي هو محتاج إليه ولا يتأسف عليه فإن كان لا يشتهيه فلم أمسكه وأغلق الباب عليه وإن كان أمسكه لأنه يشتهيه لحاجته إليه فكيف لا يتأذى قلبه ولا يحزن وقد حيل بينه وبين ما يشتهيه فأقول إنما كان يحفظه ليستعين به على دينه إذ كان يظن أن الخيرة له في أن يكون له ذلك المتاع ولولا أن الخيرة له فيه لما رزقه الله تعالى ولما أعطاه إياه فاستدل على ذلك بتيسير الله عز و جل وحسن الظن بالله تعالى مع ظنه أن ذلك معين له على أسباب دينه ولم يكن ذلك عنده مقطوعا به إذ يحتمل أن تكون خيرته في أن يبتلى بفقده ذلك حتى ينصب في تحصيل غرضه ويكون ثوابه في النصب والتعب أكثر فلما أخذه الله تعالى منه بتسليط اللص تغير ظنه لأنه في جميع الأحوال واثق بالله حسن الظن به فيقول لولا أن الله عز و جل علم أن الخيرة كانت لي في وجودها إلى الآن والخيرة لي الآن في عدمها لما أخذها منى فبمثل هذا الظن يتصور أن يندفع عنه الحزن إذ به يخرج عن ان يكون فرحه بأسباب من حيث إنها أسباب بل من حيث إنه يسرها مسبب الأسباب عناية وتلطفا وهو كالمريض بين يدى الطبيب الشفيق يرضى بما يفعله فإن قدم إليه الغذاء فرح وقال لولا أنه يعرف أن الغذاء ينفعنى وقد قويت على احتماله لما قربه إلى وأن أخر عنه الغذاء بعد ذلك أيضا فرح وقال لولا أن الغذاء يضرني ويسوقني إلى الموت لما حال بينى وبينه وكل من لا يعتقد لطف الله تعالى ما يعتقده المريض في الوالد المشفق الحاذق لعلم الطب فلا يصح منه التوكل أصلا ومن عرف الله تعالى وعرف أفعاله وعرف سنته في إصلاح عباده لم يكن فرحه بالأسباب فإنه لا يدرى أي الأسباب خير له كما قال عمر رضى الله عنه لا أبالى أصبحت غنيا أو فقيرا فإنى لا أدرى أيهما خير لي فكذلك ينبغي أن لا يبالى المتوكل يسرق متاعه أو لا يسرق فإنه لا يدرى أيهما خير له في الدنيا أو في الآخرة فكم من متاع في الدنيا يكون سبب هلاك الإنسان وكم من غنى يبتلى بواقعة لأجل غناه يقول ياليتنى كنت فقيرا
بيان آداب المتوكلين إذا سرق متاعهم
للمتوكل آداب في متاع بيته إذا خرج عنه الأول أن يغلق الباب ولا يستقصى في أسباب الحفظ كالتماسك من الجيران الحفظ مع الغلق وكجمعه أغلاقا كثيرة فقد كان مالك بن دينار لا يغلق بابه ولكن يشده بشريط ويقول لولا الكلاب ما شددته أيضا الثاني أن لا يترك في البيت متاعا يحرض عليه السراق فيكون هو سبب معصيتهم أو إمساكه يكون سبب هيجان رغبتهم ولذلك لما أهدى المغيرة إلى مالك بن دينار ركوة قال خذها لا حاجة لي إليها قال لم قال يوسوس إلى العدو أن اللص يأخذها فكأنه احترز من أن يعصى السارق ومن شغل قلبه بوسواس الشيطان بسرقتها ولذلك قال أبو سليمان هذا من ضعف قلوب الصوفية هذا قد زهد في الدنيا فما عليه من أخذها الثالث أن ما يضطر إلى تركه في البيت ينبغى أن ينوى عند خروجه الرضا بما يقضى الله فيه من تسليط سارق عليه ويقول ما يأخذه السارق فهو منه في حل أو في سبيل الله تعالى وإن كان فقيرا فهو عليه صدقة وإن لم يشترط الفقر فهو أولى فيكون له نيتان لو أخذه غنى أو فقير إحداهما أن يكون

ماله مانعا من المعصية فإنه ربما يستغنى به فيتوانى عن السرقة بعده وقد زال عصيانه بأكل الحرام لما أن جعله في حل والثانية أن لا يظلم مسلما آخر فيكون ماله فداء لمال مسلم آخر ومهما ينوى حراسة مال غيره بمال نفسه أو ينوى دفع المعصية عن السارق أو تخفيفها عليه فقد نصح للمسلمين وامتثل قوله صلى الله عليه و سلمانصر أخاك ظالما أو مظلوما // حديث انصر أخاك ظالما أو مظلوما متفق عليه من حديث أنس وقد تقدم // ونصر الظالم أن تمنعه من الظلم وعفوه عنه إعدام للظلم ومنع له وليتحقق أن هذه النية لا تضره بوجه من الوجوه إذ ليس فيها ما يسلط السارق ويغير القصاء الأزلى ولكن يتحقق بالزهد نيته فإن أخذ ماله كان له بكل درهم سبعمائة درهم لأنه نواه وقصده وإن لم يؤخذ حصل له الأجر أيضا كما روى عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فيمن ترك العزل فأقر النطفة قرارها أن له أجر غلام ولد له من ذلك الجماع وعاش فقتل في سبيل الله تعالى وإن لم يولد له // حديث من ترك العزل وأقر النطفة قرارها كان له أجر غلام // لأنه ليس أمر الولد إلا الوقاع فأما الخلق والحياة والرزق والبقاء فليس إليه فلو خلق لكان ثوابه على فعله وفعله لم ينعدم فكذلك أمر السرقة الرابع أنه إذا وجد المال مسروقا فينبغى أن لا يحزن بل يفرح إن أمكنه ويقول لولا أن الخيرة كانت فيه لما سلبه الله تعالى ثم إن لم يكن قد جعله في سبيل الله عز و جل فلا يبالغ في طلبه وفي إساءة الظن بالمسلمين وإن كان قد جعله في سبيل الله فيترك طلبه فإنه قد قدمه ذخيرة لنفسه إلى الآخرة فإن أعيد عليه فالأولى أن لا يقبله بعد أن كان قد جعله في سبيل الله عز و جل وإن قبله فهو في ملكه في ظاهر العلم لأن الملك لا يزول بمجرد تلك النية ولكنه غير محبوب عند المتوكلين
وقد روى أن ابن عمر سرقت ناقته فطلبها حتى أعيا ثم قال في سبيل الله تعالى فدخل المسجد فصلى فيه ركعتين فجاءه رجل فقال يا أبا عبد الرحمن إن ناقتك في مكان كذا فلبس نعله وقام ثم قال استغفر الله وجلس فقيل له ألا تذهب فتأخذها فقال إنى كنت قلت في سبيل الله
وقال بعض الشيوخ رأيت بعض إخواني في النوم بعد موته فقلت ما فعل الله بك قال غفر لي وأدخلنى الجنة وعرض على منازلي فيها فرأيتها قال وهو مع ذلك كئيب حزين فقلت قد غفر لك ودخلت الجنة وأنت حزين فتنفس الصعداء ثم قال نعم إنى لا أزال حزينا إلى يوم القيامة قلت ولم قال إنى لما رأيت منازلى في الجنة رفعت لي مقامات في عليين ما رأيت مثلها فيما رأيت ففرحت بها فلما هممت بدخولها نادى منادى من فوقها اصرفوه عنها فليست هذه له إنما هى لمن أمضى السبيل فقلت وما إمضاء السبيل فقيل لي كنت تقول للشىء إنه في سبيل الله ثم ترجع فيه فلو كنت أمضيت السبيل لأمضينا لك
وحكى عن بعض العباد بمكة أنه كان نائما إلى جنب رجل معه هميانه فانتبه الرجل ففقد هميانه فاتهمه به فقال له كم كان في هميانك فذكر له فحمله من البيت ووزنه من عنده ثم بعد ذلك أعلمه أصحابه أنهم كانوا أخذوا الهميان مزحا معه فجاء هو وأصحابه معه وردوا الذهب فأبى وقال خذه حلالا طيبا فما كنت لأعود في مال أخرجته في سبيل الله عز و جل فلم يقبل فألحوا عليه فدعا ابنه وجعل يصره صررا ويبعث به إلى الفقراء حتى لم يبق منه شىء
فهكذا كانت أخلاق السلف وكذلك من أخذ رغيفا ليعطيه فقيرا فغاب عنه كان يكره رده إلى البيت بعد إخراجه فيعطيه فقيرا آخر وكذلك يفعل في الدراهم والدنانير وسائر الصدقات الخامس وهو أقل الدرجات

أن لا يدعو على السارق الذى ظلمه بالأخذ فإن فعل بطل توكله ودل ذلك على كراهته وتأسفه على ما فات وبطل زهده ولو بالغ بطل أجره أيضا فيما أصيب به ففي الخبر من دعا على ظالمه فقد انتصر // حديث من دعا على من ظلمه فقد انتصر تقدم // وحكى أن الربيع بن خثيم سرق فرس له وكان قيمته عشرين ألفا وكان قائما يصلى فلم يقطع صلاته ولم ينزعج لطلبه فجاءه قوم يعزونه فقال أما إنى قد كنت رأيته وهو يحله قيل وما منعك أن تزجره قال كنت فيما هو أحب إلى من ذلك يعنى الصلاة فجعلوا يدعون عليه فقال لا تفعلوا وقولوا خيرا فإنى قد جعلتها صدقة عليه
وقيل لبعضهم في شىء قد كان سرق له ألا تدعو على ظالمك قال ما أحب أن أكون عونا للشيطان عليه
قيل أرأيت لو رد عليك قال لا آخذه ولا أنظر إليه لأنى كنت قد أحللته له
وقيل لآخر ادع الله على ظالمك فقال ماظلمنى أحد ثم قال إنما ظلم نفسه ألا يكفيه المسكين ظلم نفسه حتى أزيده شرا
وأكثر بعضهم شتم الحجاج عند بعض السلف في ظلمه فقال لا تغرق في شتمه فإن الله تعالى ينتصف للحجاج فمن انتهك عرضه كما ينتصف منه لمن أخذ ماله ودمه
وفي الخبر إن العبد كيظلم المظلمة فلا يزال يشتم ظالمه ويسبه حتى يكون بمقدار ما ظلمه ثم يبقى للظالم عليه مطالبة بما زاد عليه يقتص له من المظلوم // حديث إن العبد ليظلم المظلمة فلا يزال يشتم ظالمه ويسبه حتى يكون بمقدار ما ظلمه ثم يبقى للظالم عليه مطالبة الحديث تقدم // السادس أن يغتم لأجل السارق وعصيانه وتعرضه لعذاب الله تعالى ويشكر الله تعالى إذ جعله مظلوما ولم يجعله ظالما وجعل ذلك نقصا في دنياه لا نقصا في دينه فقد شكا بعض الناس إلى عالم أنه قطع عليه الطريق وأخذ ماله فقال إن لم يكن لك غم أنه قد صار في المسلمين من يستحل هذا أكثر من غمك بمالك فما نصحت للمسلمين
وسرق من على بن الفضيل دنانير وهو يطوف بالبيت فرآه أبوه وهو يبكي ويحزن فقال أعلى الدنانير تبكى فقال لا والله ولكن على المسكين أن يسئل يوم القيامة ولا تكون له حجة
وقيل لبعضهم ادع على من ظلمك فقال إنى مشغول بالحزن عليه عن الدعاء عليه فهذه أخلاق السلف رضى الله عنهم أجمعين
الفن الرابع في السعى في إزالة الضرر كمداواة المرض وأمثاله أعلم أن الأسباب المزيلة للمرض أيضا تنقسم إلى مقطوع به كالماء المزيل لضرر العطش والخبز المزيل لضرر الجوع وإلى مظنون كالفصد والحجامة وشرب الدواء المسهل وسائر أبواب الطب أعنى معالجة البرودة بالحرارة والحرارة بالبرودة وهى الأسباب الظاهرة في الطب وإلى موهوم كالكى والرقية أما المقطوع فليس من التوكل تركه بل تركه حرام عند خوف الموت وأما الموهوم فشرط التوكل تركه إذ به وصف رسول الله صلى الله عليه و سلم المتوكلين وأقواها الكى ويليه الرقية والطيرة آخر درجاتها والاعتماد عليها والاتكال إليها غاية التعمق في ملاحظة الأسباب وأما الدرجة المتوسطة وهى المظنونة كالمداواة بالأسباب الظاهرة عند الأطباء ففعله ليس مناقضا للتوكل بخلاف الموهوم وتركه ليس محظورا بخلاف المقطوع بل قد يكون أفضل من فعله في بعض الأحوال وفي بعض الأشخاص فهى على درجة بين الدرجتين ويدل على أن التداوى غير مناقض للتوكل فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم

وقوله وأمره به أما قوله فقد قال صلى الله عليه و سلمما من داء إلا وله دواء عرفه من عرفه وجهله من جهله إلا السام // حديث ما من داء إلا له دواء عرفه من عرفه جهله من جهله إلا السام رواه أحمد والطبرانى من حديث ابن مسعود دون قوله إلا السام وهو عند ابن ماجه مختصرا دون قوله عرفه إلى آخره واسناد حسن وللترمذي وصححه من حديث أسامة بن شريك إلا الهرم وللطبرانى في الأوسط والبزار من حديث أبي سعيد الخدرى والطبراني في الكبير من حديث ابن عباس وسندهما ضعيف والبخارى من حديث أبي هريرة ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء ولمسلم من حديث جابر لكل داء دواء // يعنى الموت وقال عليه السلام تداووا عباد الله فإن الله خلق الداء والدواء // حديث تداووا عباد الله رواه الترمذي وصححه وابن ماجه واللفظ له من حديث أسامة ابن شريك // وسئل عن الدواء والرقى هل ترد من قدر الله شيئا قال هى من قدر الله // حديث سئل عن الدواء والرقى هل يرد من قدر الله فقال هى من قدر الله أخرجه الترمذى وابن ماجه من حديث أبي خزامة وقيل عن أبي خزامة عن أبيه قال الترمذى وهذا أصح // وفي الخبر المشهور ما مررت بملأ من الملائكة إلا قالوا مر أمتك بالحجامة // حديث ما مررت بملأ من الملائكة إلا قالوا مر أمتك بالحجامة رواه الترمذى من حديث ابن مسعود وقال حسن غريب ورواه ابن ماجه من حديث أنس بسند ضعيف // وفي الحديث أنه أمر بها وقال احتجموا لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين لا يتبيغ بكم الدم فيقتلكم // حديث احتجموا لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين الحديث أخرجه البزار من حديث ابن عباس بسند حسن موقوفا ورفعه الترمذى بلفظ إن خير ما تحتجمون فيه سبع عشرة الحديث دون ذكر التبيغ وقال حسن غريب وقال البزار إن طريقه المتقدمة أحسن من هذا الطريق ولابن ماجه من حديث أنس بسند ضعيف من أراد الحجامة فليتحر سبعة عشر الحديث // فذكر أن تبيغ الدم سبب الموت وأنه قاتل بإذن الله تعالى وبين أن إخراج الدم خلاص منه إذ لا فرق بين إخراج الدم المهلك من الإهاب وبين إخراج العقرب من تحت الثياب وإخراج الحية من البيت وليس من شرط التوكل ترك ذلك بل هو كصب الماء على النار لإطافئها ودفع ضررها عند وقوعها في البيت وليس من التوكل الخروج عن سنة الوكيل أصلا وفي خبر مقطوع من احتجم يوم الثلاثاء لسبع عشرة من الشهر كان له دواء من داء سنة // حديث من احتجم يوم الثلاثاء لسبع عشرة من الشهر كان له دواء من داء سنة رواه الطبرانى من حديث معقل بن يسار وابن حيان في الضعفاء من حديث أنس وإسنادهما واحد اختلف على راوية في الصحابي وكلاهما فيه زين العمى وهو ضعيف // وأما أمره صلى الله عليه و سلم فقد أمر غير واحد من الصحابة بالتداوى وبالحمية // حديث أمره بالتداوى لغير واحد من الصحابة أخرجه الترمذى وابن ماجه من حديث أسامة بن شريك أنه قال للأعراب حين سألوه تداووا الحديث وسيأتى في قصة على وصهيب في الحمية بعده // وقطع لسعد بن معاذ عرقا // حديث قطع عرقا لسعد ابن معاذ أخرجه مسلم من حديث جابر قال رمى سعد في أكحله فحسمه النبي صلى الله عليه و سلم بيده بمشقص الحديث // أى فصده وكوى سعد بن زرارة // حديث أنه كوى أسعد بن زرارة رواه الطبراني من حديث سهل بن حنيف بسند ضعيف ومن حديث أبي أسامة بن سهل بن حنيف دون ذكر سهل // وقال لعلى رضي الله تعالى عنه وكان رمد العين لا تأكل من هذا يعنى الرطب وكل من هذا فإنه أوفق لك // حديث قال لعلى وكان رمدا لا تأكل من هذا الحديث رواه أبو داود والترمذى وقال حسن غريب وابن ماجه من حديث أم المنذر // يعنى سلقا قد طبخ بدقيق شعير وقال لصهيب وقد رآه يأكل التمر وهو وجع العين تأكل تمرا وأنت أرمد فقال إنى آكل من الجانب الآخر فتبسم // صلى الله عليه و سلم حديث قال لصهيب وقد رآه يأكل التمر وهو وجع العين تأكل تمرا وأنت رمد الحديث تقدم في آفات اللسان // وأما فعله عليه الصلاة و السلام فقد روى في حديث من طريق أهل البيت أنه كان يكتحل كل ليلة ويحتجم كل شهر ويشرب الدواء كل سنة // حديث من طريق أهل البيت أنه كان يكتحل كل ليلة ويحتجم كل شهر ويشرب الدواء كل سنة أخرجه ابن عدي من حديث عائشة وقال إنه منكر وفيه سيف بن محمد كذبه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين // قيل السنا المكى

وتداوى صلى الله عليه و سلم غير مرة من العقرب وغيرها // حديث أنه تداوى غير مرة من العقرب وغيرها رواه الطبراني بإسناد حسن من حديث جبلة بن الأزرق أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لدغته عقرب فغشى عليه فرقاه الناس الحديث له في الأوسط من رواية سعيد بن ميسرة وهو ضعيف عن أنس أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا اشتكي تقمح كفا من شونيز ويشرب عليه ماء وعسلا ولأبي يعلى والطبراني في الكبير من حديث عبدالله بن جعفر أن النبي صلى الله عليه و سلم احتجم بعد ماسم وفيه جابر الجعفي ضعفه الجمهور وروي أنه كان إذا نزل عليه الوحي صدع رأسه فكان يغلفه بالحناء // حديث كان إذى نزل الوحي صدع رأسه فيغلفه بالحناء أخرجه البزار وابن عدي في الكامل من حديث أبي هريرة وقد اختلف في إسناده على الأحوص بن حكيم كان إذا خرجت به قرحة جعل عليها حناء رواه الترمذي وابن ماجة من حديث سلمى قال الترمذي غريب وفي خبر : أنه كان إذا خرجت به قرحة جعل عليها حناء وقد جعل على قرحة خرجت به ترابا جعل على قرحة خرجت بيده ترابا حديث جعل على قرحة خرجة بيده ترابا رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة كان إذا إشتكى الإنسان الشيء منه أو كانت فرحة أو جرح قال النبي صلى الله عليه و سلم بيده ووضع سفيان عيينه الراوي سبابته بالأرض ثم رفعها وقال بسم الله تربة أرضنا وريقة بعضنا يشفى سقيمنا // وما روى في تداويه وأمره بذلك كثير خارج عن الحصر وقد صنف في ذلك كتاب وسمي طب النبي صلى الله عليه و سلم وذكر بعض العلماء في الإسرائيليات أن موسى عليه السلام اعتل بعلة فدخل عليه بنو إسرائيل فعرفوا علته فقالوا له لو تداويت بكذا لبرئت فقال لا أتداوى حتى يعافيني هو من غير دواء فطالت علته فقالوا له أن دواء هذه العلة معروف مجرب وانا نتداوى به فنبرأ فقال لا أتداوى وأقامت علته فأوحى الله تعالى إليه وعزتي وجلالي لا أبرأتك حتى تتداوى بما ذكروه لك فقال لهم داووني بما ذكرتم فداووه فبرأ فأوجس في نفسه من ذلك فأوحى الله تعالى إليه أردت أن تبطل حكمتي بتوكلك على من أودع العقاقير منافع الأشياء غيري وروى في خبر آخر أن نبيا من الأنبياء عليهم السلام شكا علة يجدها فأوحى الله تعالى إليه كل البيض وشكا نبي آخر الضعف فأوحى الله تعالى إليه كل اللحم باللبن فان فيهما القوة قيل هو الضعف عن الجماع وقد روى أن قوما شكوا إلى نبيهم قبح أولادهم فأوحى الله تعالى إليه مرهم أن يطعموا نساءهم الحبلى السفرجل فانه يحسن الولد ويفعل ذلك في الشهر الثالث والرابع إذ فيه يصور الله تعالى الولد وقد كانوا يطعمون الحبلى السفرجل والنفساء الرطب فبهذا تبين ان مسبب الأسباب اجرى سنته بربط المسببات بالأسباب إظهارا للحكمة والأدوية أسباب مسخرة بحكم الله تعالى كسائر الأسباب فكما ان الخبز دواء الجوع والماء دواء العطش فالسكنجبين دواء الصفراء والسقمونيا دواء الإسهال لا يفارقه إلا في أحد أمرين أحدهما أن معالجة الجوع والعطش بالماء والخبز جلى واضح يدركه كافة الناس ومعالجة الصفراء بالسكنحبين يدركه بعض الخواص فمن أدرك ذلك بالتجربة التحق في حقه بالأول والثاني آن الدواء يسهل والسكنجبين يسكن الصفراء بشروط أخر في الباطن واسباب في المزاج ربما يتعذر الوقوف على جميع شروطها وربما يفوت بعض الشروط فيتقاعد الدواء عن الإسهال وأما زوال العطش فلا يستدعي سوى الماء شروطا كثيرة وقد يتفق من العوارض ما يوجب داء العطش مع كثرة شرب الماء ولكنه نادر واختلال الأسباب ابدا ينحصر في هذين الشيئين وإلا فالمسبب يتلو السبب لا محالة مهما تمت شروط السبب وكل ذلك بتدبير مسبب الأسباب وتسخيره وترتيبه بحكم حكمته وكمال قدرته فلا يضر المتوكل استعماله مع النظر إلى مسبب الأسباب دون الطبيب والدواء فقد روى عن موسى صلى صلى الله عليه و سلم انه قال يارب ممن الداء والدواء فقال تعالى مني قال : فما يصنع الأطباء قال يأكلون أرزاقهم ويطيبون نفوس

عبادي حتى يأتي شفائي أو قضائي فإذن معنى التوكل مع التداوي التوكل بالعلم والحال كما سبق في فنون الاعمال الدافعة للضرر الجالبة للنفع فأما ترك التداوي رأسا فليس شرطا فيه
فان قلت فالكي أيضا من الأسباب الظاهرة النفع فأقول ليس كذلك اذ الأسباب الظاهرة مثل الفصد والحجامة وشرب المسهل وسقي المبردات للمحرور واما الكي فلو كان مثلها في الظهور لما خلت البلاد الكثيرة عنه وقلما يعتاد الكي في أكثر البلاد وانما ذلك عادة بعض الأتراك والأعراب فهذا من الأسباب الموهومة كالرقى إلا أنه يتميز عنها بأمر وهو أنه احراق النار فى الحال مع الاستغناء عنه فإنه ما من وجع يعالج بالكي الا وله دواء يغنى عنه ليس فيه احراق فالاحراق بالنار جرح مخرب للبنية محذور السراية مع الاستغناء عنه بخلاف الفصد والحجامة فان سرايتهما بعيدة ولا يسد مسدها غيرهما ولذلك نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الكي دون الرقي // حديث نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الكي دون الرقى رواه البخاري من حديث ابن عباس وأنهى أمتي عن الكي وفي الصحيحين من حديث عائشة رخص رسول الله صلى الله عليه و سلم في الرقية من كل ذي حمة //
وكل واحد منهما بعيد عن التوكل وروى ان عمران بن الحصين اعتل فأشاروا عليه بالكي فامتنع فلم يزالوا به وعزم عليه الامر حتى اكتوى فكان يقول كنت أرى نورا واسمع صوتا وتسلم علي الملائكة فلما اكتويت انقطع ذلك عني وكان يقول اكتوينا كيات فوالله ما أفلحت ولا أنجحت ثم تاب من ذلك وأناب إلى الله تعالى فرد الله تعالى عليه ما كان يجد من أمر الملائكة وقال لمطرف بن عبد الله : ألم تر إلى الملائكة التي كان أكرمني الله بها قد ردها الله تعالى علي ! بعد أن كان أخبره بفقدها : فاذن الكي وما يجري مجراه هو الذي لا يليق بالمتوكل لأنه يحتاج في استنباطه إلى تدبير ثم هو مذموم ويدل ذلك على شدة ملاحظة الأسباب وعلى التعمق فيها والله أعلم
بيان ان ترك التداوي قد يحمد في بعض الأحوال ويدل على قوة التوكلوان ذلك
لا يناقض فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم
اعلم ان الذين تداووا من السلف لا ينحصرون ولكن قد ترك التداوي أيضا جماعة من الأكابر فربما يظن أن ذلك نقصان لأنه لو كان كمالا لتركه رسول الله صلى الله عليه و سلم اذ لا يكون حال غيره في التوكل أكمل من حاله
وقد روى عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه انه قيل له لو دعونا لك طبيبا فقال الطبيب قد نظر الي وقال : اني فعال لما أريد
وقيل لأبي الدرداء في مرضه ما تشتكي قال ذنوبي قيل فما تشتهي قال مغفرة ربي قالوا ألا ندعو لك طبيبا قال الطبيب أمرضني وقيل لأبي ذر وقد رمدت عيناه لو داويتهما قال اني عنهما مشغول فقيل لو سألت الله تعالى أن يعافيك فقال أسأله فيما هو أهم على منهما
وكان الربيع بن خثيم أصابه فالج فقيل له لو تداويت فقال قد هممت ثم ذكرت عادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا وكان فيهم الأطباء فهلك المداوي والمداوى ولم تغن الرقي شيئا
وكان أحمد بن حنبل يقول أحب لمن اعتقد التوكل وسلك هذا الطريق ترك التداوي من شرب الدواء وغيره وان كان به علل فلا يخبر المتطبب بها أيضا إذا سأله

وقيل لسهل متى يصح للعبد التوكل قال إذا دخل عليه الضرر في جسمه والنقص في ماله فلم يلتفت إليه شغلا بحاله وينظر إلى قيام الله تعالى عليه
فإذا منهم من ترك التداوي وراءه ومنهم من كرهه ولا يتضح وجه الجمع بين فعل رسولالله صلى الله عليه و سلم وأفعالهم الا بحصر الصوارف عن التداوي
فنقول ان لترك التداوي أسبابا السبب الأول ان يكون المريض من المكاشفين وقد كوشف بأنه انتهى أجله وأن الدواء لا ينفعه ويكون ذلك معلوما عنده تارة برؤيا صادقة وتارة بحدس وظن وتارة بكشف محقق ويشبه ان يكون ترك الصديق رضي الله عنه التداوي من هذا السبب فانه كان من المكاشفين فإنه قال لعائشة رضي الله عنها في أمر الميراث إنما هن أختاك وانما كان لها أخت واحدة ولكن كانت امرأته حاملا فولدت أنثى فعلم انه كان قد كوشف بأنها حامل بأنثى فلا يبعد ان يكون قد كوشف ايضا بانتهاء اجله والا فلا يظن به انكار التداوي وقد شاهد رسول الله صلى الله عليه و سلم تداوي وامر به السبب الثاني ان يكون المريض مشغولا بحاله وبخوف عاقبته واطلاع الله تعالى عليه فينسيه ذلك ألم المرض فلا يتفرغ قلبه للتداوي شغلا بحاله وعليه يدل كلام أبى ذر اذ قال أنى عنهما مشغول وكلام ابي الدرداء اذ قال انما اشتكي ذنوبي فكان تألم قلبه خوفا من ذنوبه اكثر من تألم بدنه بالمرض ويكون هذا كالمصاب بموت عزيز من أعزته أو كالخائف الذي يحمل إلى ملك من الملوك ليقتل إذا قيل له الا تاكل وانت جائع فيقول أنا مشغول عن ألم الجوع فلا يكون ذلك انكارا لكون الاكل نافعا من الجوع ولا طعنا فيمن اكل ويقرب من هذ اشتغال سهل حيث قيل له ما القوت فقال هو ذكر الحي القيوم فقيل انما سألناك عن القوام فقال : القوام هو العلم قيل سألناك عن الغذاء قال الغذاء هو الذكر قيل سألناك عن طعمة الجسد قال مالك وللجسد دع من تولاه أولا يتولاه آخرا : اذا دخل عليه علة فرده إلى صانعه اما رايت الصنعة اذا عيبت ردوها إلى صانعها حتى يصلحها السبب الثالث ان تكون العلة مزمنة والدواء الذي يؤمر به بالإضافة إلى علته موهوم النفع جار مجري الكي والرقية فيتركه المتوكل واليه يشير قول الربيع بن خثيم اذ قال ذكرت عادا وثمود وفيهم الأطباء فهلك المداوي والمداوى أي ان الدواء غير موثوق به وهذا قد يكون كذلك في نفسه وقد يكون عند المريض كذلك لقلة ممارسته للطب وقلة تجربته له فلا يغلب على ظنه كونه نافعا ولا شك في أن الطبيب المجرب اشد اعتقادا لي الأدوية من غيره فتكون الثقة والظن بحسب الاعتقاد والاعتقاد بحسب التجربة وأكثر من ترك التداوي من العباد والزهاد هذا مستندهم لانه يبقى الدواء عنده شيئا موهوما لا اصل له وذلك صحيح في بعض الأدوية عند من عرف صناعة الطب غير صحيح في البعض ولكن غير الطبيب قد ينظر إلى الكل نظرا واحدا فيرى التداوي تعمقا في الأسباب كالكي والرقي فيتركه السبب الرابع ان يقصد العبد بترك التداوي استبقاء المرض لينال ثواب المرض بحسن الصبر على بلاء الله تعالى أو ليجرب نفسه في القدرة على الصبر فقد ورد في ثواب المرض ما يكثر ذكره فقد قال عليه السلام نحن معاشر الأنبياء أشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى العبد على قدر إيمانه فان كان صلب الإيمان شدد عليه البلاء وان كان في إيمانه ضعف حفف عنه البلاء // وفي الخبر ان الله تعالى يجرب عبده بالبلاء كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار // حديث نحن معاشر الأنبياء أشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل الحديث رواه أحمد وأبو يعلي والحاكم وصححه على شرط مسلم نحوه مع اختلاف وقد تقدم مختصرا ورواه الحاكم ايضا من حديث سعد بن ابي وقاص وقال صحيح على شرط الشيخين

فمنهم من يخرج كالذهب الإبريز لا يزبد ومنهم دون ذلك ومنهم من يخرج اسود محترقا حديث أن الله تعالى يجرب عبد بالبلاء كما يجرب أحكم ذهبه الحديث رواه الطبراني من حديث أبي أمامة بسند ضعيف // وفي حديث من طريق أهل البيت أن الله تعالى إذا احب عبدا ابتلاه فان صبر اجتباه فان رضي اصطفاه حديث من طريق أهل البيت إن الله إذا أحب عبدا // وقال صلى الله عليه و سلم تحبون ان تكونوا كالحمر الضالة لا تمرضون ولا تسقمون // // حديث تحبون ان تكونوا كالحمر الضالة لا تمرضون ولا تسقمون أخرجه ابن ابي عاصم في الآحاد والمثاني وأبو نعيم وابن عبد البر في الصحابة والبيهقي في الشعب من حديث ابي فاطمة وهو صدر حديث ان الرجل تكون له المنزلة عند الله الحديث وقد تقدم قال ابن مسعود رضي الله عنه تجد المؤمن أصح شىء قلبا وأمرضه جسما وتجد المنافق اصح شئ جسما وأمرضه قلبا فلما عظم الثناء على المرض والبلاء احب قوم المرض واغتنموه لينالوا ثواب الصبر عليه فكان منهم من له علة يخفيها ولا يذكرها للطبيب ويقاسي العلة ويرضى بحكم الله تعالى ويعلم أن الحق اغلب على قلبه من أن يشغله المرض عنه وإنما يمنع المرض جوارحه وعلموا ان صلاتهم قعودا مثلا مع الصبر على قضاء الله تعالى افضل من الصلاة قياما مع العافية والصحة ففي الخبر ان الله تعالى يقول لملائكته : اكتبوا لعبدي الصالح ما كان يعمله فانه في وثاقي ان أطلقته أبدلته لحما خيرا من لحمه ودما خير من دمه وان توفيته توفيته إلى رحمتي // // حديث ان الله يقول للملائكة : اكتبو لعبدي صالح ما كان يعمل فانه في وثاقي الحديث أخرجه الطبراني من حديث عبد الله بن عمر وقد تقدم وقال صلى الله عليه و سلم افضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس // حديث افضل الاعمال ما أكرهت عليه النفوس تقدم ولم أجده مرفوعا فقيل : معناه ما دخل عليه من الامراض والمصائب واليه الاشارة بقوله تعالى وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم وكان سهل يقول ترك التداوي وان ضعف عن الطاعات وقصر عن الفرائض أفضل من التداوي لأجل الطاعات وكانت به علة عظيمة فلم يكن يتداوى منها وكان يداوي الناس منها وكان اذا رأى العبد يصلى من قعود ولا يستطيع اعمال البر من الامراض فيتداوى للقيام إلى الصلاة والنهوض إلى الطاعات يعجب من ذلك ويقول صلاته من قعود مع الرضا بحاله أفضل من التداوي للقوة والصلاة قائما وسئل عن شرب الدواء فقال كل من دخل في شىء من الدواء فانما هو سعة من الله تعالى لأهل الضعف ومن لم يدخل في شىء فهو افضل لانه ان اخذ شيئا من الدواء ولو كان هو الماء البارد يسئل عنه لم أخذه ومن لم يأخذ فلا سؤال عليه وكان مذهبه ومذهب البصريين تضعيف النفس بالجوع وكسر الشهوات لعلمهم بأن ذرة من اعمال القلوب مثل الصبر والرضا والتوكل افضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح والمرض لا يمنع من أعمال القلوب إلا إذا كان ألمه غالبا مدهشا وقال سهل رحمه الله علل الأجسام رحمة الله وعلل القلوب عقوبة السبب الخامس ان يكون العبد قد سبق له ذنوب وهو خائف منها عاجز عن تكفيرها فيرى المرض اذا طال تكفيرا فيترك التداوي خوفا من أن يسرع زوال المرض فقد قال صلى الله عليه و سلم لا تزال الحمى والمليلة بالعبد حتى يمشي على الأرض كالبردة ما عليه ذنب ولا خطيئة // حديث لا تزال الحمى والمليلة بالعبد حتى يمشي على الأرض كالبردة ما عليه خطيئة أخرجه أبو يعلي وابن عدي من حديث ابي هريرة والطبراني من حديث ابي الدرداء نحوه وقال الصداع بدل الحمى وللطبراني في الأوسط من حديث انس مثل المريض اذا صح وبرأ من مرضه كمثل البردة تقع من السماء تقع في صفائها ولونها وأسانيده ضعيفة // وفي الخبر حمى يوم كفارة سنة // // حديث حمى يوم كفارة سنة رواه القضاعي في مسند الشهاب من حديث ابن مسعود بسند ضعيف وقال ليلة بدل يوم فقيل لأنها تهد قوة سنة وقيل للإنسان ثلثمائة وستون مفصلا فتدخل الحمى جميعها ويجد من كل واحد ألما فيكون كل // حديث ان الله تعالى يجرب عبده بالبلاء كما يجرب احدكم ذهبه الحديث رواه الطبراني من حديث ابي امامة بسند ضعيف

ألم كفارة يوم ولما ذكر صلى الله عليه و سلم كفارة الذنوب بالحمى سأل زيد بن ثابت ربه عز و جل أن لا يزال محموما فلم تكن الحمى تفارقه حتى مات رحمه الله وسأل ذلك طائفة من الأنصار فكانت الحمى لا تزايلهم // حديث لما ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم كفارة الذنوب بالحمى سأل زيد بن ثابت أن لا يزال محموما الحديث وسأل ذلك طائفة من الأنصار : أخرجه أحمد وأبو يعلي من حديث أبي سعيد الخدري باسناد جيد ان رجلا من المسلمين قال يارسول الله ارايت هذه الأمراض تصيبنا مالنا فيها قال كفارات قال أبي : وان قلت قال فان شوكة فما فوقها قال فدعا أبي أن لا يفارقه الوعك حتى يموت الحديث وللطبراني في الأوسط من حديث أبي بن كعب أنه قال يارسول الله ما جزاء الحمى قال تجري الحسنات على صاحبها ما اختلج عليه قدم أو ضرب عليه عرق فقال : اللهم اني أسألك حمى لا تمنعني خروجا في سبيلك ولا خروجا إلى بيتك ولا لمسجد نبيك الحديث والاسناد مجهول قاله علي بن المديني // ولما قال صلى الله عليه و سلم من أذهب الله كريمتيه لم يرض له ثوابا دون الجنة حديث من أذهب الله كريمتيه لم يرضى له ثوابا دون الجنة تقدم المرفوع منه دون قوله قال فلقد كان من الأنصار من يتمنى العمى وقال عيسى عليه السلام لا يكون عالما من لم يفرح بدخول المصائب والأمراض على جسده وماله لما يرجو في ذلك من كفارة خطاياه وروي ان موسى عليه السلام نظر إلى عبد عظيم البلاء فقال : يا رب ارحمه فقال تعالى : كيف أرحمه فيما به أرحمه أي به أكفر ذنوبه وأزيد في درجاته السبب السادس أن يستشعر العبد في نفسه مبادىء البطر والطغيان بطول مدة الصحة فيترك التداوي خوفا من ان يعاجله زوال المرض فتعاوده الغفلة والبطر والطغيان أو طول الأمل والتسويف في تدارك الفائت وتأخير الخيرات فإن الصحة عبارة عن قوة الصفات وبها ينبعث الهوى وتتحرك الشهوات وتدعو إلى المعاصي واقلها ان تدعو إلى التنعم في المباحات وهو تضييع الأوقات واهمال للربح العظيم في مخالفة النفس وملازمة الطاعات واذا أراد الله بعبد خيرا لم يخله عن التنبه بالأمراض والمصائب ولذلك قيل لا يخلو المؤمن من علة أو قلة او زلة
وقد روى وقد روي ان الله تعالى يقول : الفقر سجني والمرض قيدي أحبس به من أحب من خلقي فإذا كان في المرض حبس عن الطغيان وركوب المعاصي فأي خير يزيد عليه ولم ينبغ ان يشتغل بعلاجه من يخاف ذلك على نفسه فالعافية في ترك المعاصي فقد قال بعض العارفين لإنسان كيف كنت بعدي قال في عافية قال ان كنت لم تعص الله عز و جل فأنت في عافية وان كنت قد عصيته فأي داء أدوا من المعصية ما عوفي من عصي الله وقال على كرم الله وجهه لما رأى زينة النبط بالعراق في يوم عيد ما هذا الذي أظهروه قالوا : يا أمير المؤمنين هذا يوم عيد لهم فقال : كل يوم لا يعصى الله عز و جل فيه فهو لنا عيد وقال تعالى من بعد ما أراكم ما تحبون قيل العوافي ان الانسان ليطغى ان رآه استغنى وكذلك اذا استغنى بالعافية قال بعضهم : انما قال فرعون : انا ربكم الأعلى لطول العافية لأنه لبث أربعمائة سنة لم يصدع له رأس ولم يحم له جسم ولم يضرب عليه عرق فادعى الربوبية لعنه الله ولو أخذته الشقيقة يوما لشغلته عن الفضول فضلا عن دعوى الربوبية وقال صلى الله عليه و سلم أكثروا من ذكر هاذم اللذات حديث اكثروا ذكر هاذم اللذات أخرجه الترمذي وقال : حسن غريب والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة وقد تقدم // وقيل : الحمى رائد الموت فهو مذكر له ودافع للتسويف
وقال تعالى أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون قيل يفتنون بأمراض يختبرون بها ويقال أن العبد اذا مرض مرضتين ثم لم يتب قال له ملك الموت : يا غافل جاءك مني رسول بعد رسول فلم تجب

وقد كان السلف لذلك يستوحشون إذا خرج عام ولم يصابوا فيه بنقص في نفس أو مال وقالوا لا يخلو المؤمن في كل أربعين يوما أن يروع روعة أو يصاب ببلية حتى روى أن عمار بن ياسر تزوج امرأة فلم تكن تمرض فطلقها وأن النبي صلى الله عليه و سلم عرض عليه امرأة فحكى من وصفها حتى هم أن يتزوجها فقيل وإنها ما مرضت قط فقال لا حاجة لي فيها // حديث عرضت عليه أمرأة فذكر من وصفها حتى هم أن يتزوجها فقيل فإنها ما مرضت قط قال لا حاجة لي فيها أخرجه أحمد من حديث أنس بنحوه بإسناد جيد وذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم الأمراض والأوجاع كالصداع وغيره فقال رجل وما الصداع ما أعرفه فقال صلى الله عليه و سلم إليك عني من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا وهذا // حديث ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم الأمراض والأوجاع كالصداع وغير فقال رجل وما الصداع ما أعرفه فقال إليك عنى الحديث رواه أبو داود من حديث عارم البرام أخي الحضر بنوه وفي إسناده من لم يسم لانه ورد في الخبر الحمى حظ كل مؤمن من النار حديث الحمى حظ كل مؤمن من النار رواه البزار من حديث عائشة وأحمد ومن حديث عائشة وأحمد من حديث أبي أمامة والطبراني في الأوسط من حديث أنس وأبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن مسعود وحديث أنس ضعيف وباقيها حسان وفي حديث أنس وعائشة رضي الله عنهما قيل يا رسول الله هل يكون مع الشهداء يوم القيامة غيرهم قال نعم من ذكر الموت كل يوم عشرين مرة حديث أنس وعائشة حديث أنس وعائشة قيل يا رسل الله هل يكون مع الشهداء يوم القيامة غيرهم فقال نعم من ذكر الموت كل يوم عشرين مرة لم أقف له على إسناده // وفي لفظ آخر الذي يذكر ذنوبه فتحزنه ولا شك في أن ذكر الموت على المريض أغلب فلما أن كثرت فوائد المرض رأى جماعة ترك الحيلة في زوالها إذ رأوا لأنفسهم مزيدا فيها لا من حيث رأوا التداوي نقصانا وكيف يكون نقصانا وقد فعل ذلك صلى الله عليه و سلم
بيان الرد على من قال : ترك التداوي أفضل بكل حال
فلو قال قائل : انما فعله رسول الله صلى الله عليه و سلم ليسن لغيره والا فهو حال الضعفاء ودرجة الأقوياء توجب التوكل بترك الدواء فيقال : ينبغي أن يكون من شروط التوكل ترك الحجامة والفصد عند تبغ الدم
فإن قيل : إن ذلك أيضا شرط فليكن من شرطه أن تلدغه العقرب أو الحية فلا ينحيها عن نفسه إذ الدم يلدغ الباطن والعقرب تلدغ الظاهر فأي فرق بينهما فإن قال : وذلك أيضا شرط التوكل فيقال : ينبغي أن لا يزيل لدغ العطش بالماء ولدغ الجوع بالخبز ولدغ البرد بالجبة وهذا لا قائل به
ولا فرق بين هذه الدرجات فإن جميع ذلك أسباب رتبها مسبب الأسباب سبحانه وتعالى وأجرى بها سنته ويدل على أن ذلك ليس من شرط التوكل ما روى عن عمر رضي الله عنه وعن الصحابه في قصة الطاعون فإنهم لما قصدوا الشام وانتهوا إلى الجابية بلغهم الخبر أن به موتا عظيما ووباء ذريعا فافترق الناس فرقتين فقال بعضهم لا ندخل على الوباء فنلقى بأيدينا إلى التهلكة وقالت طائفة أخرى : بل ندخل ونتوكل ولا نهرب من قدر الله تعالى ولا نفر من الموت فنكون كمن قال الله تعالى فيهم ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فرجعوا إلى عمر فسألوه عن رأيه فقال نرجع ولا ندخل على الوباء فقال له المخالفون في رأيه أنفر من قدر الله تعالى قال عمر نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله ثم ضرب لهم مثلا فقال أرأيتم لو كان لأحدكم غنم فهبط واديا له شعبتان : إحداهما مخصبة : والأخرى مجدبة أليس إن رعى المخصبة رعاها بقدر الله تعالى وإن رعى المجدبة رعاها بقدر الله تعالى فقالوا : نعم ثم طلب عبد الرحمن بن عوف ليسأله عن رأيه وكان غائبا فلما أصبحوا جاء

عبد الرحمن فسأله عمر عن ذلك فقال : عندي فيه يا أمير المؤمنين شىء سمعته من رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال عمر : الله أكبر فقال عبد الرحمن : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول اذا سمعتم بالوباء في أرض فلا تقدموا عليه واذا وقع في أرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه // حديث عبدالرحمن بن عوف إذا سمعتم بالوباء في أرض فلا تقدموا عليه الحديث وفي أوله قصة خروج عمرو بالناس إلى الجابيه وأنه بلنهم أن بالشام وباء الحديث رواه البخاري ففرح عمر رضي الله عنه بذلك وحمد الله تعالى إذ وافق رأيه ورجع من الجابية بالناس فإذن كيف اتفق الصحابة كلهم على ترك التوكل وهو من أعلى المقامات إن كان أمثال هذا من شروط التوكل
فإن قلت : فلم نهى عن الخروج من البلد الذي فيه الوباء وسبب الوباء في الطب الهواء وأظهر طرق التداوي الفرار من المضر والهواء هو المضر وترك التوكل في أمثال هذا مباح وهذا لا يدل على المقصود ولكن الذي ينقدح فيه والعلم عند الله تعالى أن الهواء لا يضر من حيث إنه يلاقى ظاهر البدن بل من حيث دوام الاستنشاق له فانه اذا كان فيه عفونة ووصل إلى الرئة والقلب وباطن الأحشاء أثر فيها بطول الاستنشاق فلا يظهر الوباء على الظاهر إلا بعد طول التأثير في الباطن فالخروج من البلد لا يخلص غالبا من الأثر الذي استحكم من قبل ولكن يتوهم الخلاص فيصير هذا من جنس الموهومات كالرقي والطيرة وغيرهما ولو تجرد هذا المعنى لكان مناقضا للتوكل ولم يكن منهيا عنه ولكن صار منهيا عنه لانه انضاف اليه أمر آخر وهو أنه لو رخص للأصحاء في الخروج لما بقي في البلد إلا المرضى الذين أقعدهم الطاعون فانكسرت قلوبهم وفقدوا المتعهدين ولم يبق في البلد من يسقيهم الماء ويطعمهم الطعام وهم يعجزون عن مباشرتهما بأنفسهم فيكون ذلك سعيا في اهلاكهم تحقيقا وخلاصهم منتظر كما أن خلاص الأصحاء منتظر فلو أقاموا لم تكن الاقامة قاطعة بالموت ولو خرجوا لم يكن الخروج قاطعا بالخلاص وهو قاطع في اهلاك الباقين والمسلمون كالبنيان يشد بعضه بعضا والمؤمنون كالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى اليه سائر أعضائه فهذا هو الذي ينقدح عندنا في تعليل النهي وينعكس هذا فيمن لم يقدم بعد على البلد فانه لم يؤثر الهواء في باطنهم ولا بأهل البلد حاجة إليهم نعم لو لم يبق بالبلد إلا مطعونون وافتقروا إلى المتعهدين وقدم عليهم قوم فربما كان ينقدح استحباب الدخول ههنا لأجل الإعانة ولا ينهى عن الدخول لأنه تعرض لضرر موهوم على رجاء دفع ضرر عن بقية المسلمين وبهذا شبه الفرار من الطاعون في بعض الأخبار بالفرار من الزحف // حديث تشبيه الفرار من الطاعون بالفار من الزحف رواه أحمد من حديث عائشة بإسناد جيد ومن حديث جابر بإسناد ضعيف وقد تقدم لأن فيه كسرا لقلوب بقية المسلمين وسعيا في اهلاكهم فهذه أمور دقيقة فمن لا يلاحظها وينظر إلى ظواهر الأخبار والآثار يتناقض عنده أكثر ما سمعه وغلط العباد والزهاد فى مثل هذا كثير وانما شرف العلم وفضيلته لأجل ذلك فإن قلت : ففي ترك التداوي فضل كما ذكرت فلم لم يترك رسول الله صلى الله عليه و سلم التداوي لينال الفضل فنقول : فيه فضل بالإضافة إلى من كثرت ذنوبه ليكفرها أو خاف على نفسه طغيان العافية وغلبة الشهوات أو احتاج إلى ما يذكره الموت لغلبة الغفلة أو احتاج إلى نيل ثواب الصابرين لقصوره عن مقامات الراضين والمتوكلين أو قصرت بصيرته عن الاطلاع على ما أودع الله تعالى في الأدوية من لطائف المنافع حتى صار في حقه موهوما كالرقى أو كان شغله بحاله يمنعه عن التداوي وكان التداوي يشغله عن حاله لضعفه عن الجمع فإلى هذه المعاني رجعت الصوارف في ترك التداوي وكل ذلك كمالات بالإضافة إلى بعض الخلق ونقصان بالإضافة إلى درجة رسول الله صلى الله عليه و سلم بل كان مقامه أعلى من هذه المقامات كلها إذ كان حاله يقتضى أن تكون // حديث عبد الرحمن بن عوف اذا سمعتم بالوباء في أرض فلا تقدموا عليه الحديث وفي أوله قصة خروج عمر بالناس إلى الجابية وأنه بلغهم أن بالشام وباء الحديث رواه البخاري // حديث تشبيه الفرار من الطاعون بالفار من الزحف رواه أحمد من حديث عائشة بإسناد جيد ومن حديث جابر باسناد ضعيف وقد تقدم

مشاهدته على وتيرة واحدة عند وجود الأسباب وفقدها فانه لم يكن له نظر في الأحوال الا إلى مسبب الأسباب ومن كان هذا مقامه لم تضره الأسباب كما أن الرغبة في المال نقص والرغبة عن المال كراهية له وان كانت كمالا فهي أيضا نقص بالإضافة إلى من يستوي عنده وجود المال وعدمه فاستواء الحجر والذهب أكمل من الهرب من الذهب دون الحجر وكان حاله صلى الله عليه و سلم استواء المدر والذهب عنده وكان لايمسكه لتعليم الخلق مقام الزهد فانه منتهى قوتهم لا لخوفه على نفسه من امساكه فانه كان أعلى رتبة من أن تغره الدنيا وقد عرضت عليه خزائن الأرض فأبى أن يقبلها فكذلك يستوى عنده مباشرة الأسباب وتركها لمثلهذه المشاهده وإنما لم يترك استعمال الدواء جريا على سنة الله تعالى وترخيصا لأمته فيما تمس إليه حاجتهم مع أنه لا ضرر فيه بخلاف ادخار الأموال فإن ذلك يعظم ضرره نعم التداوي لا يضر الامن حيث رؤية الدواء نافعا دون خالق الدواء وهذا قد نهى عنه ومن حيث أنه يقصد به الصحة ليستعان بها على المعاصي وذلك منهى عنه والمؤمن في غالب الأمر لا يقصد ذلك وأحد من المؤمنين لا يرى الدواء نافعا بنفسه بل من حيث إنه جعله الله تعالى سببا للنفع كما لا يرى الماء مروريا ولا الخبز مشبعا فحكم التداوي في مقصوده كحكم الكسب فانه ان اكتسب للاستعانة على الطاعة أو على المعصية كان له حكمها وان اكتسب للتنعم المباح فله حكمه فقد ظهر بالمعاني التي أوردناها أن ترك التداوي قد يكون أفضل في بعض الأحوال وأن التداوي قد يكون أفضل في بعض وأن ذلك يختلف باختلاف الاحوال والأشخاص والنيات وأن واحدا من الفعل والترك ليس شرطا في التوكل الا ترك الموهومات كالكي والرقى فإن ذلك تعمق في التدبيرات لا يليق بالمتوكلين
بيان أحوال المتوكلين في إظهار المرض وكتمانه
أعلم أن كتمان المرض وإخفاء الفقر وأنواع البلاء من كنوز البر وهو من أعلى المقامات : لأن الرضا بحكم الله والصبر على بلائه معاملة بينه وبين الله عز و جل فكتمانه أسلم عن الآفات
ومع هذا فالإظهار لا بأس به إذا صحت فيه النية والمقصد ومقاصد الإظهار ثلاثة : الأول : أن يكون غرضه التداوي فيحتاج إلى ذكره للطبيب فيذكره لا في معرض الشكاية بل في معرض الحكاية لما ظهر عليه من قدرة الله تعالى فقد كان بشر يصف لعبد الرحمن المطبب أوجاعه وكان أحمد بن حنبل يخبر بأمراض يجدها ويقول : انما أصف قدرة الله تعالى في
الثاني : أن يصف لغير الطبيب وكان ممن يقتدى به وكان مكينا في المعرفة فأراد من ذكره أن يتعلم منه حسن الصبر في المرض بل حسن الشكر بأن يظهر أنه يرى أن المرض نعمة فيشكر عليها فيتحدث به كما يتحدث بالنعم قال الحسن البصري : اذا حمد المريض الله تعالى وشكره ثم ذكر أوجاعه لم يكن ذلك شكوى
الثالث : أن يظهر بذلك عجزه وافتقاره إلى الله تعالى وذلك يحسن ممن تليق به القوة والشجاعة ويستبعد منه العجز كما روى أنه قيل لعلي في مرضه رضي الله عنه كيف أنت قال : بشر فنظر بعضهم إلى بعض كأنهم كرهوا ذلك وظنوا أنه شكاية فقال : أتجلد على الله فأحب أن يظهر عجزه وافتقاره مع ما علم به من القوة والضراوة وتأدب فيه بأدب النبي صلى الله عليه و سلم إياه حيث مرض علي كرم الله وجهه فسمعه // حديث : أنه عرضت عليه خزائن الأرض فأبى ان يقبلها ولفظه : عرضت عليه مفاتيح خزائن السماء وكنوز الأرض فردها

عليه السلام وهو يقول : اللهم صبرني على البلاء فقال له صلى الله عليه و سلم لقد سألت الله تعالى البلاء فسل الله العافية // حديث مرض على فسمعه رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يقول اللهم صبرني على البلاء فقال لقد سألت الله البلاء فسل الله العافيه تقدم مع إختلاف
فبهذه النيات يرخص في ذكر المرض وإنما يشترط ذلك لأن ذكره شكاية والشكوى من الله تعالى حرام كما ذكرته في تحريم السؤال على الفقراء الا بضرورة ويصير الإظهار شكاية بقرينة السخط وإظهار الكراهة لفعل الله تعالى فإن خلا عن قرينه السخط وعن النيات التي ذكرناها فلا يوصف بالتحريم ولكن يحكم فيه بأن الأولى تركه لأنه ربما يوهم الشكاية ولأنه ربما يكون فيه تصنع ومزيد في الوصف على الموجود من العلة ومن ترك التداوي توكلا فلا وجه في حقه للإظهار لأن الاستراحة إلى الدواء أفضل من الاستراحة إلى الإفشاء وقد قال بعضهم : من بث لم يصبر وقيل في معنى قوله فصبرجميل لا شكوى فيه وقيل ليعقوب عليه السلام : ما الذي أذهب بصرك قال مر الزمان وطول الأحزان فأوحى الله تعالى اليه تفرغت لشكواي إلى عبادي فقال يا رب أتوب إليك : وروي عن طاوس ومجاهد أنهما قالا : يكتب على المريض أنينه في مرضه وكانوا يكرهون أنين المرض لأنه إظهار معنى يقتضي الشكوى حتى قيل ما أصاب إبليس لعنه الله من أيوب عليه السلام إلا أنينه في مرضه فجعل الأنين حظه منه وفي الخبر اذا مرض العبد أوحى الله تعالى إلى الملكين انظرا ما يقول لعواده فإن حمد الله وأثنى بخير دعوا له وأن شكا وذكر شرا قالا كذلك تكون // حديث إذا مرض العبد أوحى الله إلى الملكين انظر ما يقول لعواده الحديث تقدم وإنما كره بعض العباد العيادة خشية الشكاية خوف الزيادة في الكلام فكان بعضهم اذا مرض أغلق بابه فلم يدخل عليه أحد حتى يبرأ فيخرج إليهم منهم : فضيل ووهيب وبشر وكان فضيل يقول : اشتهي أن أمرض بلا عواد وقال : لا أكره العلة الا لأجل العواد رضي الله عنه وعنهم أجمعين كمل كتاب التوحيد والتوكل بعون الله وحسن توفيقه يتلوه إن شاء الله تعالى :
كتاب المحبة والشوق والأنس والرضا
والله سبحانه وتعالى الموفق كتاب المحبة والشوق والأنس والرضا وهو الكتاب السادس من ربع المنجيات من كتاب إحياء علوم الدين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي نزه أوليائه عن الالتفات إلى زخرف الدنيا ونضرته وصفى أسراهم من ملاحظة غير حضرته ثم استخلصها للعكوف على بساط عزته ثم تجلى لهم بأسمائه وصفاته حتى أشرقت بأنوار معرفته ثم // حديث مرض علي فسمعه رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يقول : اللهم صبرني على البلاء فقال لقد سألت الله البلاء فسل الله العافية تقدم مع اختلاف // حديث اذا مرض العبد أوحى الله إلى الملكين انظرا ما يقول لعواده الحديث تقدم

كشف لهم عن سبحات وجهه حتى احترقت بنار محبته ثم احتجب عنها بكنه جلاله حتى تاهت في بيداء كبريائه وعظمته فكلما اهتزت لملاحظة كنه الجلال غشيها من الدهش ما اغبر في وجه العقل وبصيرته وكلما همت بالانصراف آيسة نوديت من سرادقات الجمال صبرا أيها الآيس عن نيل الحق بجهله وعجلته فبقيت بين الرد والقبول والصد والوصول غرقى في بحر معرفته ومحترقة بنار محبته والصلاة على محمد خاتم الأنبياء بكمال نبوته وعلى آله وأصحابه سادة الخلق وأئمته وقادة الحق وأزمته وسلم كثيرا
أما بعد : فان المحبة لله هي الغاية القصوى من المقامات والذروة العليا من الدرجات فما بعد إدراك المحبة مقام إلا وهو ثمرة من ثمارها وتابع من توابعها كالشوق والأنس والرضا وأخواتها ولا قبل المحبة مقام إلا وهو مقدمة من مقدماتها كالتوبة والصبر والزهد وغيرها وسائر المقامات إن عز وجودها فلم تخل القلوب عن الإيمان بإمكانها وأما محبة الله تعالى فقد عز الإيمان بها حتى أنكر بعض العلماء إمكانها وقال : لا معنى لها إلا المواظبة على طاعة الله تعالى وأما حقيقة المحبة فمحال إلا مع الجنس والمثال ولما أنكروا المحبة أنكروا الأنس والشوق ولذة المناجاة وسائر لوازم الحب وتوابعه ولا بد من كشف الغطاء عن هذا الأمر
ونحن نذكر في هذا الكتاب : بيان شواهد الشرع في المحبة ثم بيان حقيقتها وأسبابها ثم بيان أن لا مستحق للمحبة إلا الله تعالى ثم بيان أن أعظم اللذات لذة النظر إلى وجه الله تعالى ثم بيان سبب زيادة لذة النظر في الآخرة على المعرفة في الدنيا ثم بيان الأسباب المقوية لحب الله تعالى ثم بيان السبب في تفاوت الناس في الحب ثم بيان السبب في قصور الأفهام عن معرفة الله تعالى ثم بيان معنى الشوق ثم بيان محبة الله تعالى للعبد ثم القول في علامات محبة العبد لله تعالى ثم بيان معنى الأنس بالله تعالى ثم بيان معنى الانبساط في الأنس ثم القول في معنى الرضا وبيان فضيلته ثم بيان حقيقته ثم بيان أن الدعاء وكراهة المعاصي لا تناقضه وكذا الفرار من المعاصي ثم بيان حكايات وكلمات للمحبين متفرقة فهذه جميع بيانات هذا الكتاب
بيان شواهد الشرع في حب العبد لله تعالى
أعلم أن الأمة مجمعة على أن الحب لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه و سلم فرض وكيف يفرض مالا وجود له وكيف يفسر الحب بالطاعة والطاعة تبع الحب وثمرته فلا بد وأن يتقدم الحب ثم بعد ذلك يطيع من أحب ويدل على إثبات الحب لله تعالى قوله عز و جل يحبهم ويحبونه وقوله تعالى والذين آمنوا أشد حبا لله وهو دليل على إثبات الحب واثبات التفاوت فيه وقد جعل رسول الله صلى الله عليه و سلم الحب لله من شرط الإيمان في أخبار كثيرة إذ قال أبو رزين العقيلى : يا رسول الله ما الإيمان قال أن يكون الله ورسوله أحب إليك مما سواهما // حديث أبو رزين العقيلي أنه قال يا رسول الله مالإيمان قال أن يكون الله ورسوله أحب إليك مما سواهما أخرجه أحمد بزيادة في أوله وفي حديث آخر لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما // حديث لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما متفق عليه من حديث أنس بلفظ لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى أكون أحب إليه من أهلاه وماله وذكر بزيادة // وفي حديث آخر لا يؤمن العبد حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين // حديث لا يؤمن العبد حتى أكون أحب إليه من أهله وماله ونفسه والناس أجمعين وفي رواية ومن نفسه متفق عليه من حديث أنس واللفظ لمسلم دون قوله ومن نفسه وقال البخاري من والده وولده وله من حديث عبد الله بن هشام : قال عمر يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شىء إلا نفسي فقال لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال عمر : فأنت الآن والله أحب إلي من نفسي فقال : الآن يا عمر

نفسه كيف وقد قال تعالى قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وأخوانكم الآية وانما أجرى ذلك في معرض التهديد والإنكار وقد أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمحبة فقال أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله إياي // // حديث أحبوا الله لما غدوكم به من نعمه الحديث أخرجه الترمذي من حديث ابن عباس وقال حسن غريب ويروى أن رجلا قال : يا رسول الله أني أحبك فقال صلى الله عليه و سلماستعد للفقر فقال إني أحب الله تعالى فقال استعد للبلاء // // حديث ان رجلا قال يا رسول الله أني أحبك فقال استعد للفقر الحديث أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن منفل بلف فأعد للفقر تجفاف دون أخر الحديث وقال حسن غريب وعن عمر رضى الله عنه قال : نظر النبي صلى الله عليه و سلم إلى مصعب بن عمير مقبلا وعليه إهاب كبش قد تنطق له فقال النبي صلى الله عليه و سلمانظروا إلى هذا الرجل الذي نور الله قلبه لقد رأيته بين أبويه يغذوانه بأطيب الطعام والشراب فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون // // حديث عمر قال نظر النبي صلى الله عليه و سلم إلى مصعب بن عمير مقبلا وعليه أهاب كبش قد تنطق به الحديث أخرجه أبو نعيم في الحلية باسناد حسن
وفي الخبر المشهور إن إبراهيم عليه السلام قال لملك الموت إذ جاءه لقبض روحه : هل رأيت خليلا يميت خليله فأوحى الله تعالى إليه : هل رأيت محبا يكره لقاء حبيبه فقال يا ملك الموت الآن فاقبض // // حديث ان ابراهيم قال لملك الموت اذا جاءه ليقبض روحه هل رأبت خلالا يقبض خليله الحديث لم أجد له أصلا // حديث اللهم ارزقني حبك وحب من يحبك الحديث تقدم وهذا لا يجده إلا عبد يحب الله بكل قلبه فإذا علم أن الموت سبب اللقاء انزعج قلبه إليه ولم يكن له محبوب غيره حتى يلتفت إليه
وقد قال نبينا صلى صلى الله عليه و سلم في دعائه اللهم ارزقني حبك وحب من أحبك وحب ما يقربني إلى حبك واجعل حبك أحب إلى من الماء البارد // حديث قال أعرابي يا رسول الله متى الساعة قال ما أعددت لها الحديث متفق عليه من حديث أنس ومن حديث أبي موسى وابن مسعود بنحوه وجاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه و سلم وسلم فقال : يا رسول الله متى الساعة قال ما أعددت لها فقال : ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام إلا أني أحب الله ورسوله فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلمالمرء مع من أحب قال انس : فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام فرحهم بذلك وقال أبو بكر الصديق رضى الله عنه من ذاق من خالص محبة الله تعالى شغله ذلك عن طلب الدنيا وأوحشه عن جميع البشر وقال الحسن : من عرف ربه أحبه ومن عرف الدنيا زهد فيها والمؤمن لا يلهو حتى يغفل فإذا تفكر حزن وقال أبو سليمان الدارانى : إن من خلق الله خلقا ما يشغلهم الجنان وما فيها من النعيم عنه فكيف يشتغلون عنه بالدنيا
ويروى أن عيسى عليه السلام مر بثلاثة نفر قد نحلت أبدانهم وتغيرت ألوانهم فقال لهم : ما الذي بلغ بكم ما أرى فقالوا الخوف من النار فقال : حق على الله أن يؤمن الخائف ثم جاوزهم إلى ثلاثة آخرين فإذا هم أشد نحولا وتغيرا فقال : ما الذي بلغ بكم ما أرى قالوا : الشوق إلى الجنة فقال حق على الله أن يعطيكم ما ترجون ثم جاوزهم إلى ثلاثة آخرين فإذا هم أشد نحولا وتغيرا كان وجوههم المرائي من النور فقال : ما الذي بلغ بكم ما أرى قالوا : نحب الله عز و جل فقال انتم المقربون انتم المقربون وقال عبد الواحد بن زيد : مررت برجل قائم في الثلج فقلت أما تجد البرد فقال من شغله حب الله لم يجد البرد
وعن سرى السقطى : تدعى الأمم يوم القيامة بأنبيائها عليهم السلام فيقال يا أمة موسى ويا أمة عيسى ويا أمة محمد غير المحبين لله تعالى فانهم ينادون يا أولياء الله هلموا إلى الله سبحانه فتكاد قلوبهم تنخلع فرحا

وقال هرم بن حيان : المؤمن إذا عرف ربه عز و جل أحبه وإذا أحبه أقبل إليه وإذا وجد حلاوة الإقبال إليه لم ينظر إلى الدنيا بعين الشهوة ولم ينظر إلى الآخرة بعين الفترة وهي تحسره في الدنيا وتروحه في الآخرة وقال يحي ابن معاذ عفوه يستغرق الذنوب فكيف رضوانه ورضوانه يستغرق الآمال فكيف حبه وحبه يدهش العقول فكيف وده ووده ينسى ما دونه فكيف لطفه وفي بعض الكتب عبدي أنا وحقك لك محب فبحقي عليك كن لي محبا وقال يحي بن معاذ : مثقال خردلة من الحب احب إلي من عبادة سبعين سنة بلا حب وقال يحي بن معاذ إلهي إني مقيم بفنائك مشغول بثنائك صغيرا أخذتني إليك وسربلتني بمعرفتك وامكنتني من لطفك ونقلتني في الأحوال وقلبتني في الأعمال سترا وتوبة وزهدا وشوقا ورضا وحبا تسقيني من حياضك وتهملني في رياضك ملازما لأمرك ومشغوفا بقولك ولما طر شاربي ولاح طائري فكيف أنصرف اليوم عنك كبيرا وقد اعتدت هذا منك صغيرا فلي ما بقيت حولك دندنة وبالضراعة إليك همهمة لأني محب وكل محب بحبيبه مشغوف وعن غير حبيبه مصروف وقد ورد في حب الله تعالى من الأخبار والآثار مالا يدخل في حصر حاصر وذلك أمر ظاهر وانما الغموض في تحقيق معناه فلنشتغل به
بيان حقيقة المحبة وأسبابها وتحقيق معنى محبة العبد لله تعالى
اعلم أن المطلب من هذا الفصل لا ينكشف إلا بمعرفة حقيقة المحبة في نفسها ثم معرفة شروطها وأسبابها ثم النظر بعد ذلك في تحقيق معناها في حق الله تعالى : فأول ما ينبغي أن يتحقق انه لا يتصور محبة إلا بعد معرفة وأدراك إذ لا يحب الإنسان إلا ما يعرفه ولذلك لم يتصور أن يتصف بالحب جماد بل هو من خاصية الحي المدرك ثم المدركات في انقسامها تنقسم إلى ما يوافق طبع المدرك ويلائمه ويلذه والى ما ينافيه وينافره ويؤلمه والى ما لا يؤثر فيه بإيلام والذاذ فكل ما في إدراكه لذة وراحة فهو محبوب عند المدرك وما في إدراكه ألم فهو مبغوض عند المدرك وما يخلو عن استعقاب ألم ولذة لا يوصف بكونه محبوبا ولا مكروها فإذن كل لذيذ محبوب عند الملتذ به ومعنى كونه محبوبا أن في الطبع ميلا إليه ومعنى كونه مبغوضا أن في الطبع نفره عنه فالحب عبارة عن ميل الطبع إلى الشيء الملذ فان تأكد ذلك الميل وقوى سمي عشقا والبغض عبارة عن نفره الطبع عن المؤلم المتعب فإذا قوى سمى مقتا فهذا أصل في حقيقة معنى الحب لا بد من معرفته
الأصل الثاني أن الحب لما كان تابعا للإدراك والمعرفة انقسم لا محالة بحسب انقسام المدركات والحواس فلكل حاسة إدراك لنوع من المدركات ولكل واحد منها لذة في بعض المدركات وللطبع بسبب تلك اللذة ميل إليها فكانت محبوبات عند الطبع السليم فلذة العين في الإبصار وإدراك المبصرات الجميلة والصور المليحة الحسنة المستلذة ولذة الأذن في النغمات الطيبة الموزونة ولذة الشم في الروائح الطيبة ولذة الذوق في الطعوم ولذة اللمس في اللين والنعومة
ولما كانت هذه المدركات بالحواس ملذة كانت محبوبة أى كان للطبع السليم ميل إليها حتى قال رسول صلى الله عليه و سلمحبب إلي من دنياكم ثلاث : الطيب والنساء وجعل قرة عيني في الصلاة فسمى الطيب محبوبا ومعلوم انه لا حظ للعين والسمع فيه بل للشم فقط وسمى النساء محبوبات ولاحظ فبهن إلا للبصر واللمس دون // حديث حبب إلي من دنياكم ثلاث : الطيب والنساء أخرجه النسائي من حديث أنس دون قوله ثلاث وقد تقدم

الشم والذوق والسمع وسمى الصلاة قرة عين وجعلها أبلغ المحبوبات ومعلوم انه ليس تحظى بها الحواس الخمس بل حس سادس مظنته القلب لا يدركه إلا من كان له قلب ولذات الحواس الخمس تشارك فيها البهائم الإنسان فان كان الحب مقصورا على مدركات الحواس الخمس حتى يقال إن الله تعالى لا يدرك بالحواس ولا يتمثل في الخيال فلا يحب فإذن قد بطلت خاصية الإنسان وما تميز به من الحس السادس الذي يعبر عنه إما بالعقل أو بالنور أو بالقلب أو بما شئت من العبارات فلا مشاحة فيه وهيهات فالبصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر والقلب اشد إدراكا من العين وجمال المعاني المدركة بالعقل اعظم من جمال الصور الظاهرة للأبصار فتكون لا محالة لذة القلب بما يدركه من الأمور الشريفة الإلهية التي تجل عن أن تدركها الحواس أتم وأبلغ فيكون ميل الطبع السليم والعقل الصحيح إليه أقوى ولا معنى للحب إلا الميل إلى ما في إدراكه لذة كما سيأتي تفصيله فلا ينكر إذن حب الله تعالى إلا من قعد به القصور في درجة البهائم فلم يجاوز إدراك الحواس أصلا
الأصل الثالث أن الإنسان لا يخفى انه يحب نفسه ولا يخفى انه قد يحب غيره لاجل نفسه وهل يتصور آن يحب غيره لذاته لا لاجل نفسه هذا مما قد يشكل على الضعفاء حتى يظنون انه لا يتصور أن يحب الإنسان غيره لذاته ما لم يرجع منه حظ إلى المحب سوى إدراك ذاته والحق أن ذلك متصور وموجود فلنبين أسباب المحبة وأقسامها وبيانه أن المحبوب الأول عند كل حي نفسه وذاته ومعنى حبه لنفسه آن في طبعه ميلا إلى دوام وجوده ونفرة عن عدمه وهلاكه لان المحبوب بالطبع هو الملائم للمحب وأي شىء أتم ملاءمة من نفسه ودوام وجوده وأي شىء أعظم مضادة ومنافرة له من عدمه وهلاكه فلذلك يحب الإنسان دوام الوجود ويكره الموت والقتل لا لمجرد ما يخافه بعد الموت ولا لمجرد الحذر من سكرات الموت بل لو اختطف من غير آلم وأميت من غير ثواب ولا عقاب لم يرض به وكان كارها لذلك ولا يحب الموت والعدم المحض إلا لمقاساة ألم في الحياة ومهما كان مبتلى ببلاء فمحبوبه زوال البلاء فان أحب العدم لم يحبه لأته عدم بل لان فيه زوال البلاء فالهلاك والعدم ممقوت ودوام الوجود محبوب وكما أن دوام الوجود محبوب فكمال الوجود أيضا محبوب لان الناقص فاقد للكمال والنقص عدم بالإضافة إلى القدر المفقود وهو هلاك بالنسبة إليه والهلاك والعدم ممقوت في الصفات وكمال الوجود كما انه ممقوت في اصل الذات ووجود صفات الكمال محبوب كما أن دوام اصل الوجود محبوب وهذه غريزة في الطباع بحكم سنة الله تعالى ولن تجد لسنة الله تبديلا
فإذن المحبوب الأول للإنسان ذاته ثم سلامة أعضاءه ثم ماله وولده وعشيرته وأصدقائه فالأعضاء محبوبة وسلامتها مطلوبة لان كمال الوجود ودوام الوجود موقوف عليها والمال محبوب لانه أيضا آلة في دوام الوجود وكماله وكذا سائر الأسباب فالإنسان يحب هذه الأشياء لا لأعيانها بل لارتباط حظه في دوام الوجود وكماله بها حتى انه ليحب ولده وان كان لا يناله منه حظ بل يتحمل المشاق لأجله لانه يخلفه في الوجود بعد عدمه فيكون في بقاء نسله نوع بقاء له فلفرط حبه في بقاء نفسه يحب بقاء من هو قائم مقامه وكأنه جزء منه لما عجز عن الطمع في بقاء نفسه أبدا نعم لو خير بين قتله وقتل ولده وكان طبعه باقيا على اعتداله آثر بقاء نفسه على بقاء ولده لان بقاء ولده يشبه بقاءه من وجه وليس هو بقاء المحقق وكذلك حبه لأقاربه وعشيرته يرجع إلى حبه لكمال نفسه فانه يرى نفسه كثيرا بهم قويا بسببهم متجملا بكمالهم فان العشيرة والمال والأسباب الخارجة كالجناح المكمل للانسان وكمال الوجود ودوامه محبوب بالطبع لا محالة فإذن المحبوب الاول عند كل حي ذاته وكمال ذاته ودوام

ذلك كله والمكروه عنده ضد ذلك فهذا هو أول الأسباب
السبب الثاني : الإحسان فان الإنسان عبد الإحسان وقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها وقال رسول الله صلى الله عليه و سلماللهم لا تجعل لفاجر على يدا فيحبه قلبي // حديث اللهم لا تجعل لكافر على يدا فيحبه قلبي رواه أبو منصور الديلمي مسند الفردوس : من حديث معاذ بن جبل بسند ضعيف منقطع وقد تقدم إشارة إلى ان حب القلب للمحسن اضطرارا لا يستطاع دفعه وهو جبلة وفطرة لا سبيل إلى تغييرها وبهذا السبب قد يحب الإنسان الأجنبي الذي لا قرابة بينه وبينه ولا علاقة وهذا إذا حقق رجع إلى السبب الأول فان المحسن من أمد بالمال والمعونة وسائر الأسباب الموصلة إلى دوام الوجود وكمال الوجود وحصول الحظوظ التي بها يتهيأ الوجود إلا أن الفرق أن أعضاء الإنسان محبوبة لان بها كمال وجوده وهى عين الكمال المطلوب فأما المحسن فليس هو عين الكمال المطلوب ولكن قد يكون سببا له كالطبيب يكون سببا فى دوام صحة الأعضاء ففرق بين حب الصحة وبين حب الطبيب الذى هو سبب الصحة إذ الصحة مطلوبة لذاتها والطبيب محبوب لا لذاته بل لأنه سبب الصحة وكذلك العلم محبوب والأستاذ محبوب ولكن العلم محبوب لذاته والأستاذ محبوب لكونه سبب العلم المحبوب وكذلك الطعام والشراب محبوب والدنانير محبوبة لكن الطعام محبوب لذاته والدنانير محبوبة لأنها وسيلة إلى الطعام فإذن يرجع الفرق إلى تفاوت الرتبة وإلا فكل واحد يرجع إلى محبة الإنسان نفسه فكل من احب المحسن لإحسانه فما احب ذاته تحقيقا بل احب إحسانه وهو فعل من أفعاله لو زال زال الحب مع بقاء ذاته تحقيقا ولو نقص نقص الحب ولو زاد زاد ويتطرق اليه الزيادة والنقصان بحسب زيادة الإحسان ونقصانه
السبب الثالث : أن يحب الشيء لذاته لا لحظ ينال منه وراء ذاته بل تكون ذاته عين حظه وهذا هو الحب الحقيقي البالغ الذي يوثق بدوامه وذلك كحب الجمال والحسن فان كل جمال محبوب عند مدرك الجمال وذلك لعين الجمال لان إدراك الجمال فيه عين اللذة واللذة محبوبة لذاتها لا لغيرها ولا تظنن أن حب الصور الجميلة لا يتصور إلا لأجل قضاء الشهوة فان قضاء الشهوة لذة أخرى قد تحب الصور الجميلة لأجلها وإدراك نفس الجمال أيضا لذيذ فيجوز أن يكون محبوبا لذاته وكيف ينكر ذلك والخضرة والماء الجاري محبوب لا ليشرب الماء وتؤكل الخضرة أو ينال منها حظ سوى نفس الرؤية وقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يعجبه الخضرة والماء الجاري // حديث : كان يعجبه الخضرة والماء الجاري أخرجه أبو نعيم في الطب النبوي من حديث ابن عباس ان النبي صلى الله عليه و سلم كان يحب أن ينظر إلى الخضرة وإلى الماء الجاري وإسناده ضعيف // والطباع السليمة قاضية باستلذاذ النظر إلى الأنوار والأزهار والأطيار المليحة الألوان الحسنة النقش المتناسبة الشكل حتى أن الإنسان لتنفرج عنه الغموم والهموم بالنظر إليها لا لطلب حظ وراء النظر فهذه الأسباب ملذة وكل لذيذ محبوب وكل حسن وجمال فلا يخلو إدراكه عن لذة ولا أحد ينكر كون الجمال محبوبا بالطبع فان ثبت أن الله جميل كان لا محالة محبوبا عند من انكشف له جماله وجلاله كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلمان الله جميل يحب الجمال // حديث إن الله جميل يحب الجمال رواه مسلم في أثناء حديث لابن مسعود
الأصل الرابع في بيان معنى الحسن والجمال اعلم أن المحبوس في مضيق الخيالات والمحسوسات ربما يظن أنه لا معنى للحسن والجمال إلا تناسب الخلقة والشكل وحسن اللون وكون البياض مشربا بالحمرة وامتداد القامة إلى غير ذلك مما يوصف من جمال شخص الإنسان فان الحسن الأغلب على الخلق حسن الإبصار وأكثر التفاتهم

إلى صور الأشخاص فيظن أن ما ليس مبصرا ولا متخيلا ولا متشكلا ولا ملونا مقدر فلا يتصور حسنه وإذا لم يتصور حسنه لم يكن في إدراكه لذة فلم يكن محبوبا وهذا خطأ ظاهر فإن الحسن ليس مقصورا على مدركات البصر ولا على تناسب الخلقة وامتزاج البياض بالحمرة فأنا نقول هذا خط حسن وهذا صوت حسن وهذا فرس حسن بل نقول هذا ثوب حسن وهذا إناء حسن فأي معنى لحسن الصوت والخط وسائر الأشياء إن لم يكن الحسن إلا في الصورة ومعلوم أن العين تستلذ بالنظر إلى الخط الحسن والأذن تستلذ استماع النغمات الحسنة الطيبة وما من شىء من المدركات إلا وهو منقسم إلى حسن وقبيح فما معنى الحسن الذى تشترك فيه هذه الأشياءفلا بد من البحث عنه وهذا البحث يطول ولا يليق بعلم المعاملة الإطناب فيه فنصرح بالحق ونقول : كل شىء فجماله وحسنه في أن يحضر كماله اللائق به الممكن له فاذا كان جميع كمالاته الممكنة حاضرة فهو في غاية الجمال وان كان الحاضر بعضها فله من الحسن والجمال بقدر ما حضر فالفرس الحسن هو الذي جمع كل ما يليق بالفرس من هيئة وشكل ولون وحسن عدو وتيسر كر وفر عليه والخط الحسن كل ما جمع كل ما يليق بالخط من تناسب الحروف وتوازيها واستقامة ترتيبها وحسن انتظامها ولكل شىء كمال يليق به وقد يليق بغير ضد فحسن كل شىء في كماله الذي يليق به فلا يحسن الإنسان بما يحسن به الفرس ولا يحسن الخط بما يحسن به الصوت ولا تحسن الأواني بما تحسن به الثياب وكذلك سائر الأشياء
فإن قلت : فهذه الأشياء وإن لم تدرك جميعها بحس البصر مثل الأصوات والطعوم فإنها لا تنفك عن إدراك الحواس لها فهي محسوسات وليس ينكر الحسن والجمال للمحسوسات ولا ينكر حصول اللذة بادراك حسنها وإنما ينكر ذلك في غير المدرك بالحواس فاعلم أن الحسن والجمال موجود في غير المحسوسات إذ يقال : هذا خلق حسن وهذا علم حسن وهذه سيرةحسنة وهذه أخلاق جميلة وإنما الأخلاق الجميلة يراد بها العلم والعقل والعفة والشجاعة والتقوى والكرم والمروءة وسائر خلال الخير وشىء من هذه الصفات لا يدرك بالحواس الخمس بل يدرك بنور البصيرة الباطنة وكل هذه الخلال الجميلة محبوبة والموصوف بها محبوب بالطبع عند من عرف صفاته وآية ذلك وأن الأمر كذلك إن الطباع مجبولة على حب الأنبياء صلوات الله عليهم وعلى حب الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع أنهم لم يشاهدوا بل حب أرباب المذاهب مثل الشافعي وأبي حنيفة ومالك وغيرهم حتى أن الرجل قد يجاوز به حبه لصاحب مذهبه حد العشق فيحمله ذلك على أن تنفق جميع ماله في نصرة مذهبه والذب عنه ويخاطر بروحه في قتال من يطعن في إمامه ومتبوعه فكم من دم أريق في نصرة أرباب المذاهب وليت شعري من يحب الشافعي مثلا فلم يحبه ولم يشاهد قط صورته ولو شاهده ربما لم يستحسن صورته فاستحسانه الذي حمله على إفراط الحب هو لصورته الباطنة لا لصورته الظاهرة فان صورته الظاهرة قد انقلبت ترابا مع التراب وانما يحبه لصفاته الباطنة من الدين والتقوى وغزارة العلم والاحاطة بمدارك الدين وانتهاضه لإفادة علم الشرع ولنشره هذه الخيرات في العالم وهذه أمور جميلة لا يدرك جمالها الا بنور البصيرة فأما الحواس فقاصرة عنها وكذلك من يحب أبا بكر الصديق رضي الله عنه ويفضله على غيره أو يحب عليا رضي الله عنه ويفضله ويتعصب له فلا يحبهم الا لاستحسان صورهم الباطنة من العلم والدين والتقوى والشجاعة والكرم وغيره فمعلوم أن من يحب الصديق رضي الله تعالى عنه مثلا ليس يحب عظمه ولحمه وجلده وأطرافه وشكله اذ كل ذلك زال وتبدل وانعدم ولكن بقي ما كان الصديق به صديقا وهي الصفات المحمودة التي هي مصادر السير الجميلة فكان

الحب باقيا ببقاء تلك الصفات مع زوال جميع الصور وتلك الصفات ترجع جملتها إلى العلم والقدرة اذا علم حقائق الأمور وقدر على حمل نفسه عليها بقهر شهواته فجميع خلال الخير يتشعب على هذين الوصفين وهما غير مدركين بالحس ومحلهما من جملة البدن جزء لا يتجزأ فهو المحبوب بالحقيقة وليس للجزء الذي لا يتجزأ صورة وشكل ولون يظهر للبصر حتى يكون محبوبا لأجله فإذن الجمال موجود في السير ولو صدرت السيرة الجميلة من غير علم وبصيرة لم يوجب ذلك حبا فالمحبوب مصدر السير الجميلة وهى الأخلاق الحميدة والفضائل الشريفة وترجع جملتها إلى كمال العلم والقدرة وهو محبوب بالطبع وغير مدرك بالحواس حتى ان الصبي المخلي وطبعه اذ أردنا أن نحبب إليه غائبا أو حاضرا حيا أو ميتا لم يكن لنا سبيل الا بالإطناب في وصفه بالشجاعة والكرم والعلم وسائر الحضال الحميدة فمهما اعتقد ذلك لم يتمالك في نفسه ولم يقدر أن لا يحبه فهل فل غلب الصحابة به رضي الله تعالى عنهم وبغض ابي جهل وبعض إبليس لعنه الله إلا بالإطناب في وصف المحاسن والمقابح التي لا تدرك بالحواس بل لما وصف الناس حاتما بالسخاء ووصفوا خالدا بالشجاعة أحبتهم القلوب حبا ضروريا وليس ذلك عن نظر إلى صورة محسوسة ولا عن حظ يناله المحب منهم بل إذا حكى من سيرة بعض الملوك في بعض أقطار الأرض العدل والإحسان وافاضة الخير غلب حبه على القلوب مع اليأس من انتشار إحسانه إلى المحبين لبعد المزار ونأي الديار فإذن ليس حب الإنسان مقصورا على من أحسن إليه بل المحسن في نفسه محبوب وان كان لا ينتهي قط إحسانه إلى المحب لأن كل جمال وحسن فهو محبوب والصورة ظاهرة وباطنه والحسن والجمال يشملهما وتدرك الصور الظاهرة بالبصر الظاهر والصور الباطنة بالبصيرة الباطنة فمن حرم البصيرة الباطنة لا يدركها ولا يلتذ بها ولا يحبها ولا يميل إليها ومن كانت الباطنة أغلب عليه من الحواس الظاهرة كان حبه للمعاني الباطنة أكثر من حبه للمعاني الظاهرة فشتان بين من يحب نقشا مصورا على الحائط لجمال صورته الظاهرة وبين من يحب نبيا من الأنبياء لجمال صورته الباطنة
السبب الخامس : المناسبة الخفية بين المحب والمحبوب إذ رب شخصين تتأكد المحبة بينهما لا بسبب جمال أو حظ ولكن بمجرد تناسب الأرواح كمال قال صلى الله عليه و سلم فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف // حديث فما تعارف منها ائتلف أخرجه مسلم من أبي هريرة وقد تقدم في آداب الصحبة وقد حققنا ذلك في كتاب آداب الصحبة عند ذكر الحب في الله فليطلب منه لأنه أيضا من عجائب أسباب الحب فإذن ترجع أقسام الحب إلى خمسة أسباب : وهو حب الإنسان وجود نفسه وكماله وبقائه وحبه من أحسن إليه فيما يرجع إلى دوام وجوده ويعين على بقائه ودفع المهلكات عنه وحبه من كان محسنا في نفسه إلى الناس وان لم يكن محسنا إليه وحبه لكل ما هو جميل في ذاته سواء كان من الصور الظاهرة أو الباطنه وحبه لمن بينه وبينه مناسبة خفية في الباطن فلو اجتمعت هذه الأسباب في شخص واحد تضاعف الحب لا محالة كما لو كان للإنسان ولد جميل الصورة حسن الخلق كامل العلم حسن التدبير محسن إلى الخلق ومحسن إلى الوالد كان محبوبا لا محالة غاية الحب وتكون قوة الحب بعد اجتماع هذه الخصال بحسب قوة هذه الخلال في نفسها فان كانت هذه الصفات في أقصى درجات الكمال كان الحب لا محالة في أعلى الدرجات فلقبين الآن أن هذه الأسباب كلها لا يتصور كمالها واجتماعها إلا في حق الله تعالى فلا يستحق المحبة بالحقيقة إلا الله سبحانه وتعالى
بيان أن المستحق للمحبة هو الله وحده
وأن من أحب غير الله لا من حيث نسبته إلى الله فذلك لجهله وقصوره في معرفة الله تعالى وحب الرسول // حديث فما تعارف منها ائتلف أخرجه مسلم من حديث ابي هريرة وقد تقدم في آداب الصحبة

صلى الله عليه و سلم محمود لأنه عين حب الله تعالى وكذلك حب العلماء والأتقياء لأن محبوب المحبوب محبوب ورسول المحبوب محبوب ومحب المحبوب محبوب وكل ذلك يرجع إلى حب الأصل فلا يتجاوزه إلى غيره فلا محبوب بالحقيقة عند ذوى البصائر إلا الله تعالى ولا مستحق للمحبة سواه وإيضاحه بأن نرجع إلى الأسباب الخمسة التي ذكرناها ونبين أنها مجتمعة في حق الله تعالى بحملتها ولا يوجد في غيره إلا آحادها وأنها حقيقة في حق الله تعالى ووجودها في حق غيره وهم وتخيل وهو مجاز محض لا حقيقة له ومهما ثبت ذلك انكشف لكل ذى بصيرة ضد ما تخيله ضعفاء العقول والقلوب من استحالة حب الله تعالى تحقيقا وبان أن التحقيق يقتضى أن لا نحب أحدا غير الله تعالى
فأما السبب الأول وهو حب الإنسان نفسه وبقاءه وكماله ودوام وجوده وبغضه لهلاكه وعدمه ونقصانه وقواطع كماله فهذه جبلة كل حى ولا يتصور أن ينفك عنها وهذا يقتضى غاية المحبة لله تعالى فإن من عرف نفسه وعرف ربه عرف قطعا أنه لا وجود له من ذاته وإنما وجود ذاته ودوام وجوده وكمال وجوده من الله وإلى الله وبالله فهو المخترع الموجد له وهو المبقى له وهو المكمل لوجوده بخلق صفات الكمال وخلق الأسباب الموصلة إليه ذو خلق الهداية إلى استعمال الأسباب وإلا فالعبد من حيث ذاته لا وجود له من ذاته بل هو محو محض وعدم صرف لولا فضل الله تعالى عليه بالإيجاد وهو هالك عقيب وجوده لولا فضل الله عليه بالإبقاء وهو ناقص بعد الوجود لولا فضل الله عليه بالتكميل لخلقته وبالجملة فليس في الوجود شيء له بنفسه قوام إلا القيوم الحى الذى هو قائم لوجوده والمديم له إن عرفه خالقا موجدا ومخترعا مبقيا وقيوما بنفسه ومقوما لغيره فإن كان لا يحبه فهو لجهله بنفسه وبربه والمحبة ثمرة المعرفة فتنعدم بانعدامها وتضعف بضعفها وتقوى بقوتها ولذلك قال الحسن البصرى رحمه الله تعالى من عرف ربه أحبه ومن عرف الدنيا زهد فيها وكيف يتصور أن يحب الإنسان نفسه ولا يحب ربه الذى به قوام نفسه ومعلوم أن المبتلى بحر الشمس لما كان يحب الظل فيحب بالضرورة الأشجار التى بها قوام الظل وكل ما في الوجود بالإضافة إلى قدرة الله تعالى فهو كالظل بالإضافة إلى الشجر والنور بالإضافة إلى الشمس فإن الكل من آثار قدرته ووجود الكل تابع لوجوده كما أن وجود النور تابع للشمس ووجود الظل تابع للشجر بل هذا المثال صحيح بالإضافة إلى أوهام العوام إذ تخيلوا أن النور أثر الشمس وفائض منها وموجود بها وهو خطأ محض إذا انكشف لأرباب القلوب انكشافا أظهر من مشاهدة الأبصار أن النور حاصل من قدرة الله تعالى اختراعا عند وقوع المقابلة بين الشمس والأجسام الكثيفة كما أن نور الشمس وعينها وشكلها وصورتها أيضا حاصل من قدرة الله تعالى ولكن الغرض من الأمثلة التفهيم فلا يطلب فيها الحقائق فإذن إن كان حب الإنسان نفسه ضروريا فحبه لمن به قوامه أولا ودوامه ثانيا في أصله وصفاته وظاهره وباطنه وجواهره وأعراضه أيضا ضروري إن عرف ذلك كذلك ومن خلا عن الحب هذا فلأنه اشتغل بنفسه وشهواته وذهل عن ربه وخالقه فلم يعرفه حق معرفته وقصر نظره على شهواته ومحسوساته وهو عالم الشهادة الذي يشاركه البهائم في التنعم به والاتساع فيه دون عالم الملكوت الذي لا يطأ أرضه إلا من يقرب إلى شبه من الملائكة فينظر فيه بقدر قربه في الصفات من الملائكة ويقصر عنه بقدر انحطاطه إلى حضيض عالم البهائم
وأما السبب الثاني وهو حبه من أحسن عليه فواساه بماله ولاطفه بكلامه وأمده بمعونته وانتدب لنصرته

وقمع أعداءه وقام بدفع شر الأشرار عنه وانتهض وسيلة إلى جميع حظوظه وأغراضه في نفسه وأولاده وأقاربه فإنه محبوب لا محالة عنده وهذا بعينه يقتضى أن لا يحب إلا الله تعالى فإنه لو عرف حق المعرفة لعلم أن المحسن إليه هو الله تعالى فقط فأما أنواع إحسانه إلى كل عبيده فلست أعدها إذ ليس يحيط بها حصر حاصر كما قال تعالى وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها وقد أشرنا إلى طرف منه في كتاب الشكر ولكنا نقتصر الآن على بيان أن الإحسان من الناس غير متصور إلا بالمجاز وإنما المحسن هو الله تعالى ولنفرض ذلك فيمن أنعم عليك بجميع خزائنه ومكنك منها لتتصرف فيها كيف تشاء فإنك تظن أن هذا الإحسان منه وهو غلط فإنه إنما تم إحسانه به وبماله وبقدرته على المال وبداعيته الباعثة له على صرف المال إليك فمن الذى أنعم بخلقه وخلق ماله وخلق قدرته وخلق إرادته وداعيته ومن الذى حببك إليه وصرف وجهه إليك وألقى في نفسه أن صلاح دينه أو دنياه في الإحسان إليك ولولا كل ذلك لما أعطاك حبة من ماله ومهما سلط الله عليه الدواعى وقرر في نفسه أن صلاح دينه أو دنياه في أن يسلم إليك ماله كان مقهورا مضطرا في التسليم لا يستطيع مخالفته فالمحسن هو الذى اضطره لك وسخره وسلط عليه الدواعى الباعثة المرهقة إلى الفعل وأما يده فواسطة يصل بها إحسان الله إليك وصاحب اليد مضطر في ذلك اضطرارا مجرى الماء في جريان الماء فيه فإن اعتقدته محسنا أو شكرته من حيث هو بنفسه محسن لا من حيث هو واسطة كنت جاهلا بحقيقة الأمر فإنه لا يتصور الإحسان من الإنسان إلا إلى نفسه أما الإحسان إلى غيره فمحال من المخلوقين لأنه لا يبذل ماله إلا لغرض له البذل إما آجل وهو الثواب وإما عاجل وهو المنة والاستسخار أو الثناء والصيت والاشتهار بالسخاء والكرم أو جذب قلوب الخلق إلى الطاعة والمحبة وكما أن الإنسان لا يلقى ماله في البحر إذ لا غرض له فيه فلا يلقيه في يد إنسان إلا لغرض له فيه وذلك الغرض هو مطلوبه ومقصده وأما أنت فلست مقصودا بل يدك آلة له في القبض حتى يحصل غرضه من الذكر والثناء أو الشكر أو الثواب بسبب قبضك المال فقد استسخرك في القبض للتوصل إلى غرض نفسه فهو إذن محسن إلى نفسه ومعتاض عما بذله من ماله عوضا هو أرجح عنده من ماله ولولا رجحان ذلك الحظ عنده لما نزل عن ماله لأجلك أصلا ألبتة فإذن هو غير مستحق للشكر والحب من وجهين
أحدهما أنه مضطر بتسليط الله الدواعى عليه فلا قدرة له على المخالفة فهو جار مجرى خازن الأمير فإنه لا يرى محسنا بتسليم خلعة الأمير إلى من خلع عليه لأنه من جهة الأمير مضطر إلى الطاعة والامتثال لما يرسمه ولا يقدر على مخالفته ولو خلاه الامير ونفسه لما سلم ذلك فكذلك كل محسن لو خلاه الله ونفسه لم يبذل حبة من ماله حتى سلط الله الدواعى عليه وألقى في نفسه أن حظه دينا ودنيا في بذله فبذله لذلك والثاني أنه معتاض عما بذله حظا هو أوفى عنده وأحب مما بذله فكما لا يعد البائع محسنا لأنه بذل بعوض هو أحب عنده مما بذله فكذلك الواهب اعتاض الثواب أو الحمد والثناء أو عوضا آخر وليس من شرط العوض أن يكون عينا متمولا بل الحظوظ كلها أعواض تستحقر الأموال والأعيان بالإضافة إليها فالإحسان في الجود والجود هو بذل المال من غير عوض وحظ يرجع إلى الباذل وذلك محال من غير الله سبحانه فهو الذى أنعم على العالمين إحسانا إليهم ولأجلهم لا لحظ وغرض يرجع إليه فإنه يتعالى عن الأغراض فلفظ الجود والإحسان في حق غيره كذب أو مجاز ومعناه في حق غيره محال وممتنع امتناع الجمع بين السواد والبياض فهو المنفرد بالجود والإحسان والطول والامتنان فان كان في الطبع حب المحسن فينبغي أن لا يحب العارف إلا الله تعالى إذ الإحسان

من غيره محال فهو المستحق لهذه المحبة وحده وأما غيره فيستحق المحبة على الإنسان بشرط الجهل بمعنى الإحسان وحقيقته
وأما السبب الثالث وهو حبك المحسن في نفسه وإلى لم يصل إليك إحسانه وهذا أيضا موجود في الطباع
فإنه إذا بلغك خبر ملك عابد عادل عالم رفيق بالناس متلطف بهم متواضع لهم وهو في قطر من أقطار الأرض بعيد عنك وبلغك خبر ملك آخر ظالم متكبر فاسق متهتك شرير وهو أيضا بعيد عنك فإنك تجد في قلبك تفرقة بينهما إذ تجد في القلب ميلا إلى الأول وهو الحب ونفرة عن الثاني وهو البغض مع أنك آيس من خير الأول وآمن من شر الثاني لانقطاع طمعك عن التوغل إلى بلادهما فهذا حب المحسن من حيث إنه محسن فقط لا من حيث إنه محسن إليك وهذا أيضا يقتضى حب الله تعالى بل يقتضى أن لا يحب غيره أصلا إلا من حيث يتعلق منه بسبب فإن الله هو المحسن إلى الكافة والمتفضل على جميع أصناف الخلائق أولا بإيجادهم وثانيا بتكميلهم بالأعضاء والأسباب التى هى من ضروراتهم وثالثا بترفيههم وتنعيمهم بخلق الأسباب التى هى في مظان حاجاتهم وإن لم تكن في مظان الضرورة ورابعا بتجميلهم بالمزايا والزوائد التى هى في مظنة زينتهم وهى خارجة عن ضروراتهم وحاجاتهم
ومثال الضرورى من الأعضاء الرأس والقلب والكبد ومثال المحتاج إليه العين واليد والرجل ومثال الزينة استقواس الحاجبين وحمرة الشفتين وتلون العينين إلى غير ذلك مما لو فات لم تنخرم به حاجة ولا ضرورة
ومثال الضرورى من النعم الخارجة عن بدن الإنسان الماء والغذاء ومثال الحاجة الدواء واللحم والفواكه ومثال المزايا والزوائد خضرة الأشجار وحسن أشكال الأنوار والأزهار ولذائذ الفواكه والأطعمة التى لا تنخرم بعدمها حاجة ولا ضرورة
وهذه الأقسام الثلاثة موجودة لكل حيوان بل لكل نبات بل لكل صنف من أصناف الخلق من ذروة العرش إلى منتهى الفرش فإذن هو المحسن فكيف يكون غيره محسنا وذلك المحسن حسنة من حسنات قدرته فإنه خالق الحسن وخالق المحسن وخالق الإحسان وخالق أسباب الإحسان فالحب بهذه العلة لغيره أيضا جهل محض ومن عرف ذلك لم يحب بهذه العلة إلا الله تعالى
وأما السبب الرابع وهو حب كل جميل لذات الجمال لا لحظ ينال من وراء إدراك الجمال فقد بينا أن ذلك مجبول في الطباع وأن الجمال ينقسم إلى جمال الصورة الظاهرة المدركة بعين الرأس وإلى جمال الصورة الباطنة المدركة بعين القلب ونور البصيرة والأول يدركه الصبيان والبهائم والثاني يختص بدركه أرباب القلوب ولا يشاركهم فيه من لا يعلم إلا ظاهرا من الحياة الدنيا وكل جمال فهو محبوب عند مدرك الجمال فإن كان مدركا بالقلب فهو محبوب القلب ومثال هذا في المشاهدة حب الأنبياء والعلماء وذوى المكارم السنية والأخلاق المرضية فإن ذلك منضور مع تشوش صورة الوجه وسائر الأعضاء وهو المراد بحسن الصورة الباطنة والحس لا يدرك نعم يدرك بحسن آثاره الصادرة منه الدالة عليه حتى إذا دل القلب عليه مال القلب إليه فأحبه فمن يحب رسول الله صلى الله عليه و سلم أو الصديق رضي الله تعالى عنه أو الشافعى رحمة الله عليه فلا يحبهم إلا لحسن ما ظهر له منهم وليس ذلك لحسن صورهم ولا لحسن أفعالهم بل دل حسن أفعالهم على حسن الصفات التى هى مصدر الأفعال إذ الأفعال آثار صادرة عنها ودالة عليها فمن رأى حسن تصنيف المصنف وحسن شعر الشاعر بل

حسن نقش النقاش وبناء البناء انكشف له من هذه الأفعال صفاتها الجميلة الباطنة التى يرجع حاصلها عند البحث إلى العلم والقدرة ثم كلما كان المعلوم أشرف وأتم جمالا وعظمة كان العلم أشرف وأجمل وكذا المقدور كلما كان أعظم رتبة وأجل منزلة كانت القدرة عليه أجل رتبة وأشرف قدرا وأجل المعلومات هو الله تعالى فلا جرم أحسن العلوم وأشرفها معرفة الله تعالى وكذلك ما يقاربه ويختص به فشرفه على قدر تعلقه به
فإذن جمال صفات الصديقين الذين تحبهم القلوب طبعا ترجع إلى ثلاثة أمور أحدها علمهم بالله وملائكته وكتبه ورسله وشرائع أنبيائه والثانى قدرتهم على إصلاح أنفسهم وإصلاح عباد الله بالإرشاد والسياسة والثالث تنزههم عن الرذائل والخبائث والشهوات الغالبة الصارفة عن سنن الخير الجاذبة إلى طريق الشر وبمثل هذا يحب الأنبياء والعلماء والخلفاء والملوك الذين هم أهل العدل والكرم فأنسب هذه الصفات إلى صفات الله تعالى
أما العلم فأين علم الأولين والآخرين من علم الله تعالى الذى يحيط بالكل إحاطة خارجة عن النهاية حتى لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وقد خاطب الخلق كلهم فقال عز و جل وما أوتيتم من العلم إلا قليلا بل لو اجتمع أهل الأرض والسماء على أن يحيطوا بعلمه وحكمته في تفصيل خلق نملة أو بعوضة لم يطلعوا على عشر عشير ذلك ولا يحيطون بشىء من علمه إلا بما شاء والقدر اليسير الذى علمه الخلائق كلهم فبتعليمه علموه كما قال تعالى خلق الإنسان علمه البيان فإن كان جمال العلم وشرفه أمرا محبوبا وكان هو في نفسه زينة وكمالا للموصوف به فلا ينبغى أن يحب بهذا السبب إلا الله تعالى
فعلوم العلماء جهل بالإضافة إلى علمه بل من عرف أعلم أهل زمانه وأجهل أهل زمانه استحال أن يحب بسبب العلم الأجهل ويترك الأعلم وإن كان الأجهل لا يخلو عن علم ما تتقاضاه معيشته والتفاوت بين علم الله وبين علم الخلائق أكثر من التفاوت بين علم أعلم الخلائق وأجهلهم لأن الأعلم لا يفضل الأجهل إلا بعلوم معدودة متناهية يتصور في الإمكان أن ينالها الأجهل بالكسب والاجتهاد وفضل علم الله تعالى على علوم الخلائق كلهم خارج عن النهاية إذ معلوماته لا نهاية لها ومعلومات الخلق متناهية
وأما صفة القدرة فهى أيضا كمال والعجز نقص فكل كمال وبهاء وعظمة واستيلاء فإنه محبوب وإدراكه لذيذ حتى إن الإنسان ليسمع في الحكاية شجاعة على وخالد رضى الله عنهما وغيرهما من الشجعان وقدرتهما واستيلاؤهما على الأقران فيضاف في قلبه اهتزازا وفرحا وارتياحا ضروريا بمجرد لنة السماع فضلا عن المشاهدة ويورث ذلك حبا في القلب ضروريا للمتصف به فإنه نوع كمال فانسب الآن قدرة الخلق كلهم إلى قدرة الله تعالى فأعظم الأشخاص قوة وأوسعهم ملكا وأقواهم بطشا وأقهرهم للشهوات وأقمعهم لخبائث النفس وأجمعهم للقدرة على سياسة نفسه وسياسة غيره ما منتهى قدرته وإنما غايته أن يقدر على بعض صفات نفسه وعلى بعض أشخاص الإنس في بعض الأمور وهو مع ذلك لا يملك لنفسه موتا ولا حياة ولا نشورا ولا ضرا ولا نفعا بل لا يقدر على حفظ عينه من العمى ولسانه من الخرس وأذنه من الصمم وبدنه من المرض ولا يحتاج إلى عد ما يعجز عنه في نفسه وغيره مما هو على الجملة متعلق قدرته فضلا عما لا تتعلق به قدرته من ملكوت السموات وأفلاكها وكواكبها والأرض وجبالها وبحارها ورياحها وصواعقها ومعادنها ونباتها وحيواناتها وجميع أجزائها فلا قدرة له على ذرة منها وما هو قادر عليه من نفسه وغيره فليست قدرته من نفسه وبنفسه بل الله خالقه وخالق قدرته وخالق أسبابه والممكن له من ذلك ولو سلط بعوضا على أعظم ملك وأقوى شخص من الحيوانات لأهلكه فليس للعبد

قدرة إلا بتمكين مولاه كما قال في أعظم ملوك الأرض ذى القرنين إذ قال إنا مكنا له في الأرض فلم يكن جميع ملكه وسلطنته إلا بتمكين الله تعالى إياه في جزء من الأرض والأرض كلها مدرة بالإضافة إلى أجسام العالم وجميع الولايات التى يحظى بها الناس من الأرض غبرة من تلك المدرة ثم تلك الغبرة أيضا من فضل الله تعالى وتمكينه فيستحيل أن يحب عبدا من عباد الله تعالى لقدرته وسياسته وتمكينه واستيلائه وكمال قوته ولا يحب الله تعالى لذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم فهو الجبار القاهر والعليم القادر السموات مطويات بيمينه والأرض وملكها وما عليها في قبضته وناصية جميع المخلوقات في قبضة قدرته إن أهلكهم من عند آخرهم لم ينقص من سلطانه وملكه ذرة وإن خلق أمثالهم ألف مرة لم يعى بخلقها ولا يمسه لغوب ولا فتور في اختراعها فلا قدرة ولا قادر إلا وهو أثر من آثار قدرته فله الجمال والبهاء والعظمة والكبرياء والقهر والاستيلاء فإن كان يتصور أن يحب قادر لكمال قدرته فلا يستحق الحب بكمال القدرة سواه أصلا
وأما صفة التنزه عن العيوب والنقائص والتقدس عن الرذائل والخبائث فهو أحد موجبات الحب ومقتضيات الحسن والجمال في الصور الباطنة والأنبياء والصديقون وإن كانوا منزهين عن العيوب والخبائث فلا يتصور كمال التقدس والتنزه إلا للواحد الحق الملك والقدوس ذى الجلال والإكرام
وأما كل مخلوق فلا يخلو عن نقص وعن نقائص بل كونه عاجزا مخلوقا مسخرا مضطرا هو عين العيب والنقص فالكمال لله وحده وليس لغيره كمال إلا بقدر ما أعطاه الله وليس في المقدور أن ينعم بمنتهى الكمال على غيره فإن منتهى الكمال أقل درجاته أن لا يكون عبدا مسخرا لغيره قائما بغيره وذلك محال في حق غيره فهو المنفرد بالكمال المنزه عن النقص المقدس عن العيوب وشرح وجوه التقدس والتنزه في حقه عن النقائص يطول وهو من أسرار علوم المكاشفات فلا نطول بذكره فهذا الوصف أيضا إن كان كمالا وجمالا محبوبا فلا تتم حقيقته إلا له وكمال غيره وتنزهه لا يكون مطلقا بل بالإضافة إلى ما هو أشد منه نقصانا كما أن للفرس كمالا بالإضافة إلى الحمار وللإنسان كمالا بالإضافة إلى الفرس وأصل النقص شامل للكل وإنما يتفاوتون في درجات النقصان
فإذن الجميل محبوب والجميل المطلق هو الواحد الذى لا ند له الفرد الذى لا ضد له الصمد الذى لا منازع له الغنى الذى لا حاجة له القادر الذى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه العالم الذى لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات والأرض القاهر الذى لا يخرج عن قبضة قدرته أعناق الجبابرة ولا ينفلت من سطوته وبطشه رقاب القياصرة الأزلى الذى لا أول لوجوده الأبدى الذى لا آخر لبقائه الضرورى الوجود الذى لا يحوم إمكان العدم حول حضرته القيوم الذى يقوم بنفسه ويقوم كل موجود به جبار السموات والأرض خالق الجماد والحيوان والنبات المنفرد بالعزة والجبروت والمتوحد بالملك والملكوت ذو الفضل والجلال والبهاء والجمال والقدرة والكمال الذى تتحير في معرفة جلاله العقول وتخرس في وصفه الألسنة الذى كمال معرفة العارفين الاعتراف بالعجز عن معرفته ومنتهى نبوة الأنبياء الإقرار بالقصور عن وصفه كما قال سيد الأنبياء صلوات الله عليه وعليهم أجمعين لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك // حديث لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك تقدم // وقال سيد الصديقين رضى الله تعالى عنه العجز عن درك الإدراك إدراك سبحان من لم يجعل للخلق طريقا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته فليت شعرى من ينكر إمكان حب الله تعالى تحقيقا ويجعله مجازا أينكر أن هذه الأوصاف من أوصاف الجمال

والمحامد ونعوت الكمال والمحاسن أن ينكر كون الله تعالى موصوفا بها أو ينكر كون الكمال والجمال والبهاء والعظمة محبوبا بالطبع عند من أدركه فسبحان من احتجب عن بصائر العميان غيرة على جماله وجلاله أن يطلع عليه إلا من سبقت له منه الحسنى الذين هم عن نار الحجاب مبعدون وترك الخاسرين في ظلمات العمى يتيهون وفي مسارح المحسوسات وشهوات البهائم يترددون يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون
فالحب بهذا السبب أقوى من الحب بالإحسان لأن الإحسان يزيد وينقص ولذلك أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام إن أود الأوداء إلى من عبدنى بغير نوال لكن ليعطى الربوبية حقها وفي الزبور من أظلم ممن عبدنى لجنة أونار لو لم أخلق جنة ولا نارا ألم أكن أهلا أن أطاع ومر عيسى عليه السلام على طائفة من العباد قد نحلوا فقالوا نخاف النار ونرجو الجنة فقال لهم مخلوقا خفتم ومخلوقا رجوتم ومر بقوم آخرين كذلك فقالوا نعبده حبا له وتعظيما لجلاله فقال أنتم أولياء الله حقا معكم أمرت أن أقيم وقال أبو حازم إنى لأستحى أن أعبده للثواب والعقاب فأكون كالعبد السوء إن لم يخف لم يعمل وكالأجير السوء إن لم يعط لم يعمل
وفي الخبر لا يكونن أحدكم كالأجير السوء إن لم يعط أجرا لم يعمل ولا كالعبد السوء إن لم يخف لم يعمل // حديث لا يكونن أحدكم كالأجير السوء إن لم يعط أجرا لم يعمل لم أجد له أصلا //
وأما السبب الخامس للحب فهو المناسبة والمشاكلة لأن شبه الشيء منجذب إليه والشكل إلى الشكل أميل
ولذلك ترى الصبى يألف الصبى والكبير يألف الكبير ويألف الطير نوعه وينفر من غير نوعه وأنس العالم بالعالم أكثر منه بالمحترف وأنس النجار بالنجار أكثر من أنسه بالفلاح وهذا أمر تشهد به التجربة وتشهد له الأخبار والآثار كما استقصيناه في باب الأخوة في الله من كتاب آداب الصحبة فليطلب منه
وإذا كانت المناسبة سبب المحبة فالمناسبة قد تكون في معنى ظاهر كمناسبة الصبى الصبى في معنى الصبا وقد يكون خفيا حتى لا يطلع عليه كما ترى من الاتحاد الذى يتفق بين شخصين من غير ملاحظة جمال أو طمع في مال أو غيره كما أشار إليه النبي صلى الله عليه و سلم إذ قال الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف فالتعارف هو التناسب والتناكر هو التباين وهذا السبب أيضا يقتضى حب الله تعالى لمناسبة باطنة لا ترجع إلى المشابهة في الصور والأشكال بل إلى معان باطنة يجوز أن يذكر بعضها في الكتب وبعضها لا يجوز أن يسطر بل يترك تحت غطاء الغبرة حتى يعثر عليه السالكون للطريق إذا استكملوا شرط السلوك
فالذى يذكر هو قرب العبد من ربه عز و جل في الصفات التى أمر فيها بالاقتداء والتخلق بأخلاق الربوبيه حتى قيل تخلقوا بأخلاق الله وذلك في اكتساب محامد الصفات التى هى من صفات الإلهية من العلم والبر والإحسان واللطف وإفاضة الخير والرحمة على الخلق والنصيحة لهم وإرشادهم إلى الحق ومنعهم من الباطل إلى غير ذلك من مكارم الشريعة فكل ذلك يقرب إلى الله سبحانه وتعالى لا بمعنى طلب القرب بالمكان بل بالصفات
وأما ما لا يجوز أن يسطر في الكتب من المناسبة الخاصة التى اختص بها الآدمي فهى التى يومىء إليها قوله تعالى ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي إذ بين أنه أمر ربانى خارج عن حد عقول الخلق وأوضح من ذلك قوله تعالى فإذا سويته ونفخت فيه من روحى ولذلك أسجد له ملائكته ويشير إليه قوله تعالى إنا جعلناك خليفة في الأرض إذ لم يستحق آدم خلافة الله تعالى إلا بتلك المناسبة وإليه يرمز قوله صلى الله عليه و سلم

إن الله خلق آدم على صورته // حديث إن الله خلق آدم على صورته تقدم // حتى ظن القاصرون أن لا صورة إلا الصورة الظاهرة المدركة بالحواس فشبهوا وجسموا وصوروا تعالى الله رب العالمين عما يقول الجاهلون علوا كبيرا وإليه الإشارة بقوله تعالى لموسى عليه السلام مرضت فلم تعدنى فقال يا رب وكيف ذلك قال مرض عبدى فلان فلم تعده ولو عدته وجدتنى عنده // حديث قوله تعالى مرضت فلم تعدنى فقال وكيف ذاك قال مرض فلان الحديث تقدم // وهذه المناسبة لاتظهر إلا بالمواظبة على النوافل بعد إحكام الفرائض كما قال الله تعالى لا يزال يتقرب العبد إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ولسانه الذى ينطق به // حديث قوله تعالى لا يزال يتقرب العبد إلى بالنوافل حتى أحبه الحديث أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة وقد تقدم // وهذا موضع يجب قبض عنان القلم فيه فقد تحزب الناس فيه إلى قاصرين مالوا إلى التشبيه الظاهر وإلى غالين مسرفين جاوزوا حد المناسبة إلى الاتحاد وقالوا بالحلول حتى قال بعضهم أنا الحق وضل النصارى في عيسى عليه السلام فقالوا هو الإله وقال آخرون منهم تذرع الناسوت باللاهوت وقال آخرون اتحد به وأما الذين انكشف لهم استحالة التشبيه والتمثيل واستحالة الانحاد والحلول واتضح لهم مع ذلك حقيقة السر فهم الأقلون ولعل أبا الحسن النوري عن هذا المقام كان ينظر إذا غلبه الوجد في قول القائل
لازلت أنزل من ودادك منزلا ... تتحير الألباب عند نزوله
فلم يزل يعدو في وجده على أجمة قد قطع قصبها وبقى أصوله حتى تشققت قدماه وتورمتا مات من ذلك وهذا هوأعظم أسباب الحب وأقواها وهو أعزها وأبعدها وأقلها وجودا فهذه هى المعلومة من أسباب الحب وجملة ذلك متظاهرة في حق الله تعالى تحقيقا لا مجانا وفي أعلى الدرجات لا في أدناها فكان المعقول المقبول عند ذوى البصائر حب الله تعالى فقط كما أن المعقول الممكن عند العميان حب غير الله تعالى فقط ثم كل من يحب من الخلق بسبب من هذه الأسباب يتصور أن يحب غير لمشاركته إياه في السبب والشركة نقصان في الحب وغض من كماله ولا ينفرد أحد بوصف محبوب إلا وقد يوجد له شريك فيه فإن لم يوجد فيمكن أن يوجد إلا الله تعالى فإنه موصوف بهذه الصفات التى هى نهاية الجلال والكمال ولا شريك له في ذلك وجودا ولا يتصور أن يكون ذلك إمكانا فلا جرم لا يكون في حبه شركة فلا يتطرق النقصان إلى حبه كما لا تتطرق الشركة إلى صفاته فهو المستحق إذا لأصل المحبة ولكمال المحبة استحقاقا لا يساهم فيه أصلا
بيان أن أجل اللذات وأعلاها معرفة الله تعالى والنظر إلى وجهه الكريم
وأنه لا يتصور أن لا يؤثر عليها لذة أخرى إلا من حرم هذه اللذة
أعلم أن اللذات تابعة للإدراكات والإنسان جامع لجملة من القوى والغرائز ولكل قوة وغريزة لذة ولذتها في نيلها المقتضى طبعها الذى خلقت له فإن هذه الفرائز ما ركبت في الإنسان عبثا بل ركبت كل قوة وغريزة لأمر من الأمور هو مقتضاها بالطبع فغريزة الغضب خلقت للنشفى والانتقام فلا جرم لذتها في الغلبة والانتقام الذى هو مقتضى طبعها وغريزة شهوة الطعام مثلا خلقت لتحصيل الغذاء الذى به القوام فلا جرم لذتها في نيل هذا الغذاء الذى هو مقتضى طبعها وكذلك لذة السمع والبصر والشم في الإبصار والاستماع والشم فلا تخلو غريزة من هذه الغرائز عن ألم ولذة بالإضافة إلى مدركاتها فكذلك في القلب غريزة تسمى النور الإلهى لقوله تعالى أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه وقد تسمى العقل وقد تسمى البصيرة الباطنة وقد تسمى

نور الإيمان واليقين ولا معنى للاشتغال بالأسامى فإن الاصطلاحات مختلفة والضعيف يظن أن الاختلاف واقع في المعانى لأن الضعيف يطلب المعانى من الألفاظ وهو عكس الواجب فالقلب مفارق لسائر أجزاء البدن بصفة بها يدرك المعانى التى ليست متخيلة ولا محسوسة كإدراكه خلق العالم أو افتقاره إلى خالق قديم مدبر حكيم موصوف بصفات إلهية ولنسم تلك الغريزة عقلا بشرط أن لا يفهم من لفظ العقل ما يدرك به طرق المجادلة والمناظرة فقد اشتهر اسم العقل بهذا ولهذا ذمه بعض الصوفية وإلا فالصفة التى فارق الإنسان بها البهائم وبها يدرك معرفة الله تعالى أعز الصفات فلا ينبغى أن تذم وهذه الغريزة خلقت ليعلم بها حقائق الأمور كلها فمقتضى طبعها المعرفه والعلم وهى لذتها كما أن مقتضى سائر الغرائز هو لذتها وليس يخفى أن في العلم والمعرفة لذة حتى إن الذى ينسب إلى العلم والمعرفة ولو في شىء خسيس يفرح به والذى ينسب إلى الجهل ولو في شىء حقير يغتم به وحتى أن الإنسان لا يكاد يصبر عن التحدى بالعلم والتمدح به في الأشياء الحقيرة فالعالم باللعب بالشطرنج على خسته لا يطيق السكوت فيه عن التعليم وينطلق لسانه بذكر ما يعلمه وكل ذلك لفرط لذة العلم وما يستشعره من كمال ذاته به فإن العلم من أخص صفات الربوبية وهى منتهى الكمال ولذلك يرتاح الطبع إذا أثنى عليه بالذكاء وغزارة العلم لأنه يستشعر عند سماع الثناء كمال ذاته وكمال علمه فيعجب بنفسه ويلتذ به ثم ليست لذة العلم بالحراثة والخياطة كلذة العلم بسياسة الملك وتدبير أمر الخلق ولا لذة العلم بالنحو والشعر كلذة العلم بالله تعالى وصفاته وملائكته وملكوت السموات والأرض بل لذة العلم بقدر شرف العلم وشرف العلم بقدر شرف المعلوم حتى إن الذى يعلم بواطن أحوال الناس ويخبر بذلك يجد له لذة وإن جهله تقاضاه طبعه أن يفحص عنه فإن علم بواطن أحوال رئيس البلد وأسرار تدبيره في رياسته كان ذلك ألذ عنده وأطيب من علمه بباطن حال فلاح أو حائك فإن اطلع على أسرار الوزير وتدبيره وما هو عازم عليه في أمور الوزارة فهو أشهى عنده وألذ من علمه بأسرار الرئيس فإن كان خبيرا بباطن أحوال الملك والسلطان الذى هو المستولى على الوزير كان ذلك أطيب عنده وألذ من علمه بباطن أسرار الوزير وكان تمدحه بذلك وحرصه عليه وعلى البحث عنه أشد وحبه له أكثر لأن لذته فيه أعظم
فهذا استبان أن ألذ المعارف أشرفها وشرفها بحسب شرف المعلوم فإن كان في المعلومات ما هو الأجل والأكمل والأشرف والأعظم فالعلم به ألذ العلوم لا محالة وأشرفها وأطيبها
وليت شعرى هل في الوجود شئ أجل وأعلى وأشرف وأكمل وأعظم من خالق الأشياء كلها ومكملها ومزينها ومبدئها ومعيدها ومدبرها ومرتبها وهل يتصور أن تكون حضرة في الملك والكمال والجمال والبهاء والجلال أعظم من الحضرة الربانية التى لا يحيط بمبادى جلالها وعجائب أحوالها وصف الواصفين فإن كنت لا تشك في ذلك فلا ينبغى أن تشك في أن الاطلاع على أسرار الربوبية والعلم بترتب الأمور الإلهية المحيطة بكل الموجودات هو أعلى أنواع المعارف والاطلاعات وألذها وأطيبها وأشهاها وأحرى ما تستشعر به النفوس عند الاتصاف به كمالها وجمالها واجدر ما يعظم به الفرح والارتياح والاستبشار وبهذا تبين أن العلم لذيذ وأن ألذ العلوم العلم بالله تعالى وبصفاته وأفعاله وتدبيره في مملكته من منتهى عرشه إلى تخوم الأرضين فينبغي أن يعلم أن لذة المعرفة أقوى من سائر اللذات أعنى لذة الشهوات والغضب ولذة سائر الحواس الخمس فإن اللذات مختلفة بالنوع أولا كمخالفة لذة الوقاع للذة السماع ولذة المعرفة للذة الرياسة
وهى مختلفة بالضعف والقوة كمخالفة لذة الشبق المغتلم من الجماع للذة الفاتر للشهوة وكمخالفة لذة النظر إلى الوجه الجميل الفائق الجمال للذة النظر إلى ما دونه في الجمال وإنما تعرف أقوى

اللذات بأن تكون مؤثرة على غيرها فإن المخير بين النظر إلى صورة جميلة والتمتع بمشاهدتها وبين استنشاق روائح طيبة إذا اختار النظر إلى الصورة الجميلة علم أنها ألذ عنده من الروائح الطيبة وكذلك إذا حضر الطعام وقت الأكل واستمر اللاعب بالشطرنج على اللعب وترك الأكل فيعلم به أن لذة الغلبة في الشطرنج أقوى عنده من لذة الاكل
فهذا معيا صادق في الكشف عن ترجيح اللذات فنعود ونقول
اللذات تنقسم إلى ظاهرة كلذة الحواس الخمس وإلى باطنة كلذة الرياسة والغلبة والكرامة والعلم وغيرها إذ ليست هذه اللذة للعين ولا للأنف ولا الأذن ولا للمس ولا للذوق والمعانى الباطنة أغلب على ذوى الكمال من اللذات الظاهرة فلو خير الرجل بين لذة الدجاج السمين واللوزينج وبين لذة الرياسة وقهر الأعداء ونيل درجة الاستيلاء فإن كان المخير خسيس الهمة ميت القلب شديد النهمة اختار اللحم والحلاوة وإن كان على الهمة كامل العقل اختار الرياسة وهان عليه الجوع والصبر عن ضرورة القوت أياما كثيرة فاختياره للرياسة يدل على أنها ألذ عنده من الطعومات الطيبة نعم الناقص الذى لم تكمل معانيه الباطنة بعد كالصبى أو كالذى ماتت قواه الباطنة كالمعتوه لا يبعد أن يؤثر لذة المطعومات على لذة الرياسة وكما أن لذة الرياسة والكرامة أغلب اللذات على من جاوز نقصان الصبا والعته فلذة معرفة الله تعالى ومطالعة جمال حضرة الربوبية والنظر إلى أسرار الأمور الإلهية ألذ من الرياسة التى هى أعلى اللذات الغالبة على الخلق وغاية العبارة عنه أن يقال فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين وإنه أعد لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولاخطر على قلب بشر وهذا الآن لا يعرفه إلا من ذاق اللذتين جميعا فإنه لا محالة يؤثر التبتل والتفرد والفكر والذكر وينغمس في بحار المعرفة ويترك الرياسة ويستحقر الخلق الذين يرأسهم لعلمه بفناء رياسته وفناء من عليه رياسته وكونه مشوبا بالكدورات التى لا يتصور الخلو عنها وكونه مقطوعا بالموت الذى لا بد من إتيانه مهما أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها فيستعظم بالإضافة إليها لذة معرفة الله ومطالعة صفاته وأفعاله ونظام مملكته من أعلى عليين إلى أسفل السافلين فإنها خالية من المزاحمات والمكدرات متسعة للمتواردين عليها لا تضيق عنهم بكبرها وإنما عرضها من حيث التقدير السموات والأرض وإذا خرج النظر عن المقدرات فلا نهاية لعرضها فلا يزال العارف بمطالعتها في جنة عرضها السموات والأرض يرتع في رياضها ويقطف من ثمارها ويكرع من حياضها وهو آمن من انقطاعها إذ ثمار هذه الجنة غير مقطوعة ولا ممنوعة ثم هى أبدية سرمدية لا يقطعها الموت إذ الموت لا يهدم محل معرفة الله تعالى ومحلها الروح الذى هو أمر ربانى سماوى وإنما الموت بغير أحوالها ويقطع شواغلها وعوائقها ويخليها من حبسها فأما أن يعدمها فلا ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم الآية
ولا تظنن أن هذا مخصوص بالمقتول في المعركة فإن للعارف بكل نفس درجة ألف شهيد وفي الخبر إن الشهيد يتمنى في الآخرة أن يرد إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى لعظم ما يراه من ثواب الشهادة وإن الشهداء يتمنون لو كانوا علماء لما يرونه من علو درجة العلماء // حديث ان الشهيد يتمنى أن يرد في الآخرة إلى الدنيا ليقتل مرة أخرى الحديث متفق عليه من حديث أنس وقد تقدم وليس فيه وان الشهداء يتمنون أن يكونوا علماء الحديث //
فإذن جميع أقطار ملكوت السموات والأرض ميدان العارف يتبوأ منه حيث يشاء من غير حاجة إلى أن يتحرك إليها بجسمه وشخصه فهو من مطالعة جمال الملكوت في جنة عرضها السموات والأرض وكل عارف فله مثلها من غير أن يضيق بعضهم على بعض أصلا إلا أنهم يتفاوتون في سعة منتزهاتهم بقدر تفاوتهم في اتساع نظرهم

وسعة معارفهم وهم درجات عند الله ولا يدخل في الحصر تفاوت درجاتهم فقد ظهر أن لذة الرياسة وهى باطنة أقوى في ذوى الكمال من لذات الحواس كلها وأن هذه اللذة لا تكون لبهيمة ولا لصبى ولا لمعتوه وأن لذة المحسوسات والشهوات تكون لذوى الكمال مع لذة الرياسة ولكن يؤثرون الرياسة فأما معنى كون معرفة الله وصفاته وأفعاله وملكوت سمواته وأسرار ملكه أعظم لذة من الرياسة فهذا يختص بمعرفته من نال رتبة المعرفة وذاقها ولا يمكن إثبات ذلك عند من لا قلب له لأن القلب معدن هذه القوة كما أنه لا يمكن إثبات رجحان لذة الوقاع على لذة اللعب بالصولجان عند الصبيان ولا رجحانه على لذة شم البنفسج عند العنين لأنه فقد الصفة التى بها تدرك هذه اللذة ولكن من سلم من آفة العنة وسلم حاسة شمه أدرك التفاوت بين اللذتين وعند هذا لا يبقى إلا أن يقال من ذاق عرف
ولعمرى طلاب العلوم وإن لم يشتغلوا بطلب معرفة الأمور الإلهية فقد استنشقوا رائحة هذه اللذة عند انكشاف المشكلات وانحلال الشبهات التى قوى حرصهم على طلبها فإنها أيضا معارف وعلوم وإن كانت معلوماتها غير شريفة شرف المعلومات الإلهية فأما من طال فكره في معرفة الله سبحانه وقد انكشف له من أسرار ملك الله ولو الشئ اليسير فإنه يصادف في قلبه عند حصول الكشف من الفرح ما يكاد يطير به ويتعجب من نفسه في ثباته واحتماله لقوة فرحه وسروره وهذا مما لا يدرك إلا بالذوق والحكاية فيه قليلة الجدوى
فهذا القدر ينبهك على أن معرفة الله سبحانه ألذ الأشياء وأنه لا لذة فوقها
ولهذا قال أبو سليمان الدارانى إن لله عبادا ليس يشغلهم عن الله خوف النار ولا رجاء الجنة فكيف تشغلهم الدنيا عن الله ولذلك قال بعض إخوان معروق الكرخى له أخبرنى يا أبا محفوظ أي شئ هاجك إلى العبادة والانقطاع عن الخلق فسكت فقال ذكر الموت فقال وأى شئ الموت فقال ذكر القبر والبرزخ فقال وأى شئ القبر فقال خوف النار ورجاء الجنة فقال وأي شئ هذا إن ملكا هذا كله بيده إن أحببته أنساك جميع ذلك وإن كانت بينك وبينه معرفة كفاك جميع هذا
وفي أخبار عيسى عليه السلام إذا رأيت الفتى مشغوفا بطلب الرب تعالى فقد ألهاه ذلك عما سواه
ورأى بعض الشيوخ بشر بن الحارث في النوم فقال ما فعل أبو نصر التمار وعبد الوهاب الوراق فقال تركتهما الساعة بين يدى الله تعالى يأكلان ويشربان قلت فأنت قال علم الله قلة رغبتى في الأكل والشرب فأعطانى النظر إليه
وعن على بن الموفق قال رأيت في النوم كأنى ادخلت الجنة فرأيت رجلا قاعدا على مائدة وملكان عن يمينه وشماله يلقمانه من جميع الطيبات وهو يأكل ورأيت رجلا قائما على باب الجنة يتصفح وجوه الناس فيدخل بعضا ويرد بعضا قال ثم جاوزتهما إلى حديقة القدس فرأيت في سرادق العرش رجلا قد شخص ببصره ينظر إلى الله تعالى لا يطرف فقلت لرضوان من هذا قال معروف الكرخى عبد الله لا خوفا من ناره ولا شوقا إلى جنته بل حبا له فأباحه النظر إليه إلى يوم القيامة
وذكر أن الآخرين بشر بن الحارث واحمد بن حنبل ولذلك قال أبو سليمان من كان اليوم مشغولا بنفسه فهو غدا مشغول بنفسه ومن كان اليوم مشغولا بربه فهو عذا مشغول بربه
وقال الثورى لرابعة ما حقيقة إيمانك قالت ما عبدته خوفا من ناره ولا حبا لجنته فأكون كالأجير السوء بل عبدته حبا له وشوقا إليه وقالت في معنى المحبة نظما
أحبك حبين حب الهوى ... وحبا لأنك أهل لذاكا
فأما الذى هو حب الهوى ... فشغلى بذكرك عمن سواكا
وأما الذى أنت أهل له ... فكشفك لى الحجب حتى أراكا

فلا الحمد في ذا ولا ذاك لى ... ولكن لك الحمد في ذا وذاكا ولعلها أرادت بحب الهوى حب الله لإحسانه إليها وإنعامه عليها بحظوظ العاجلة وبحبه لما هو أهل له الحب لجماله وجلاله الذى انكشف لها وهو أعلى الحبين وأقواهما ولذة مطالعة جمال الربوبية هى التى عبر عنها رسول الله صلى الله عليه و سلم حيث قال حاكيا عن ربه تعالى أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر // حديث قال صلى الله عليه و سلم حاكيا عن ربه تعالى أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت الحديث أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة // وقد تعجل بعض هذه اللذات في الدنيا لمن انتهى صفاء قلبه إلى الغاية ولذلك قال بعضهم إنى أقول يا رب يا الله فأجد ذلك على قلبي أثقل من الجبال لأن النداء يكون من وراء حجاب وهل رأيت جليسا ينادى جليسه وقال إذا بلغ لارجل في هذا العلم الغاية رماه الخلق بالحجارة أي يخرج كلامه عن حد عقولهم فيرون ما يقوله جنونا أو كفرا
فمقصد العارفين كلهم وصله ولقاؤه فقط فهى قرة العين التى لا تعلم نفس ما أخفى لهم منها وإذا حصلت انمحقت الهموم والشهوات كلها وصار القلب مستغرقا بنعيمها فلو ألقى في النار لم يحس بها لاستغراقه ولو عرض عليه نعيم الجنة لم يلتفت إليه لكمال نعيمه وبلوغه الغاية التى ليس فوقها غاية وليت شعر من لم يفهم إلا حب المحسوسات كيف يؤمن بلذة النظر إلى وجه الله تعالى وماله صورة ولا شكل وأى معنى لو عد الله تعالى به عباده وذكره أنه أعظم النعم بل من عرف الله عرف أن اللذات المفرقة بالشهوات المختلفة كلها تنطوى تحت هذه اللذة كما قال بعضهم
كانت لقلبى أهواء مفرقة ... فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائى
فصار يحسدنى من كنت أحسده ... وصرت مولى الورى مذ صرت مولائى
تركت للناس دنياهم ودينهم ... شغلا بذكرك يا دينى ودنيائى
ولذلك قال بعضهم
وهجره أعظم من ناره ... ووصله أطيب من جنته
وما أرادوا بهذا إلا إيثار لذة القلب في معرفة الله تعالى على لذة الأكل والشرب والنكاح فإن الجنة معدن تمتع الحواس فأما القلب فلذته في لقاء الله فقط
ومثال أطوار الخلق في لذتهم ما نذكره وهو أن الصبى في أول حركته وتمييزه يظهر فيه غريزة بها يستلذ اللعب واللهو حتى يكون ذلك عنده ألذ من سائر الأشياء ثم يظهر بعده لذة الزينة ولبس الثياب وركوب الدواب فيستحقر معها لذة اللعب ثم يظهر بعده لذة الوقاع وشهوة النساء فيترك بها جميع ما قبلها في الوصول إليها ثم تظهر لذة الرياسة والعلو والتكاثر وهى آخر لذات الدنيا وأعلاها وأقواها كما قال تعالى اعلمواأنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر الآية
ثم بعد هذا تظهر غريزة أخرى يدرك بها لذة معرفة الله تعالى ومعرفة أفعاله فيستحقر معها جميع ما قبلها فكل متأخر فهو أقوى وهذا هو الأخير إذ يظهر حب اللعب في سن التمييز وحب النساء والزينة في سن البلوغ وحب الرياسة بعد العشرين وحب العلوم بقرب الأربعين وهى الغاية العليا وكما أن الصبى يضحك على من يترك اللعب ويشتغل بملاعبة النساء وطلب الرياسة فكذلك الرؤساء يضحكون على من يترك الرياسة ويشتغل بمعرفة الله تعالى والعارفون يقولون إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون

بيان السبب في زيادة النظر في لذة الآخرة على المعرفة في الدنيا
أعلم أن المدركات تنقسم إلى ما يدخل في الخيال كالصور المتخيلة والأجسام المتلونة والمتشكلة من أشخاص الحيوان والنبات وإلى مالا يدخل في الخيال كذات الله تعالى وكل ما ليس بجسم كالعلم والقدرة والإرادة وغيرها
ومن رأى إنسانا ثم غض بصره وجد صورته حاضرة في خياله كأنه ينظر إليها ولكن إذا فتح العين وأبصر أدرك تفرقة بينهما ولا ترجع التفرقة إلى اختلاف بين الصورتين لأن الصورة المرئية تكون موافقة للمتخيلة وإنما الافتراق بمزيد الوضوح والكشف فإن صورة المرئى صارت بالرؤية أتم انكشافا ووضوحا وهو كشخص يرى في وقت الإسفار قبل انتشار ضوء النهار ثم رؤى عند تمام الضوء فإنه لا تفارق إحدى الحالتين الأخرى إلا في مزيد الانكشاف
فإذن الخيال أول الإدراك والرؤية هو الاستكمال لإدراك الخيال وهو غاية الكشف وسمى ذلك رؤية لأنه غاية الكشف لا لأنه في العين بل لو خلق الله هذا الإدراك الكامل المكشوف في الجبهة أو الصدر مثلا استحق أن يسمى رؤية وإذا فهمت هذا في المتخيلات فاعلم أن المعلومات التى لا تتشكل أيضا في الخيال لمعرفتها وإدراكها درجتان إحداهما أولى والثانية استكمال لها
وبين الأولى والثانية من التفاوت في مزيد الكشف والإيضاح ما بين المتخيل والمرئى فيسمى الثانى أيضا بالإضافة إلى الأول مشاهدة ولقاء ورؤية وهذه التسمية حق لأن الرؤية سميت رؤية لأنها غاية الكشف وكما أن سنة الله تعالى جارية بأن تطبيق الأجفان يمنع من تمام الكشف بالرؤية ويكون حجابا بين البصر والمرئى ولا بد من ارتفاع الحجب لحصول الرؤية وما لم ترتفع كان الإدراك الحاصل مجرد التخيل فكذلك مقتضى سنة الله تعالى أن النفس ما دامت محجوبة بعوارض البدن ومقتضى الشهوات وما غلب عليها من الصفات البشرية فإنها لا تنتهى إلى المشاهدة واللقاء في المعلومات الخارجة عن الخيال بل هذه الحياة حجاب عنها بالضرورة كحجاب الأجفان عن روية الأبصار
والقول في سبب كونها حجابا يطول ولا يليق بهذا العلم
ولذلك قال تعالى لموسى عليه السلام لن ترانى وقال تعالى لا تدركه الأبصار أى في الدنيا والصحيح أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ما رأى الله تعالى ليلة المعراج // حديث أنه صلى الله عليه و سلم ما رأى الله تعالى ليلة المعراج في الصحيح هذا الذى صححه المصنف هو قول عائشة ففي الصحيحين أنها قالت من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب ولمسلم من حديث أبى ذر سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم هل رأيت ربك قال نورانى أراه وذهب ابن عباس وأكثر العلماء إلى إثبات رؤيته له وعائشة لم ترو ذلك عن النبي صلى الله عليه و سلم وحديث أبى ذر قال فيه أحمد مازلت له منكرا وقال ابن خزيمة في القلب من صحة إسناده شىء مع أن في رواية لأحمد في حديث أبى ذر رأيته نورا انى أراه ورجال إسنادها رجال الصحيح // فإذا ارتفع الحجاب بالموت بقيت النفس ملوثة بكدورات الدنيا غير منفكة عنها بالكلية وإن كانت متفاوته فمنها ما تراكم عليه الخبث والصدأ فصار كالمرآة التى فسد بطول تراكم الخبث جوهرها فلا تقبل الإصلاح والتصقيل وهؤلاء هم المحجوبون عن ربهم أبد الآباد نعوذ بالله من ذلك ومنها ما لم ينته إلى حد الرين والطبع ولم يخرج عن قبول التزكية والتصقيل فيعرض على النار عرضا يقمع منه الخبث الذى هو متدنس به ويكون العرض على النار بقدر الحاجة إلى التزكية وأقلها لحظة خفيفة وأقصاها في حق المؤمنين كما وردت به الأخبار سبعة آلاف سنة // حديث ان أقصى المكث في النار في حق المؤمنين سبعة آلاف سنة أخرجه الترمذى الحكيم في نوادر الأصول من حديث أبى هريرة إنما الشفاعة يوم القيامة لمن عمل الكبائر من أمتى الحديث وفيه وأطولهم مكثا فيها مثل الدنيا من يوم خلقت إلى يوم القيامة وذلك سبعة آلاف سنة وإسناده ضعيف // ولن ترتحل نفس عن

هذا العالم إلا ويصحبها غبرة وكدورة ما وإن قلت ولذلك قال الله تعالى وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجى الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا فكل نفس مستيقنة للورود على النار وغير مستيقنة للصدور عنها فإذا أكمل الله تطهيرها وتزكيتها وبلغ الكتاب أجله ووقع الفراغ عن جملة ما وعد به الشرع من الحساب والعرض وغيره ووافى استحقاق الجنة وذلك وقت مبهم لم يطلع الله عليه أحدا من خلقه فإنه واقع بعد القيامة ووقت القيامة مجهول فعند ذلك يشتغل بصفائه ونقائه عن الكدورات حيث لا يرهق وجهه غبرة ولا قترة لأن فيه يتجلى الحق سبحانه وتعالى فيتجلى له تجليا يكون انكشاف تجليه بالإضافة إلى ما علمه كانكشاف تجلى المرآة بالإضافة إلى ما تخيله
وهذه المشاهدة والتجلى هى التى تسمى رؤية فإذن الرؤية حق بشرط أن لا يفهم من الرؤية استكمال الخيال في متخيل متصور مخصوص بجهة ومكان فإن ذلك مما يتعالى عنه رب الأرباب علوا كبيرا بل كما عرفته في الدنيا معرفة حقيقية تامة من غير تخيل وتصور وتقدير شكل وصورة فتراه في الآخرة كذلك
بل أقول المعرفة الحاصلة في الدنيا بعينها هى التى تستكمل فتبلغ كمال الكشف والوضوح وتنقلب مشاهدة ولا يكون بين المشاهدة في الآخرة والمعلوم في الدنيا اختلاف إلا من حيث زيادة الكشف والوضوح كما ضربناه من المثال في استكمال الخيال بالرؤية
فإذا لم يكن في معرفة الله تعالى إثبات صورة وجهة فلا يكون في استكمال تلك المعرفة بعينها وترقيها في الوضوح إلى غاية الكشف أيضا جهة وصورة لأنها هى بعينها لا تفترق منها إلا في زيادة الكشف كما أن الصورة المرئية هى المتخيلة بعينها إلا في زيادة الكشف وإليه الإشارة بقوله تعالى يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا إذ تمام النور لا يؤثر إلا في زيادة الكشف ولهذا لا يفوز بدرجة النطر والرؤية إلا العارفون في الدنيا لأن المعرفة هى البذر الذى ينقلب في الآخرة مشاهدة كما تنقلب النواة شجرة والحب زرعا ومن لا نواة في أرضه كيف يحصل له نخل ومن لم يزرع الحب فكيف يحصد الزرع فكذلك من لم يعرف الله تعالى في الدنيا فكيف يراه في الآخرة ولما كانت المعرفة على درجات متفاوتة كان التجلى أيضا على درجات متفاوتة فاختلاف التجلى بالإضافة إلى اختلاف المعارف كاختلاف النبات بالإضافة إلى اختلاف البذر إذ تختلف لا محالة بكثرتها وقلتها وحسنها وقوتها وضعفها ولذلك قال النبى صلى الله عليه و سلم أن الله يتجلى للناس عامة ولأبى بكر خاصة // حديث أن الله يتجلى للناس عامة ولأبى بكر خاصة أخرجه ابن عدى من حديث جابر وقال باطل بهذا الإسناد وفي الميزان للذهبىأن الدارقطنى رواه عن المحاملى عن على بن عبدة وقال الدارقطنى ان على بن عبدة كان يضع الحديث ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق وابن الجوزى في الموضوعات من حديث جابر وأبى بردة وعائشة // فلا ينبغى أن يظن أن غير أبي بكر ممن هو دونه يجد من لذة النظر والمشاهدة ما يجده أبو بكر بل لا يجد إلا عشر عشيره إن كانت معرفتة في الدنيا عشر عشيرة ولما فضل من الناس بسر وقر في صدره فضل لا محالة بتدل انفرد به وكما أنك ترى في الدنيا من يؤثر لذة الرياسة على المطعوم والمنكوح وترى من يؤثر لذة العلم وانكشاف مشكلات ملكوت السموات والأرض وسائر الأمور الإلهية على الرياسة وعلى المنكوح والمطعوم والمشروب جميعا فكذلك يكون في الآخرة قوم يؤثرون لذة النظر إلى وجه الله تعالى على نعيم الجنة إذ يرجع نعيمها إلى المطعوم والمنكوح وهؤلاء بعينهم هم الذين حالهم في الدنيا ما وصفنا من إيثار لذة العلم والمعرفة والاطلاع على أسرار الربوبية على لذة المنكوح والمطعوم والمشروب وسائر الخلق مشغولون به
ولذلك لما قيل لرابعة ما تقولين في الجنة فقال الجار ثم الدار
فبينت أنه ليس في قلبها التفات إلى الجنة بل إلى رب الجنة
وكل من لم يعرف الله في الدنيا فلا يراه

في الآخرة وكل من لم يجد لذة المعرفة في الدنيا فلا يجد لذة النظر في الآخرة إذ ليس يستأنف لأحد في الآخرة ما لم يصحبه من الدنيا ولا يحصد أحد إلا ما زرع ولا يحشر المرء إلا على ما مات عليه ولا يموت إلا على ما عاش عليه فما صحبه من المعرفة هو الذى يتنعم به بعينه فقط إلا أنه ينقلب مشاهدة بكشف الغطاء فتتضاعف اللذة به كما تتضاعف لذة العاشق إذا استبدل بخيال صورة المعشوق رؤية صورته فإن ذلك منتهى لذته وإنما طيبة الجنة أن لكل أحد فيها ما يشتهى فمن لا يشتهي إلا لقاء الله تعالى فلا لذة له في غيره بل ربما يتأذى به
فإذن نعيم الجنة بقدر حب الله تعالى وحب الله تعالى بقدر معرفته فأصل السعادات هى المعرفة التى عبر الشرع عنها بالإيمان
فإن قلت فلذة الرؤية إن كان لها نسبة إلى لذة المعرفة فهى قليلة وإن كان أضعافها لأن لذة المعرفة في الدنيا ضعيفة فتضاعفها إلى حد قريب لا ينتهى في القوة إلى أن يستحقر سائر لذات الجنة فيها فاعلم أن هذا الاستحقار للذة المعرفة صدر من الخلو عن المعرفة فمن خلا عن المعرفة كيف يدرك لذتها وإن انطوى على معرفة ضفيفة وقلبه مشحون بعلائق الدنيا فكيف يدرك لذتها فللعارفين في معرفتهم وفكرتهم ومناجاتهم لله تعالى لذات لو عرضت عليهم الجنة في الدنيا بدلا عنها لم يستبدلوا بها لذة الجنة ثم هذه اللذة مع كمالها لا نسبة لها أصلا إلى لذة اللقاء والمشاهدة كما لا نسبة للذة خيال المعشوق إلى رؤيته ولا لذة استنشاق روائح الأطعمة الشهية إلى ذوقها ولا للذة اللمس باليد إلى لذة الوقاع
وإظهار عظم التفاوت بينهما لا يمكن إلا بضرب مثال فنقول لذة النظر إلى وجه المعشوق في الدنيا تتفاوت بأسباب أحدهما كمال جمال المعشوق ونقصانه فإن اللذة في النظر إلى الأجمل أكمل لا محالة
والثانى كمال قوة الحب والشهوة والعشق فليس التذاذ من اشتد عشقه كالتذاذ ضعفت شهوته وحبه
والثالث كمال الإدراك فليس التذاذ برؤية المعشوق في ظلمة أو من وراء ستر رقيق أو من بعده كالتذاذه بإدراكه على قرب من غير ستر وعند كمال الضوء ولا إدراك لذة المضاجعة مع ثوب حائل كإدراكها مع التجرد
والرابع اندفاع العوائق المشوشة والآلام الشاغلة للقلب فليس التذاذ الصحيح الفارغ المتجرد للنظر إلى المعشوق كالتذاذ الخائف المذعور أو المريض المتألم أو المشغول قلبه بمهم من المهمات
فقدر عاشقا ضعيف العشق ينظر إلى وجه معشوقه من وراء ستر رقيق على بعد بحيث يمنع انكشاف كنه صورته في حالة اجتمع عليه عقارب وزنابير تؤذيه وتلدغه وتشغل قلبه فهو في هذه الحالة لا يخلو عن لذة ما من مشاهدة معشوقه فلو طرأت على الفجأة حالة انهتك بها الستر وأشرق بها الضوء واندفع عنه المؤذيات وبقى سليما فارغا وهجمت عليه الشهوة القوية والعشق المفرط حتى بلغ أقصى الغايات فانظر كيف تتضاعف اللذة حتى لا يبقى للأولى إليها نسبة يعتد بها فكذلك فافهم نسبة لذة النظر إلى لذة المعرفة
فالستر الرقيق مثال البدن والاشتغال به والعقارب والزنابير مثال الشهوات المتسلطة على الإنسان من الجوع والعطش والغضب والغم والحزن وضعف الشهوة والحب مثال لقصور النفس في الدنيا ونقصانها عن الشوق إلى الملأ الأعلى والتفاتها إلى أسفل السافلين وهو مثل قصور الصبى عن ملاحظة لذة الرياسة والتفاته إلى اللعب بالعصفور والعارف وإن قويت في الدنيا معرفته فلا يخلو عن هذه المشوشات ولا يتصور أن يخلو عنها ألبتة
نعم قد تضعف هذه العوائق في بعض الأحوال ولا تدوم فلا جرم يلوح من جمال المعرفة ما يبهت العقل وتعظم لذته بحيث يكاد القلب يتفطر لعظمته ولكن يكون ذلك

كالبرق الخاطف وقلما يدوم بل يعرض من الشواغل والأفكار والخواطر ما يشوشه وينغصه وهذه ضرورة دائمة في هذه الحياة الفانية فلا تزال هذه اللذة منغصة إلى الموت وإنما الحياة الطيبة بعد الموت وإنما العيش عيش الآخرة وإن الدار الآخرة لهى الحيوان لو كانوا يعلمون وكل من انتهى إلى هذه الرتبة فإنه يحب لقاء الله تعالى فيحب الموت ولا يكره إلا من حيث ينتظر زيادة استكمال في المعرفة فإن المعرفة كالبذر وبحر المعرفة لا ساحل له فالإحاطة بكنه جلال الله محال فكلما كثرت المعرفة بالله وبصفاته وأفعاله وبأسرار مملكته وقويت كثر النعيم في الآخرة وعظم كما أنه كلما كثر البذر وحسن كثر الزرع وحسن ولا يمكن تحصيل هذا البذر إلا في الدنيا ولا يزرع إلا في صعيد القلب ولا حصاد إلا في الآخرة
ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أفضل السعادات طول العمر في طاعة الله // حديث أفضل السعادات طول العمر في طاعة الله أخرجه إبراهيم الحربي في كتاب ذكر الموت من رواية ابن لهيعة عن ابن الهاد عن المطلب عن أبيه عن النبى صلى الله عليه و سلم قال السعادة كل السعادة طول العمر في طاعة الله ووالد المطلب عبد الله بن حوطب مختلف في صحبته ولأحمد من حديث جابر ان من سعادة المرء أن يطول عمره ويرزقه الله الإنابة والترمذى من حديث أبى بكرة أن رجلا قال يا رسول الله أى الناس خير قال من طال عمره وحسن عمله قال هذا حديث حسن صحيح وقد تقدم // لأن المعرفة إنما تكمل وتكثر وتتسع في العمر الطويل بمداومة الفكر والمواظبة على المجاهدة والأنقطاع عن علائق الدنيا والتجرد للطلب ويستدعى ذلك زمانا لا محالة فمن أحب الموت أحبه لأنه رأى نفسه واقفا في المعرفة بالغا إلى منتهى ما يسر له ومن كره الموت كرهه لأنه كان يؤمل مزيد معرفة تحصل له بطول العمر ورأى نفسه مقصرا عما تحتمله قوته لو عمر فهذا سبب كراهة الموت وحبه عند أهل المعرفة
وأما سائر الخلق فنظرهم مقصور على شهوات الدنيا إن اتسعت أحبوا البقاء وإن ضاقت تمنوا الموت
وكل ذلك حرمان وخسران مصدره الجهل والغفلة
فالجهل والغفلة مغرس كل شقاوة
والعلم والمعرفة أساس كل سعادة فقد عرفت بما ذكرناه معنى المحبة ومعنى العشق فإنه المحبة المفرطة القوية ومعنى لذة المعرفة ومعنى الرؤية ومعنى لذة الرؤية ومعنى كونها ألذ من سائر اللذات عند ذوى العقول والكمال وإن لم تكن كذلك عند ذوى النقصان كما لم تكن الرياسة ألذ من المطعومات عند الصبيان
فإن قلت فهذه الرؤيا محلها القلب أو العين في الآخرة فاعلم أن الناس قد اختلفوا في ذلك وأرباب البصائر لا يلتفتون إلى هذا الخلاف ولا ينظرون فيه بل العاقل يأكل البقل ولا يسأل عن المبقلة ومن يشتهى رؤية معشوقه يشغله عشقه عن ان يلتفت إلى أن رؤيته تخلق في عينه أو جبهته بل يقصد الرؤيا ولذتها سواء كان ذلك بالعين أو غيرها فإن العين محل وظرف لا نظر إليه ولا حكم له والحق فيه أن القدرة الآزلية واسعة فلا يجوز أن نحكم عليها بالقصور عن أحد الأمرين هذا في حكم الجواز فأما الواقع في الآخرة من الجائزين فلا يدرك إلا بالسمع // حديث رؤية الله في الآخرة حقيقة متفق عليه من حديث أبى هريرة أن الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة قال هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر الحديث // والحق ما ظهر لأهل السنة والجماعة من شواهد الشرع أن ذلك يخلق في العين ليكون لفظ الرؤية والنظر وسائر الألفاظ الواردة في الشرع مجرى على ظاهره إذ لا يجوز إزالة الظواهر إلا لضرورة والله تعالى أعلم
بيان الأسباب المقوية لحب الله تعالى
أعلم أن أسعد الخلق حالا في الآخرة أقواهم حبا لله تعالى فإن الآخرة معناها القدوم على الله تعالى ودرك سعادة لقائه وما أعظم نعيم المحب إذا قدم على محبوبه بعد طول شوقه وتمكن من دوام مشاهدته أبد الآباد من

غير منغص ومكدر ومن غير رقيب ومزاحم ومن غير خوف انقطاع إلا أن هذا النعيم على قدر قوة الحب فكلما ازدادت المحبة ازدادت اللذة وإنما يكتسب العبد حب الله تعالى في الدنيا وأصل الحب لا ينفك عنه مؤمن لأنه لا ينفك عن أصل المعرفة وأما قوة الحب واستيلاؤه حتى ينتهي إلى الاستهتار الذي يسمى عشقا فذلك ينفك عنه الأكثرون وإنما يحصل ذلك بسبين أحدهما قطع علائق الدنيا وإخراج حب غير الله من القلب فإن القلب مثل الإناء لا يتسع للخل مثلا ما لم يخرج منه الماء ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وكمال الحب في أن يحب الله عز و جل بكل قلبه
وما دام يلتفت إلى غيره فزاوية من قلبه مشغولة بغيره فبقدر ما يشغل بغير الله ينقص منه حب الله وبقدر ما يبقى من الماء في الإناء ينقص من الخل المصبوب فيه
وإلى هذا التفريد والتجريد الإشارة بقوله تعالى قل الله ثم ذرهم في خوضهم وبقوله تعالى إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا بل هو معنى قولك لا إله إلا الله أى لا معبود ولا محبوب سواه فكل محبوب فإنه معبود فإن العبد هو المقيد والمعبود هو المقيد به
وكل محب فهو مقيد بما يحبه ولذلك قال الله تعالى أرأيت من اتخذ إلهه هواه وقال صلى الله عليه و سلم أبغض إله عبد في الأرض الهوى ولذلك قال عليه السلام من قال لا اله إلا الله مخلصا دخل الجنة ومعنى الإخلاص أن يخلص قلبه لله فلا يبقى فيه شرك لغير الله فيكون الله محبوب قلبه ومعبود قلبه ومقصود قلبه فقط ومن هذا حاله فالدنيا سجنه لأنها مانعة له من مشاهدة محبوبه وموته خلاص من السجن وقدوم على المحبوب فما حال من ليس له الا محبوب واحد وقد طال اليه شوقه وتمادى عنه حبسه فخلى من السجن ومكن من المحبوب وروح بالأمن ابد الآباد فاحد أسباب ضعف حب الله في القلوب قوة حب الدنيا ومنه حب الأهل والمال والولد والأقارب والعقار والدواب والبساتين والمنتزهات حتى إن المتفرح بطيب أصوات الطيور وروح نسم الأسحار ملتفت إلى نعيم الدنيا ومتعرض لنقصان حب الله تعالى بسببه فبقدر ما أنس بالدنيا فينقص أنسه بالله ولا يؤتى أحد من الدنيا شيئا إلا وينقص بقدره من الآخرة بالضرورة كما أنه لا يقرب الإنسان من المشرق إلا ويبعد بالضرورة من المغرب بقدره ولا يطيب قلب امرأته إلا ويضيق به قلب ضرتها فالدنيا والآخرة ضرتان وهما كالمشرق والمغرب وقد انكشف ذلك لذوى القلوب انكشافا أوضح من الأبصار بالعين وسبيل قلع حب الدنيا من القلب سلوك طريق الزهد وملازمة الصبر والانقياد إليهما بزمام الخوف والرجاء فما ذكرناها من المقامات كالتوبة والصبر والزهد والخوف والرجاء هي مقدمات ليكتسب بها أحد ركني المحبة وهو تخلية القلب عن غير الله وأوله الإيمان بالله واليوم الآخر والجنة والنار ثم يتشعب منه الخوف والرجاء ويتشعب منهما التوبة والصبر عليهما ثم ينجر ذلك إلى الزهد في الدنيا وفي المال والجاه وكل حظوظ الدنيا حتى يحصل من جميعه طهارة القلب عن غير الله فقط حتى يتسع بعده لنزول معرفة الله وحبه فكل ذلك مقدمات تطهير القلب وهو أحد ركني المحبة واليه الإشارة بقوله عليه السلام الطهور شطر الإيمان // حديث الطهور شطر الإيمان أخرجه مسلم حديث أبى مالك من الأشعرى وقد تقدم // كما ذكرناه في أول كتاب الطهارة السبب الثاني لقوة المحبة قوة معرفة الله تعالى واتساعها واستيلاؤها على القلب وذلك بعد تطهير القلب من جميع شواغل الدنيا وعلائقها يجري مجرى وضع البذر في الأرض بعد تنقيتها من الحشيش وهو الشطر الثاني ثم يتولد من هذا البذر شجرة المحبة والمعرفة وهي الكلمة الطيبة التي ضرب الله بها مثلا حيث قال ضرب الله مثلا كلمة

طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء واليها الاشارة بقوله تعالى إليه يصعد الكلم الطيب أي المعرفة والعمل الصالح يرفعه فالعمل الصالح كالجمال لهذه المعرفة وكالخادم وانما العمل الصالح كله في تطهير القلب أولا من الدنيا ثم ادامة طهارته فلا يراد العمل الا لهذه المعرفة وأما العلم بكيفية العمل فيراد للعمل فالعلم هو الأول وهو الآخر وانما الأول علم المعاملة وغرضه العمل وغرض المعاملة صفاء القلب وطهارته ليتضح فيه جلية الحق ويتزين بعلم المعرفة وهو علم المكاشفة ومهما حصلت هذه المعرفة تبعتها المحبة بالضرورة كما أن من كان معتدل المزاج اذا أبصر الجميل وأدركه بالعين الظاهرة أحبه ومال اليه ومهما أحبه حصلت اللذة فاللذة تبع المحبة بالضرورة والمحبة تبع المعرفة بالضرورة ولا يوصل الى هذه المعرفة بعد انقطاع شواغل الدنيا من القلب الا بالفكر الصافي والذكر الدائم والجد البالغ في الطلب والنظر المستمر في الله تعالى وفي صفاته وفي ملكوت سمواته وسائر مخلوقاته والواصلون الي هذه الرتبة ينقسمون الي الأقوياء ويكون أول معرفتهم بالله تعالى ثم به يعرفون غيره والى الضعفاء ويكون أول معرفتهم بالأفعال ثم يترقون منها الى الفاعل والى الأول الاشارة بقوله تعالى أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد وبقوله تعالى شهد الله أنه لا اله الا هو ومنه نظر بعضهم حيث قيل له بم عرفت ربك قال عرفت ربي ولولا ربي لما عرفت ربي والى الثاني الاشارة بقوله تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق الآية وبقوله عز و جل أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وبقوله تعالى قل انظروا ماذا في السموات والأرض وبقوله تعالى الذي خلق سبع سموات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئا وهو حسير وهذا الطريق هو الأسهل على الأكثرين وهو الأوسع على السالكين واليه أكثر دعوة القرآن عند الأمر بالتدبر والتفكر والاعتبار والنظر في آيات خارجة عن الحصر فان قلت كلا الطريقين مشكل فأوضح لنا منهما ما يستعان به على تحصيل المعرفة والتوصل به الي المحبة فاعلم أن الطريق الأعلى هو الاستشهاد بالحق سبحانه على سائر الخلق فهو غامض والكلام فيه خارج عن حد فهم أكثر الخلق فلا فائدة في ايراده في الكتب وأما الطريق الأسهل الأدنى فأكثره غير خارج عن حد الأفهام وانما قصرت الأفهام عنه لاعراضها عن التدبر واشتغالها بشهوات الدنيا وحظوظ النفس والمانع من ذكر هذا اتساعه وكثرته وانشعاب أبوابه الخارجة عن الحصر والنهاية إذ مامن ذرة من أعلى السموات الى تخوم الأرضين الا وفيها عجائب آيات تدل على كمال قدرة الله تعالى وكمال حكمته ومنتهى جلاله وعظمته وذلك مما لا يتناهى قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي فالخوض فيه انغماس في بحار علوم المكاشفة ولا يمكن أن يتطفل به على علوم المعاملة ولكن يمكن الرمز الي مثال واحد على الايجاز ليقع التنبيه لجنسه فنقول أسهل الطريقين النظر الي الأفعال فلنتكلم فيها ولنترك الأعلى ثم الأفعال الالهية كثيرة فنطلب أقلها وأحقرها وأصغرها ولننظر في عجائبها فأقل المخلوقات هو الأرض وما عليها أعني بالاضافة الي الملائكة وملكوت السموات فانك ان نظرت فيها من حيث الجسم والعظم في الشخص فالشمس على ما ترى من صغر حجمها هي مثل الأرض مائة ونيفا وستين مرة فانظر الى صغر الأرض بالاضافة اليها ثم انظر الى صغر الشمس بالاضافة الى

فلكها الذي هي مركوزة فيه فانه لا نسبة لها إليه وهي في السماء الرابعة وهي صغيرة بالاضافة إلى ما فوقها من السموات السبع ثم السموات السبع في الكرسي كخلقة في فلاة والكرسى في العرش كذلك فهذا نظر إلى ظاهر الأشخاص من حيث المقادير وما أحقر الأرض كلها بالاضافة إليها بل ما أصغر الأرض بالإضافة إلى البحار فقد قال رسول اللهA الأرض في البحر كالاصطبل في الأرض // حديث الأرض في البحر كالاصطبل في الأرض لم أجد له أصلا // ومصداق هذا عرف بالمشاهدة والتجربة وعلم أن المكشوف من الأرض عن الماء كجزيرة صغيرة بالاضافة إلى كل الأرض ثم انظر إلى الآدمي المخلوق من التراب الذي هو جزء من الأرض والى سائر الحيوانات والى صغره بالاضافة إلى الأرض ودع عنك جميع ذلك فأصغر ما نعرفه من الحيوانات البعوض والنحل وما يجري مجراه فانظر في البعوض على قدر صغر قدره وتأمله بعقل حاضر وفكر صاف فانظر كيف خلقه الله تعالى على شكل الفيل الذي هو أعظم الحيوانات إذ خلق له خرطوما مثل خرطومه وخلق له على شكله الصغير سائر الأعضاء كما خلقه للفيل بزيادة جناحين وانظر كيف قسم أعضاءه الظاهرة فأنبت جناحه وأخرج يده ورجله وشق سمعه وبصره ودبر في باطنه من أعضاء الغذاء وآلاته ما دبره في سائر الحيوانات وركب فيها من القوى الغاذية والجاذبة الدافعة والماسكة والهاضمة ما ركب في سائر الحيوانات هذا في شكله وصفاته ثم انظر إلى هدايته كيف هداه الله تعالى إلى غذائه وعرفه أن غذاءه دم الإنسان ثم انظر كيف أنبت له آلة الطيران إلى الإنسان وكيف خلق له الخرطوم الطويل وهو محدد الرأس وكيف هداه إلى مسام بشرة الإنسان حتى يضع خرطومه في واحد منها ثم كيف قواه حتى يغرز فيه الخرطوم وكيف علمه المص والتجرع للدم وكيف خلق الخرطوم مع دقته مجوفا حتى يجرى فيه الدم الرقيق وينتهى إلى باطنه وينتشر في سائر أجزائه ويغذيه ثم كيف عرفه أن الإنسان يقصده بيده فعلمه حيلة الهرب واستعداد آلته وخلق له السمع الذي يسمع به خفيف حركة اليد وهى بعد بعيدة منه فيترك المص ويهرب ثم إذا سكنت اليد يعود ثم انظر كيف خلق له حدقتين حتى يبصر موضع غذائه فيقصده مع صغر حجم وجهه
وانظر إلى أن حدقة كل حيوان صغير لما لم تحتمل حدقته الأجفان لصغره وكانت الأجفان مصقلة لمرآة الحدقة عن القذى والغبار خلق للبعوض والذباب يدين فتنظر إلى الذباب فتراه على الدوام يمسح حدقتيه بيديه
وأما الإنسان والحيوان الكبير فخلق لحدقتيه الأجفان حتى ينطبق أحدهما على الآخر وأطرافهما حادة فيجمع الغبار الذى يلحق الحدقة ويرميه إلى أطراف الأهداب وخلق الأهداب السود لتجمع ضوء العين وتعين على الإبصار وتحسن صورة العين وتشبكها عند هيجان الغبار فينظر من وراء شباك الأهداب واشتباكها يمنع دخول الغبار ولا يمنع الإبصار
وأما البعوض فخلق لها حدقتين مصقلتين من غير أجفان وعلمها كيفية التصقيل باليدين ولأجل ضعف أبصارها تراها تتهافت على السراج لأن بصره ضعيف فهى تطلب ضوء النهار فإذا رأى المسكين ضوء السراج بالليل ظن أنه في بيت مظلم وأن السراج كوة من البيت المظلم إلى الموضع المضيء فلا يزال يطلب الضوء ويرمى بنفسه إليه فإذا جاوزه ورأى الظلام ظن أنه لم يصب الكوة ولم يقصدها على السداد فيعود إليه مرة أخرى إلى أن يحترق ولعلك تظن أن هذا لنقصانها وجهلها فاعلم أن جهل الإنسان أعظم من جهلها بل صورة الآدمى في الإكباب على الشهوات الدنيا صورة الفراش في التهافت على النار إذتلوح للآدمى أنوار الشهوات من حيث ظاهر صورتها ولا يدرى أن تحتها السم الناقع القاتل فلا يزال يرمى نفسه عليها إلى أن ينغمس فيها ويتقيد بها ويهلك

هلاكا مؤبدا فليت كان جهل الآدمى كجهل الفراش فإنها باغترارها بظاهر الضوء إن احترقت تخلصت في الحال والآدمى يبقى في النار أبد الآباد او مدة مديدة ولذلك كان ينادى رسول الله صلى الله عليه و سلم ويقول إنى ممسك بحجزكم عن النار وأنتم تتهافتون فيها تهافت الفراش // حديث إنى ممسك بحجزكم عن النار وأنتم تهافتون فيها تهافت الفراش متفق عليه من حديث أبى هريرة مثلى ومثل أمتى كمثل رجل استوقد نارا فجعلت الدواب والفراش يقعن فأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقتحمون فيه لفظ مسلم واقتصر البخارى على أوله ولمسلم من حديث جابر وأنا آخذ بحجزكم وأنتم تفلتون من يدى // فهذه لمعة عجيبة من عجائب صنع الله تعالى في أصغر الحيوانات وفيها من العجائب ما لو اجتمع الأولون والآخرون على الإحاطة بكنهه عجزوا عن حقيقته ولم يطلعوا على أمور جلية من ظاهر صورته فأما خفايا معانى ذلك فلا يطلع عليها إلا الله تعالى
ثم في كل حيوان ونبات أعجوبة وأعاجيب تخصه لا يشاركه فيها غيره فانظر إلى النحل وعجائبها وكيف أوحى الله تعالى إليها حتى اتخذت من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون وكيف استخرج من لعابها الشمع والعسل وجعل أحدهما ضياء وجعل الآخر شفاء ثم لو تأملت عجائب أمرها في تناولها الأزهار والأنوار واحترازها عن النجاسات والأقذار وطاعتها لواحد من جملتها هو أكبرها شخصا وهو أميرها ثم ما سخر الله تعالى له أميرها من العدل والإنصاف بينها حتى انه ليقتل على باب المنفذ كل ما وقع منها على نجاسة لقضيت منها عجبا آخر العجب إن كنت بصيرا في نفسك وفارغا من هم بطنك وفرجك وشهوات نفسك في معاداة أقرانك وموالاة إخوانك ثم دع عنك جميع ذلك وانظر إلى بنائها بيوتها من الشمع واختيارها من جملة الأشكال الشكل المسدس فلا تبني بيتا مستديرا ولا مربعا ولا مخمسا بل مسدسا لخاصية في الشكل المسدس يقصر فهم المهندسين عن دركها وهو أن أوسع الأشكال وأحواها المستديرة وما يقرب منها فان المربع يخرج منه زوايا ضائعة وشكل النحل مستدير مستطيل فترك المربع حتى لا تضيع الزوايا فتبقى فارغة ثم لو بناها مستديرة لبقيت خارج البيوت فرج ضائعة فان الأشكال المستديرة إذا جمعت لم تجتمع متراصة ولا شكل في الأشكال ذوات الزوايا يقرب في الاحتواء من المستدير ثم تتراص الجملة منه بحيث لا يبقى بعد اجتماعها فرجة الا المسدس وهذه خاصية هذه الشكل فانظر كيف ألهم الله تعالى النحل على صغر جرمه ولطافة قده لطفا به وعناية بوجوده وما هو محتاج اليه ليتهنأ بعيشه فسبحانه ما أعظم شأنه وأوسع لطفه وامتنانه
فاعتبر بهذه اللمعة اليسيرة من محقرات الحيوانات ودع عنك عجائب ملكوت الأرض والسموات فان القدر الذي بلغه فهمنا القاصر منه تنقضي الأعمار دون إيضاحه ولا نسبة لما أحاط به علمنا إلى ما أحاط به العلماء والأنبياء ولا نسبة لما أحاط به علم الخلائق كلهم إلى ما استأثر الله تعالى بعلمه بل كل ما عرفه الخلق لا يستحق أن يسمى علما في جنب علم الله تعالى فبالنظر في هذا وأمثاله تزداد المعرفة الحاصلة بأسهل الطريقين وبزيادة المعرفة تزداد المحبة فان كنت طالبا سعادة لقاء الله تعالى فانبذ الدنيا وراء ظهرك واستغرق العمر في الذكر الدائم والفكر اللازم فعساك تحظى منها بقدر يسير ولكن تنال بذلك اليسير ملكا عظيما لا آخر له
بيان السبب في تفاوت الناس في الحب
اعلم ان المؤمنين مشتركون في أصل الحب لاشتراكهم في أصل المحبة ولكنهم متفاوتون لتفاوتهم في المعرفة وفي حب الدنيا إذ الأشياء إنما تتفاوت بتفاوت أسبابها وأكثر الناس ليس لهم من الله تعالى إلا الصفات

والأسماء التى قرعت سمعهم فتلقنوها وحفظوها وربما تخيلوا لها معانى يتعالى عنها رب الأرباب وربما لم يطلعوا على حقيقتها ولا تخيلوا لها معنى فاسدا بل آمنوا بها إيمان تسليم وتصديق واشتغلوا بالعمل وتركوا البحث وهؤلاء هم أهل السلامة من أصحاب اليمين والمتخيلون هم الضالون والعارفون بالحقائق هم المقربون
وقد ذكر الله حال الأصناف الثلاثة في قوله تعالى فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم الآية
فإن كنت لا تفهم الأمور إلا بالأمثلة فلنضرب لتفاوت الحب مثالا فنقول أصحاب الشافعى مثلا يشتركون في حب الشافعى رحمه الله الفقهاء منهم والعوام لأنهم مشتركون في معرفة فضله ودينه وحسن سيرته ومحامد خصاله ولكن العامى يعرف علمه مجملا والفقيه يعرفه مفصلا فتكون معرفة الفقيه به أتم وإعجابه به وحبه له أشد فإن من رأى تصنيف مصنف فاستحسنه وعرف به فضله أحبه لا محالة ومال إليه قلبه فإن رأى تصنيفا آخر أحسن منه وأعجب تضاعف لا محالة حبه لأنه تضاعفت معرفته بعلمه وكذلك يعتقد الرجل في الشاعر أنه حسن الشعر فيحبه فإذا سمع من غرائب شعره ما عظم فيه حذقه وصنعته ازداد به معرفة وازداد له حبا وكذا سائر الصناعات والفضائل
والعامى قد يسمع أن فلانا مصنف وأنه حسن التصنيف ولكن لا يدرى ما في التصنيف فيكون له معرفة مجملة ويكون له بحسبه ميل مجمل والبصير إذا فتش عن التصانيف واطلع على ما فيها من العجائب تضاعف حبه لا محالة لأن عجائب الصنعة والشعر والتصنيف تدل على كمال صفات الفاعل والمصنف والعالم بجملته صنع الله تعالى وتصنيفه والعامى يعلم ذلك ويعتقده وأما البصير فإنه يطالع تفصيل صنع الله تعالى فيه حتى يرى في البعوض مثلا من عجائب صنعه ما ينبهر به عقله ويتحير فيه لبه ويزداد بسببه لا محالة عظمة الله وجلاله وكمال صفاته في قلبه فيزداد له حبا وكلما ازداد على أعاجيب صنع الله اطلاعا استدل بذلك على عظمة الله الصانع وجلاله وازداد به معرفة وله حبا
وبحر هذه المعرفة أعنى معرفة عجائب صنع الله تعالى بحر لا ساحل له فلا جرم تفاوت أهل المعرفة في الحب لا حصر له ومما يتفاوت بسببه الحب اختلاف الأسباب الخمسة التى ذكرناها للحب فإن من يحب الله مثلا لكونه محسنا إليه منعما عليه ولم يحبه لذاته ضعفت محبته إذ تتغير بتغير الإحسان فلا يكون حبه في حالة البلاء كحبه في حالة الرضا والنعماء
وأما من يحبه لذاته ولأنه مستحق للحب بسبب كماله وجماله ومجده وعظمته فإنه لا يتفاوت حبه بتفاوت الإحسان إليه
فهذا وأمثاله هو سبب تفاوت الناس في المحبة
والتفاوت في المحبة هو السبب للتفاوت في سعادة الآخرة
ولذلك قال تعالى وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا
بيان السبب في قصور أفهام الخلق عن معرفة الله سبحانه
أعلم أن أظهر الموجودات وأجلاها هو الله تعالى وكان هذا يقتضى أن تكون معرفته أول المعارف وأسبقها إلى الأفهام وأسهلها على العقول وترى الأمر بالضد من ذلك فلا بد من بيان السبب فيه
وإنما قلنا إنه أظهر الموجودات وأجلاها لمعنى لا تفهمه إلا بمثال وهو أنا إذا رأينا إنسانا يكتب أو يخيط مثلا كان كونه حيا عندنا من أظهر الموجودات فحياته وعلمه وقدرته وإرادته للخياطة أجلى عندنا من سائر صفاته الظاهرة والباطنة إذصفاته الباطنة كشهوته وغضبه وخلقه وصحته ومرضه وكل ذلك لا نعرفه وصفاته الظاهرة لا نعرف بعضها وبعضها نشك فيه كمقدار طوله واختلاف لون بشرته وغير ذلك من صفاته
أما حياته وقدرته وإرادته وعلمه وكونه حيوانا فإنه جلى عندنا من غير أن يتعلق حس البصر بحياته وقدرته وإرادته فإن هذه الصفات

لا تحس بشيء من الحواس الخمس ثم لا يمكن أن نعرف حياته وقدرته وإرادته إلا بخياطته وحركته فلو نظرنا إلى كل ما في العالم سواه لم نعرف به صفته فما عليه إلا دليل واحد وهو مع ذلك جلى واضح ووجود الله تعالى وقدرته وعلمه وسائر صفاته يشهد له بالضرورة كل ما نشاهده وندركه بالحواس الظاهرة والباطنة من حجر ومدر ونبات وشجر وحيوان وسماء وأرض وكوكب وبحر ونار وهواء وجوهر وعرض بل أول شاهد عليه أنفسنا وأجسامنا وأوصافنا وتقلب أحوالنا وتغير قلوبنا وجميع أطوارنا في حركاتنا وسكناتنا وأظهر الأشياء في علمنا أنفسنا ثم محسوساتنا بالحواس الخمس ثم مدركاتنا بالعقل والبصيرة وكل واحد من هذه المدركات له مدرك واحد وشاهد واحد ودليل واحد وجميع ما في العالم شواهد ناطقة وأدلة شاهدة بوجود خالقها ومدبرها ومصرفها ومحركها ودالة على علمه وقدرته ولطفه وحكمته
والموجودات المدركة لا حصر لها فإن كانت حياة الكاتب ظاهرة عندنا وليس لها يشهد إلا شاهد واحد وهو ما أحسسنا به من حركة يده فكيف لا يظهر عندنا ما لا يتصور في الوجود شيء داخل نفوسنا وخارجها إلا وهو شاهد عليه وعلى عظمته وجلاله إذ كل ذرة فإنها تنادى بلسان حالها أنه ليس وجودها بنفسها ولا حركتها بذاتها وأنها تحتاج إلى موجد ومحرك لها يشهد بذلك أولا تركيب أعضائنا وائتلاف عظامنا ولحومنا وأعصابنا ومنابت شعورنا وتشكل أطرافنا وسائر أجزائنا الظاهرة والباطنة فإنه نعلم أنها لم تأتلف بأنفسها كما نعلم أن يد الكاتب لم تتحرك بنفسها ولكن لما لم يبق في الوجود شيء مدرك ومحسوس ومعقول وحاضر وغائب إلا وهو شاهد ومعرف عظم ظهوره فانبهرت العقول ودهشت عن إدراكه
فإن ما تقصر عن فهمه عقولنا فله سببان أحدهما خفاؤه في نفسه وغموضه وذلك لا يخفى مثاله والآخر ما يتناهى وضوحه وهذا كما أن الخفاش يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار لا لخفاء النهار واستتاره ولكن لشدة ظهوره فإن بصر الخفاش ضعيف يبهره نور الشمس إذا أشرقت فتكون قوة ظهوره مع ضعف بصره سببا لامتناع إبصاره فلا يرى شيئا إلا إذا امتزج الضوء بالظلام وضعف ظهوره
فكذلك عقولنا ضعيفة وجمال الحضرة الإلهية في نهاية الإشراق والاستنارة وفي غاية الاستغراق والشمول حتى لم يشذ عن ظهوره ذرة من ملكوت السموات والأرض فصار ظهوره سبب خفائه فسبحان من احتجب بإشراق نوره واختفى عن البصائر والأبصار بظهوره ولا يتعجب من اختفاء ذلك بسبب الظهور فإن الأشياء تستبان بأضدادها وماعم وجوده حتى أنه لا ضد له عسر إدراكه فلو اختلفت الأشياء فدل بعضها دون بعض أدركت التفرقة على قرب ولما اشتركت في الدلالة على نسق واحد أشكل الأمر
ومثاله نور الشمس المشرق على الأرض فإنا نعلم أنه عرض من الأعراض يحدث في الأرض ويزول عند غيبة الشمس فلو كانت الشمس دائمة الإشراق لا غروب لها لكنا نظن أنه لا هيئة في الأجسام إلا ألوانها وهى السواد والبياض وغيرهما فإنا لا نشاهد في الأسود إلا السواد وفي الأبيض إلا البياض فأما الضوء فلا ندركه وحده ولكن لما غابت الشمس وأظلمت المواضع أدركنا تفرقة بين الحالين فعلمنا أن الأجسام كانت قد استضاءت بضوء واتصفت بصفة فارقتها عند الغروب فعرفنا وجود النور بعدمه وما كنا نطلع عليه لولا عدمه إلا بعسر شديد وذلك لمشاهدتنا الأجسام متشابهة غير مختلفة في الظلام والنور هذا مع أن النور أظهر المحسوسات إذ به تدرك سائر المحسوسات فما هو ظاهر في نفسه وهو مظهر لغيره انظر كيف تصور استبهام أمره بسبب ظهوره لولا طريان ضده فالله تعالى هو أظهر الأمور وبه ظهرت الأشياء كلها ولو كان له عدم أو غيبة أو تغير لانهدت السموات والأرض وبطل الملك

والملكوت ولأدرك بذلك التفرقة بين الحالين ولو كان بعض الأشياء موجودا به وبعضها موجودا بغيره لأدركت التفرقة بين الشيئين في الدلالة ولكن دلالته عامة في الأشياء على نسق واحد ووجوده دائم في الأحوال يستحيل خلافه فلا جرم أورثت شدة الظهور خفاء فهذا هو السبب في قصور الأفهام
وأما من قويت بصيرته ولم تضعف منته فإنه في حال اعتدال أمره لا يرى إلا الله تعالى ولا يعرف غيره يعلم أنه ليس في الوجود إلا الله وأفعاله أثر من الآثار قدرته فهى تابعة له فلا وجود لها بالحقيقة دونه وإنما الوجود للواحد الحق الذى به وجود الأفعال كلها ومن هذه حاله فلا ينظر في شيء من الأفعال إلا ويرى فيه الفاعل ويذهل عن الفعل من حيث إنه سماء وأرض وحيوان وشجر بل ينظر فيه من حيث أنه صنع الواحد الحق فلا يكون نظره مجاوزا له إلى غيره كمن نظر في شعر إنسان أو خطه أو تصنيفه ورأى فيها الشاعر والمصنف ورأى آثاره من حيث أثره لا من حيث إنه حبر وعفص وزاج مرقوم على بياض فلا يكون قد نظر إلى غير المصنف
وكل العالم تصنيف الله تعالى فمن نظر إليه من حيث إنه فعل الله وعرفه من حيث إنه فعل الله وأحبه من حيث إنه فعل الله لم يكن ناظرا إلا في الله ولا عارفا إلا بالله ولا محبا إلا له وكان هو الموحد الحق الذى لا يرى إلا الله بل لا ينظر إلى نفسه من حيث نفسه بل من حيث إنه عبدا لله فهذا الذى يقال فيه إنه فنى في التوحيد وإنه فنى عن نفسه وإليه الإشارة بقول من قال كنا بنا ففنينا عنا فبقينا بلا نحن فهذه أمور معلومة عند ذوى البصائر أشكلت لضعف الأفهام عن دركها وقصور قدرة العلماء بها عن إيضاحها وبيانها بعبارة مفهمة موصلة للغرض إلى الأفهام أو باشتغالهم بأنفسهم واعتقادهم أن بيان ذلك لغيرهم مما لا يعنيهم
فهذا هو السبب في قصور الأفهام عن معرفة الله تعالى وانضم إليه أن المدركات كلها التى هى شاهدة على الله إنما يدركها الإنسان في الصبا عند فقد العقل ثم تبدو فيه غريزة العقل قليلا قليلا وهو مستغرق الهم بشهواته وقد أنس بمدركاته ومحسوساته وألفها فسقط وقعها عن قلبه بطول الأنس ولذلك إذا رأى على سبيل الفجأة حيوانا غريبا أو نباتا غريبا أو فعلا من أفعال الله تعالى خارقا للعادة عجيبا انطلق لسانه بالمعرفة طبعا فقال سبحان الله وهو يرى طول النهار نفسه وأعضاءه وسائر الحيوانات المألوفة وكلها شواهد قاطعة لا يحس بشهادتها لطول الأنس بها ولو فرض أكمه بلغ عاقلا ثم انقشعت غشاوة عينه فامتد بصره إلى السماء والأرض والأشجار والنبات والحيوان دفعة واحدة على سبيل الفجأة لخيف على عقله أن ينبهر لعظم تعجبه من شهادة العجائب لخالقها
فهذا وأمثاله من الأسباب مع الانهماك في الشهوات هو الذي سد على الخلق سبيل الاستضاءة بأنوار المعرفة والسباحة في بحارها الواسعة فالناس في طلبهم معرفة الله كالمدهوش الذى يضرب به المثل إذا كان راكبا لحماره وهو يطلب حماره والجليات إذا صارت مطلوبة صارت معتاصة
فهذا سر هذا الأمر فليحقق ولذلك قيل
فقد ظهرت فما تخفى على أحد ... إلا على أكمه لا يعرف القمرا
لكن بطنت بما أظهرت محتجبا ... فكيف يعرف من بالعرف قد سترا
بيان معنى الشوق إلى الله تعالى
أعلم أن من أنكر حقيقة المحبة لله تعالى فلا بد وأن ينكر حقيقة الشوق إذ لا يتصور الشوق إلا إلى محبوب ونحن نثبت وجود الشوق إلى الله تعالى وكون العارف مضطرا إليه بطريق الاعتبار والنظر بأنوار البصائر وبطريق الأخبار والآثار
أما الاعتبار فيكفى في إثباته ما سبق في إثبات الحب فكل محبوب يشتاق إليه في غيبته

لا محالة فأما الحاصل الحاضر فلا يشتاق إليه فإن الشوق طلب وتشوف إلى أمر والموجود لا يطلب ولكن بيانه أن الشوق لا يتصور إلا إلى شيء أدرك من وجه ولم يدرك من وجه فأما ما لا يدرك أصلا فلا يشتاق إليه فإن من لم ير شخصا ولم يسمع وصفه ولا يتصور أن يشتاق إليه وما أدرك بكماله لا يشتاق إليه وكمال الإدراك بالرؤية فمن كان في مشاهدة محبوبه مداوما للنظر إليه لا يتصور أن يكون له شوق ولكن الشوق إنما يتعلق بما أدرك من وجه ولم يدرك من وجه وهو من وجهين لا ينكشف إلا بمثال من المشاهدات
فنقول مثلا من غاب عنه معشوقه وبقى في قلبه خياله فيشتاق إلى استكمال خياله بالرؤية فلو انمحى عن قلبه ذكره وخياله ومعرفته حتى نسيه لم يتصور أن يشتاق إليه ولو رآه لم يتصور أن يشتاق في وقت الرؤية فمعنى شوقه تشوق نفسه إلى استكمال خياله فكذلك قد يراه في ظلمة بحيث لا ينكشف له حقيقة صورته فيشتاق إلى استكمال رؤيته وتمام الانكشاف في صورته بإشراق الضوء عليه والثاني أن يرى وجه محبوبه ولا يرى شعره مثلا ولا سائر محاسنه فيشتاق لرؤيته وإن لم يرها قط ولم يثبت في نفسه خيال صادر عن الرؤية ولكنه يعلم أن له عضوا وأعضاء جميلة ولم يدرك تفصيل جمالها بالرؤية فيشتاق إلى أن ينكشف له ما لم يره قط
والوجهان جميعا متصوران في حق الله تعالى بل هما لازمان بالضرورة لكل العارفين فإن ما اتضح للعارفين من الأمور الإلهية وإن كان في غاية الوضوح فكأنه من وراء ستر رقيق فلا يكون متضحا غاية الاتضاح بل يكون مشوبا بشوائب التخيلات فإن الخيالات لا تفتر في هذا العالم عن التمثيل والمحاكاة لجميع المعلومات وهى مكدرات للمعارف ومنغصات وكذلك ينضاف إليها شواغل الدنيا فإنما كمال الوضوح بالمشاهدة وتمام إشراق التجلى ولا يكون ذلك إلا في الآخرة وذلك بالضرورة يوجب الشوق فإنه منتهى محبوب العارفين
فهذا أحد نوعى الشوق وهو استكمال الوضوح فيما اتضح اتضاحا ما الثانى أن الأمور الإلهية لا نهاية لها وإنما ينكشف لكل عبد من العباد بعضها وتبقى أمور لا نهاية لها غامضة والعارف يعلم وجودها وكونها معلومة لله تعالى ويعلم أن ما غاب عن علمه من المعلومات أكثر مما حضر فلا يزال متشوقا إلى أن يحصل له أصل المعرفة فيما لم يحصل مما بقى من المعلومات التى لم يعرفها أصلا لا معرفة واضحة ولا معرفة غامضة
والشوق الاول ينتهى في الدار الآخرة بالمعنى الذى يسمى رؤية ولقاء ومشاهدة ولا يتصور أن يسكن في الدنيا
وقد كان إبراهيم بن أدهم من المشتاقين فقال قلت ذات يوم يارب إن أعطيت أحدا من المحبين لك ما يسكن به قلبه قبل لقائك فأعطنى ذلك فقد أضر بى القلق قال فرأيت في النوم أنه أوقفنى بين يديه وقال يا إبراهيم أما استحييت منى أن تسألنى أن أعطيك ما يسكن به قلبك قبل لقائى وهل يسكن المشتاق قبل لقاء حبيبه فقلت يا رب تهت في حبك فلم أدر ما أقول فاغفر لي وعلمنى ما أقول فقال قل اللهم رضنى بقضائك وصبرنى على بلائك وأوزعنى شكر نعمائك فإن هذا الشوق يسكن في الآخرة
وأما الشوق الثاني فيشبه أن لا يكون له نهاية لا في الدنيا ولا في الآخرة إذ نهايته أن ينكشف للعبد في الآخرة من جلال الله تعالى وصفاته وحكمته وأفعاله ما هو معلوم لله تعالى وهو محال لأن ذلك لا نهاية له
ولا يزال العبد عالما بأنه بقى من الجمال والجلال ما لم يتضح له فلا يسكن قط شوقه لا سيما من يرى فوق درجته درجات كثيرة إلا أنه تشوق إلى استكمال الوصال مع حصول أصل الوصال فهو يجد لذلك شوقا لذيذا لا يظهر فيه ألم ولا يبعد أن تكون ألطاف الكشف والنظر متوالية إلى غير نهاية فلا يزال النعيم واللذة متزايدا أبد الآباد

وتكون لذة ما يتجدد من لطائف النعيم شاغلة عن الإحساس بالشوق إلى ما لم يحصل وهذا بشرط أن يمكن حصول الكشف فيما لم يحصل فيه كشف في الدنيا أصلا فإن كان ذلك غير مبذول فيكون النعيم واقفا على حد لا يتضاعف ولكن يكون مستمرا على الدوام
وقوله سبحانه وتعالى نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا محتمل لهذا المعنى وهو أن ينعم عليه بإتمام النور مهما تزود من الدنيا أصل النور ويحتمل أن يكون المراد به إتمام النور في غير ما استنار في الدنيا استنارة محتاجة إلى مزيد الاستكمال والإشراق فيكون هو المراد بتمامه وقوله تعالى انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا يدل على أن الأنوار لابد وأن يتزود أصلها في الدنيا ثم يزداد في الآخرة إشراقا فأما أن يتجدد نور فلا والحكم في هذا برجم الظنون مخطر ولم ينكشف لنا فيه بعد ما يوثق به فنسأل الله تعالى أن يزيدنا علما ورشدا ويرينا الحق حقا
فهذا القدر من أنوار البصائر كاشف لحقائق الشوق ومعانيه
وأما شواهد الأخبار والآثار فأكثر من أن تحصى فمما اشتهر من دعاء رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه كان يقول اللهم إنى أسألك الرضا بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت ولذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك // حديث أنه كان يقول في دعائه اللهم إنى أسألك الرضا بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت الحديث أخرجه أحمد والحاكم وتقدم في الدعوات // وقال أبو الدرداء لكعب أخبرني عن أخص آية يعنى في التوراة فقال يقول الله تعالى طال شوق الأبرار إلى لقائي وإني إلى لقائهم لأشد شوقا قال ومكتوت إلى جانبها من طلبنى وجدنى ومن طلب غيرى لم يجدنى فقال أبو الدرداء أشهد أنى لسمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول هذا
وفي أخبار داود عليه السلام إن الله تعالى قال يا داود أبلغ أهل أرضي أنى حبيب لمن أحبنى وجليس لمن جالسنى ومؤنس لمن أنس بذكرى وصاحب لمن صاحبنى ومختار لمن اختارنى ومطيع لمن أطاعنى ما أحبنى عبد أعلم ذلك يقينا من قلبه إلا قبلته لنفسى وأحببته حبا لا يتقدمه أحد من خلقى من طلبنى بالحق وجدنى ومن طلب غيرى لم يجدنى فارفضوا يا أهل الارض ما أنتم عليه من غرورها وهلموا إلى كرامتى ومصاحبتى ومجالستى وائنسوا بي أؤانسكم وأسارع إلى محبتكم فإنى خلقت طينة أحبائى من طينة إبراهيم خليلى وموسى نجي ومحمد صفي وخلقت قلوب المشتاقين من نورى ونعمتها بجلالى
وروى عن بعض السلف أن الله تعالى أوحى إلى بعض الصديقين إن لى عبادا من عبادى يحبونى وأحبهم ويشتاقون إلى وأشتاق إليهم ويذكرونى وأذكرهم وينظرون إلى وأنظر إليهم فأن حذوت طريقهم أحببتك وإن عدلت عنهم مقتك قال يارب وما علامتهم قال يراعون الظلال بالنهار كما يراعى الراعى الشفيق غنمه ويحنون إلى غروب الشمس كما يحن الطائر إلى وكره عند الغروب فإذا جنهم الليل واختلط الظلام وفرشت الفرش ونصبت الأسرة وخلا كل حبيب بحبيبه نصبوا إلى أقدامهم وافترشوا إلى وجوههم وناجونى بكلامى وتملقوا إلى بإنعامى فبين صارخ وباك وبين متأوه وشاك وبين قائم وقاعد وبين راكع وساجد بعينى ما يتحملون من أجلى وبسمعى ما يشتكون من حبى أول ما أعطيهم ثلاث أقذف من نورى في قلوبهم فيخبرون عنى كما أخبر عنهم
والثانية لو كانت السموات والأرض وما فيها في موازينهم لاستقللنها لهم
والثالثة أقبل بوجهى عليهم فترى من أقبلت عليه يعلم أحد ما أريد أن أعطيه
وفي أخبار داود عليه السلام إن الله تعالى أوحى إليه يا داود إلى كم تذكر الجنة ولا تسألنى الشوق إلى

قال يا رب من المشتاقون إليك قال إن المشتاقين إلى الذين صفيتهم من كل كدر ونبهتهم بالحذر وخرقت من قلوبهم إلى خرقا ينظرون إلى وإنى لأحمل قلوبهم بيدى فأضعها على سمائى ثم أدعو نجباء ملائكتى فإذا اجتمعوا سجدوا لى فأقول إنى لم أدعكم لتسجدوا لى ولكنى دعوتكم لأعرض عليكم قلوب المشتاقين إلى وأباهى بكم أهل الشوق إلى فإن قلوبهم لتضيء في سمائي لملائكتى كما تضيء الشمس لأهل الارض يا داود إنى خلقت قلوب المشتاقين من رضوانى ونعمتها بنور وجهى فاتخذتهم لنفسى محدثى وجعلت أبدانهم موضع نظرى إلى الأرض وقطعت من قلوبهم طريقا ينظرون به إلى يزدادون في كل يوم شوقا قال داود يا رب أرنى أهل محبتك فقال يا داود أئت جبل لبنان فإن فيه أربعة عشر نفسا فيهم شبان وفيهم شيوخ وفيهم كهول فإذا أتيتهم فأقرئهم منى السلام وقل لهم إن ربكم يقرئكم السلام ويقول لكم ألا تسألون حاجة فإنكم أحبائى وأصفيائى وأوليائى أفرح لفرحكم وأسارع إلى محبتكم
فأتاهم داود عليه السلام فوجدهم عند عين من العيون يتفكرون في عظمة الله عز و جل فلما نظروا إلى داود عليه السلام نهضوا ليتفرقوا عنه فقال داود إنى رسول الله إليكم جئتكم لأبلغكم رسالة ربكم فأقبلوا نحوه وألقوا أسماعهم نحو قوله وألقوا أبصارهم إلى الارض فقال داود إنى رسول الله إليكم يقرئكم السلام ويقول لكم ألا تسألون حاجة ألا تنادونى أسمع صوتكم وكلامكم فإنكم أحبائى وأصفيائى وأوليائى أفرح لفرحكم وأسارع إلى محبتكم وأنظر إليكم في كل ساعة نظر الوالدة الشفيقة الرفيقة قال فجرت الدموع على خدودهم فقال شيخهم سبحانك سبحانك نحن عبيدك وبنو عبيدك فاغفر لنا ما قطع قلوبنا عن ذكرك فيما مضى من أعمارنا وقال الآخر سبحانك سبحانك نحن عبيدك وبنو عبيدك فامنن علينا بحسن النظر فيما بيننا وبينك وقال الآخر سبحانك سبحانك نحن عبيدك وبنو عبيد أفنجترىء على الدعاء وقد علمت أنه لا حاجة لنا في شيء من أمورنا فأدم لنا لزوم الطريق إليك وأتمم بذلك المنة علينا
وقال الآخر نحن مقصرون في طلب رضاك فأعنا علينا بجودك
وقال الآخر من نطفة خلقتنا ومننت علينا بالتفكر في عظمتك أفيجترىء على الكلام من هو مشتغل بعظمتك متفكر في جلالك وطلبتنا الدنو من نورك
وقال الآخر كلت ألسنتنا عن دعائك لعظم شأنك وقربك من أوليائك وكثرة منتك على أهل محبتك
وقال الآخر أنت هديت قلوبنا لذكرك فرغتنا للاشتغال بك فاغفر لنا تقصيرنا في شكرك
وقال الآخر قد عرفت حاجتنا إنما هى النظر إلى وجهك
وقال الآخر كيف يجترىء العبد على سيده إذ أمرتنا بالدعاء بجودك فهب لنا نورا نهتدى به في الظلمات من أطباق السموات
وقال آخر ندعوك أن تقبل علينا وتديمه عندنا
وقال الآخر نسألك تمام نعمتك فيما وهبت لنا وتفضلت به علينا
وقال الآخر لا حاجة لنا في شيء من خلقك فامنن علينا بالنظر إلى جمال وجهك
وقال الآخر أسألك من بينهم أن تعمى عينى عن النظر إلى الدنيا وأهلها وقلبى عن الإشتغال بالآخرة
وقال الآخر قد عرفت تباركت وتعاليت أنك تحب أولياءك فامنن علينا باشتغال القلب بك عن كل شيء دونك فأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام قل لهم قد سمعت كلامكم وأجبتكم إلى ما أحببتم فليفارق كل واحد منكم صاحبه وليتخذ لنفسه سربا فإنى كاشف الحجاب فيما بينى وبينكم حتى تنظروا إلى نورى وجلالى
فقال داود يارب بم نالوا هذا منك قال بحسن الظن والكف عن الدنيا وأهلها والخلوات بي ومناجاتهم لى وإن هذا منزل لا يناله إلى من رفض الدنيا وأهلها ولم يشتغل بشيء من ذكرها وفرغ قلبه لي واختارنى على جميع خلقى فعند ذلك أعطف عليه وأفرغ نفسه وأكشف الحجاب فيما بينى وبينه حتى ينظر إلى نظر الناظر

بعينه إلى الشيء وأريه كرامتى في كل ساعة وأقربه من نور وجهى إن مرض مرضته كما تمرض الوالدة الشفيقة ولدها وإن عطش أرويته وأذيقه طعم ذكرى فإذا فعلت ذلك به يا داود عميت نفسه عن الدنيا وأهلها ولم أحببها إليه لا يفتر عن الاشتغال بي يستعجلنى القدوم وأنا أكره أن أميته لأنه موضع نظرى من بين خلقي لا يرى غيرى ولا أرى غيره فلو رأيته يا داود وقد ذابت نفسه ونحل جسمه وتهشمت أعضاؤه وانخلع قلبه إذا سمع بذكرى أباهى به ملائكتى وأهل سمواتى يزداد خوفا وعبادة وعزتي وجلالى يا داود لأقعدنه في الفردوس ولأشفين صدره من النظر إلى حتى يرضى وفوق الرضا
وفي أخبار داود أيضا قل لعبادى المتوجهين إلى محبتى ما ضركم إذا احتجبت عن خلقى ورفعت الحجاب فيما بينى وبينكم حتى تنظروا إلى بعيون قلوبكم وما ضركم ما زويت عنكم من الدنيا إذا بسطت دينى لكم وما ضركم مسخطة الخلق إذا التمستم رضائى
وفي أخبار داود أيضا إن الله تعالى أوحى إليه تزعم أنك تحبنى فإن كنت تحبنى فأخرج حب الدنيا من قلبك فإن حبى وحبها لا يجتمعان في قلب
يا داود خالص حبيبى مخالصة وخالط أهل الدنيا مخالطة ودينك فقلدنيه ولا تقلد دينك الرجال أما ما استبان لك مما وافق محبتى فتمسك به وأما ما أشكل عليك فقلدنيه حقا على أني أسارع إلى سياستك وتقويمك وأكن قائدك ودليلك أعطيك من غير أن تسألنى وأعينك على الشدائد وإنى قد حلفت على نفسى أنى لا أثيب إلا عبدا قد عرفت من طلبته وإرادته إلفاء كنفه بين يدى وأنه لا غنى به عنى
فإذا كنت كذلك نزعت الذلة والوحشة عنك وأسكن الغنى قلبك فإنى قد حلفت على نفسى أنه لا يطمئن عبد لى إلى نفسه ينظر إلى فعالها إلا وكلته إليها أضف الأشياء إلى لا تضاد عملك فتكون متعنيا ولا ينتفع بك من يصحبك ولا تجد لمعرفتى حدا فليس لها غاية ومتى طلبت منى الزيادة أعطك ولا تجد للزيادة منى حدا ثم أعلم بنى اسرائيل أنه ليس بينى وبين أحد من خلقى نسب فلتعظم رغبتهم وإرادتهم عندى أبح لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ضعنى بين عينيك وانظر إلى ببصر قلبك ولا تنظر بعينك التى في رأسك إلى الذين حجبت عقولهم عنى فأمر جوها وسخت بانقطاع ثوابي عنها فإنى حلفت بعزتي وجلالى لا أفتح ثوابي لعبد دخل في طاعتى للتجربة والتسويف تواضع لمن تعلمه ولا تطاول على المريدين فلو علم أهل محبتى منزلة المريدين عندى لكانوا لهم أرضا يمشون عليها
يا دواد لأن تخرج مريدا من سكرة هو فيها تستنقذه فأكتبك عندى جهيدا ومن كتبته عندى جهيدا لا تكون عليه وحشة ولا فاقة إلى المخلوقين
يا داود تمسك بكلامى وخذ من نفسك لنفسك لا تؤتين منها فأحجب عنك محنتى لا تؤيس عبادى من رحمتى اقطع شهوتك لي فإنما أبحت الشهوات لضعفة خلقى ما بال الأقوياء أن ينالوا الشهوات فإنها تنقص حلاوة مناجاتى وإنما عقوبة الأقوياء عندى في موضع التناول أدنى ما يصل إليهم أن أحجب عقولهم عنى فإنى لم أرض الدنيا لحبيبى ونزهته عنها
يا داود لا تجعل بينى وبينك عالما يحجبك بسكره عن محبتى أولئك قطاع الطريق على عبادى المريدين استعن على ترك الشهوات بإدمان الصوم وإياك والتجربة في الإفطار فإن محبتى للصوم إدمانه
يا داود تحبب إلى بمعاداة نفسك امنعها الشهوات أنظر إليك وترى الحجب بينى وبينك مرفوعة إنما أداريك مداراة لتقوى على ثوابى إذا مننت عليك به وإنى أحبسه عنك وأنت متمسك بطاعتى
أوحى الله تعالى إلى داود يا داود لو يعلم المدبرون عنى كيف انتظارى لهم ورفقى بهم وشوقي إلى ترك معاصيهم لماتوا شوقا إلى وتقطعت أوصالهم من محبتى
يا داود هذه إرادتى في المدبرين عنى فكيف إرادتى في المقبلين على

يا داود أحوج ما يكون العبد إلى إذا استغنى عنى وأرحم ما أكون بعبدى إذا أدبر عنى وأجل ما يكون عندى إذا رجع إلى فهذه الأخبار ونظائرها مما لا يحصى تدل على إثبات المحبة والشوق والأنس وإنما تحقيق معناها ينكشف بما سبق
بيان محبة الله للعبد ومعناها
أعلم أن شواهد القرآن متظاهرة على أن الله تعالى يحب عبده فلا بد من معرفة مع معنى ذلك ولنقدم الشواهد على محبته فقد قال الله تعالى يحبهم ويحبونه وقال تعالى إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا وقال تعالى إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ولذلك رد سبحانه على من ادعى أنه حبيب الله فقال قل فلم يعذبكم بذنوبكم وقد روى أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إذا أحب الله تعالى عبدا لم يضره ذنب والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ثم تلا إن الله يحب التوابين // حديث أنس إذا أحب الله عبدا لم يضره ذنب والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ذكره صاحب الفردوس ولم يخرجه ولده في مسنده وروى ابن ماجه الشطر الثانى من حديث ابن مسعود وتقدم في التوبة // ومعناه أنه إذا أحبه تاب عليه قبل الموت فلم تضره الذنوب الماضية وإن كثرت كما لا يضر الكفر الماضى بعد الإسلام وقد اشترط الله تعالى للمحبة غفران الذنب فقال قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الله تعالى يعطى الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطى الإيمان إلا من يحب // حديث ان الله يعطى الدنيا من يحب ومن لا يحب الحديث أخرجه الحاكم وصحح إسناده والبيهقى في الشعب من حديث ابن مسعود // وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله ومن أكثر ذكر الله أحبه الله // حديث من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله ومن أكثر من ذكر الله أحبه الله أخرجه ابن ماجه من حديث أبي سعيد بإسناد حسن دون قوله ومن أكثر إلى آخره ورواه أبو يعلى وأحمد بهذه الزيادة وفيه ابن لهيعة // وقال عليه السلام قال الله تعالى لا يزال العبد يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به // حديث قال الله تعالى لا يزال العبد يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه الحديث أخرجه البخارى من حديث أبى هريرة وقد تقدم // الحديث وقال زيد بن أسلم إن الله ليحب العبد حتى يبلغ من حبه له أن يقول اعمل ما شئت فقد غفرت لك وما ورد من ألفاظ المحبة خارج عن الحصر
وقد ذكرنا أن محبة العبد لله تعالى حقيقة وليست بمجاز إذ المحبة في وضع اللسان عبارة عن ميل النفس إلى الشيء الموافق والعشق عبارة عن الميل الغالب المفرط وقد بينا أن الإحسان موافق للنفس والجمال موافق أيضا وأن الجمال والإحسان تارة يدرك بالبصر وتارة يدرك بالبصيرة والحب يتبع كل واحد منهما فلا يختص بالبصر
فأما حب الله للعبد فلا يمكن أن يكون بهذا المعنى أصلا بل الأسامي كلها إذا أطلقت على الله تعالى وعلى غير الله لم تنطلق عليهما بمعنى واحد أصلا حتى إن اسم الوجود الذى هو أعم الأسماء اشتراكا لا يشمل الخالق والخلق على وجه واحد بل كل ما سوى الله تعالى فوجوده مستفاد من وجود الله تعالى فالوجود التابع لا يكون مساويا للوجود المتبوع
وإنما الاستواء في إطلاق الاسم نظيره اشتراك الفرس والشجر في اسم الجسم إذ معنى الجسمية وحقيقتها متشابهة فيهما من غير استحقاق أحدهما لأن يكون فيه أصلا فليست الجسمية لأحدهما مستفادة من الآخر وليس كذلك اسم الوجود لله ولا لخلقه وهذا التباعد في سائر الأسامى أظهر كالعلم والإرادة

والقدرة وغيرها فكل ذلك لا يشبه فيه الخالق الخلق وواضع اللغة إنما وضع هذه الأسامى أولا للخلق فإن الخلق أسبق إلى العقول والأفهام من الخالق فكان استعمالها فى حق الخالق بطريق الاستعارة والتجوز والنقل والمحبة في وضع اللسان عبارة عن ميل النفس إلى موافق ملائم وهذا إنما يتصور في نفس ناقصة فاتها ما يوافقها فتستفيد بنيله كمالا فتلتذ بنيله وهذا محال على الله تعالى فإن كل كمال وجمال وبهاء وجلال ممكن في حق الإلهية فهو حاضر وحاصل وواجب الحصول أبدا وأزلا ولا يتصور تجدده ولا زواله فلا يكون له إلى غيره نظر من حيث إنه غيره بل نظره إلى ذاته وأفعاله فقط وليس في الوجود إلا ذاته وأفعاله ولذلك قال الشيخ أبو سعيد الميهنى رحمه الله تعالى لما قرىء عليه قوله تعالى يحبهم ويحبونه فقال بحق يحبهم فإنه ليس يحب إلا نفسه على معنى أنه الكل وأن ليس في الوجود غيره فمن لا يحب إلا نفسه وأفعال نفسه وتصانيف نفسه فلا يجاوز حبه ذاته وتوابع ذاته من حيث هي متعلقة بذاته فهو إذن لا يحب إلا نفسه وما ورد من الألفاظ في حبه لعباده فهو مؤول ويرجع معناه إلى كشف الحجاب عن قلبه حتى يراه بقلبه وإلى تمكينه إياه من القرب منه وإلى إرادته ذلك به في الأزل فحبه لمن أحبه أزلى مهما أضيف إلى الإرادة الأزلية التي اقتضت تمكين هذا العبد من سلوك طرق هذا القرب وإذا أضيف إلى فعله الذى يكشف الحجاب عن قلب عبده فهو حادث يحدث بحدوث السبب المقتضى له كما قال تعالى لا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فيكون تقربه بالنوافل سببا لصفاء باطنه وارتفاع الحجاب عن قلبه وحصوله في درجة القرب من ربه فكل ذلك فعل الله تعالى ولطفه به فهو معنى حبه
ولا يفهم هذا إلا بمثال وهو أن الملك قد يقرب عبده من نفسه ويأذن له في كل وقت في حضور بساطه لميل الملك إليه إما لينصره بقوته أو ليستريح بمشاهدته او ليستشيره في رأيه أو ليهيىء أسباب طعامه وشرابه فيقال إن الملك يحبه ويكون معناه ميله إليه لما فيه من المعنى الموافق الملائم له
وقد يقرب عبدا ولا يمنعه من الدخول عليه لا للانتفاع به ولا للاستنجاد به ولكن لكون العبد في نفسه موصوفا من الأخلاق المرضية والخصال الحميدة بما يليق به أن يكون قريبا من حضرة الملك وافر الحظ من قربه مع أن الملك لا غرض له فيه أصلا فإذا رفع الملك الحجاب بينه وبينه يقال قد أحبه وإذا اكتسب من الخصال الحميدة ما اقتضى رفع الحجاب يقال قد توصل وحبب نفسه إلى الملك
فحب الله للعبد إنما يكون بالمعنى الثاني لا بالمعنى الأول
وإنما يصح تمثيله بالمعنى الثانى بشرط أن لا يسبق إلى فهمك دخول تغير عليه عند تجدد القرب فإن الحبيب هو القريب من الله تعالى والقرب من الله في البعد من صفات البهائم والسباع والشياطين والتخلق بمكارم الأخلاق التى هى الأخلاق الإلهية فهو قرب بالصفة لا بالمكان ومن لم يكن قريبا فصار قريبا فقد تغير فربما يظن بهذا أن القرب لما تجدد فقد تغير وصف العبد والرب جميعا إذ صار قريبا بعد أن لم يكن وهو محال في حق الله تعالى إذ التغير عليه محال بل لا يزال في نعوت الكمال والجلال على ما كان عليه في أزل الآزال
ولا ينكشف هذا إلا بمثال في القرب بين الأشخاص فإن الشخصين قد يتقاربان بتحركهما جميعا وقد يكون أحدهما ثابتا فيتحرك الآخر فيحصل القرب بتغير في أحدهما من غير تغير في الآخر بل القرب في الصفات أيضا كذلك فإن التلميذ يطلب القرب من درجة أستاذه في كمال العلم وجماله والأستاذ واقف في كمال علمه غير متحرك بالنزول إلى درجة تلميذه والتلميذ متحرك مترق من حضيض الجهل إلى ارتفاع العلم فلا يزال دائبا

في التغير والترقى إلى أن يقرب من أستاذه والأستاذ ثابت غير متغير فكذلك ينبغي أن يفهم ترقى العبد في درجات القرب فكلما صار أكمل صفة وأتم علما وإحاطة بحقائق الأمور وأثبت قوة في قهر الشيطان وقمع الشهوات وأظهر نزاهة عن الرذائل صار أقرب من درجة الكمال ومنتهى الكمال لله وقرب كل واحد من الله تعالى بقدر كماله
نعم قد يقدر التلميذ على القرب من الأستاذ وعلى مساواته وعلى مجاوزته وذلك في حق الله محال فإنه لا نهاية لكماله وسلوك العبد في درجات الكمال متناه ولا ينتهى إلا إلى حد محدود فلا مطمع له في المساواة ثم درجات القرب تتفاوت تفاوتا لا نهاية له أيضا لأجل انتفاء النهاية عن ذلك الكمال
فإذن محبة الله للعبد تقريبه من نفسه بدفع الشواغل والمعاصى عنه وتطهير باطنه عن كدورات الدنيا ورفع الحجاب عن قلبه حتى يشاهده كأنه يراه بقلبه
وأما محبة العبد لله فهو ميله إلى درك هذا الكمال الذى هو مفلس عنه فاقد له فلا جرم يشتاق إلى ما فاته وإذا أدرك منه شيئا يلتذ به والشوق والمحبة بهذا المعنى محال على الله تعالى
فإن قلت محبة الله للعبد أمر ملتبس فبم يعرف العبد أنه حبيب الله فأقول يستدل عليه بعلاماته
وقد قال صلى الله عليه و سلم إذا أحب الله عبدا ابتلاه فإذا أحبه الحب البالغ اقتناه قيل وما اقتناه قال لم يترك له أهلا ولا مالا // حديث إذا أحب الله عبدا ابتلاه الحديث أخرجه الطبرانى من حديث أبى عتبة الخولانى وقد تقدم // فعلامة محبة الله للعبد أن يوحشه من غيره ويحول بينه وبين غيره قيل لعيسى عليه السلام لم لا تشتري حمارا فتركبه فقال أنا أعز على الله تعالى من أن يشغلنى عن نفسه بحمار
وفي الخبر إذاأحب الله تعالى عبدا ابتلاه فإن صبر اجتباه فإن رضى اصطفاه // حديث إذا أحب الله عبدا ابتلاه فإن صبر اجتباه الحديث ذكره صاحب الفردوس من حديث على من أبى طالب ولم يخرجه ولده في مسنده // وقال بعض العلماء إذا رأيتك تحبه ورأيته يبتليك فاعلم أنه يريد أن يصافيك وقال بعض المريدين لأستاذه قد طولعت بشيء من المحبة فقال يا بنى هل ابتلاك بمحبوب سواء فآثرت عليه إياه قال لا قال فلا تطمع في المحبة فإنه لا يعطيها عبدا حتى يبلوه
وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أحب الله تعالى عبدا جعل له واعظا من نفسه وزاجرا من قلبه يأمره وينهاه // حديث اذا أحب الله عبدا جعل له واعظا من نفسه الحديث أخرجه أبو منصور الديلمى في مسند الفردوس من حديث أم سلمة بإسناد حسن بلفظ اذا أراد الله تعالى بعبد خيرا بصره بعيوب نفسه حديث إذا أراد الله بعبد خيرا بصره بعيوب نفسه أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس بزيادة فيه بإسناد ضعيف فأخص علاماته حبه لله تعالى
وأما الفعل الدال على كونه محبوبا فهو أن يتولى الله تعالى أمره ظاهره وباطنه سره وجهره فيكون هو المشير عليه والمدبر لأمره والمزين لأخلاقه والمستعمل لجوارحه والمسدد لظاهره وباطنه والجاعل همومه هما واحد واحدا والمبغض للدنيا في قلبه والموحش له من غيره والمؤنس له بلذة المناجاة في خلواته والكاشف له عن الحجب بينه وبين معرفته
فهذا وأمثاله هو علامة حب الله للعبد
فلنذكر الآن علامة محبة العبد لله تعالى فإنها أيضا من علامات حب الله تعالى للعبد
القول في علامات محبة العبد لله تعالى
أعلم أن المحبة يدعيها كل أحد وما أسهل الدعوى وما أعز المعنى فلا ينبغى أن يغتر الإنسان بتلبيس الشيطان

وخدع النفس مهما ادعت محبة الله تعالى ما لم يمتحنها بالعلامات ولم يطالبها بالبراهين والأدلة
والمحبة شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء وثمارها تظهر في القلب واللسان والجوارح
وتدل تلك الآثار الفائضة منها على القلب والجوارح على المحبة دلالة الدخان على النار ودلالة الثمار على الأشجار وهى كثيرة فمنها حب لقاء الحبيب بطريق الكشف والمشاهدة في دار السلام فلا يتصور أن يحب القلب محبوبا إلا ويحب مشاهدته ولقاءه وإذا علم أنه لا وصول إلا بالارتحال من الدنيا ومفارقتها بالموت فينبغى أن يكون محبا للموت غير فار منه فإن المحب لا يثقل عليه السفر عن وطنه إلى مستقر محبوبه ليتنعم بمشاهدته والموت مفتاح اللقاء وباب الدخول إلى المشاهدة
قال صلى الله عليه و سلم من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه // حديث من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه متفق عليه من حديث أبى هريرة وعائشة // وقال حذيفة عند الموت حبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم
وقال بعض السلف ما من خصلة أحب إلى الله أن تكون في العبد بعد حب لقاء الله من كثرة السجود فقدم حب لقاء الله على السجود
وقد فرط الله سبحانه لحقيقة الصدق في الحب القتل في سبيل الله حيث قالوا إنا نحب الله فجعل القتل في سبيل الله وطلب الشهادة علامته فقال تعالى إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا وقال عز و جل يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وفى وصية أبى بكر لعمر رضى الله تعالى عنهما الحق ثقيل وهو مع ثقله مرىء والباطل خفيف وهو مع خفته وبىء فإن حفظت وصيتى لم يكن غائب أحب إليك من الموت وهو مدركك وإن ضيعت وصيتى لم يكن غائب أبغض إليك من الموت ولن تعجزه
ويروى عن إسحق بن سعد بن أبى وقاص قال حدثنى أبى أن عبد الله بن جحش قال له يوم أحد ألا ندعو الله فخلوا في ناحية فدعا عبد الله بن جحش فقال يارب إنى أقسمت عليك إذا لقيت العدو غدا فلقنى رجلا شديدا بأسه شديدا حرده أقاتله فيك ويقاتلنى ثم يأخذنى فيجدع انفى وأذنى ويبقر بطنى فإذا لقيتك غدا قلت يا عبد الله من جدع أنفك وأذنك فأقول فيك يارب وفي رسولك فتقول صدقت قال سعد فلقد رأيته آخر النهار وإن أنفه وأذنه لمعلقتان في خيط // حديث اسحق بن سعد ابن أبى وقاص قال حدثنى أبى أن عبد الله بن جحش قال له يوم أحد ألا ندعو الله فخلوا في ناحية فدعا عبد الله بن جحش فقال يارب انى أقسم عليك اذا لقيت العدو غدا فلقنى رجلا شديدا بأسه شديدا حرده أقاتله فيك ويقاتلنى ويجدع أنفى وأذنى الحديث أخرجه الطبرانى ومن طريقه أبو نعيم في الحلية واسناده جيد // قال سعيد بن المسيب أرجو أن يبر الله آخر قسمه كما أبر أوله
وقد كان الثورى وبشر الحافى يقولان لا يكره الموت إلا مريب لأن الحبيب على كل حال لا يكره لقاء حبيبه
وقال البويطى لبعض الزهاد أتحب الموت فكأنه توقف فقال لو كنت صادقا لأحببته وتلا قوله تعالى فتمنوا الموت إن كنتم صادقين فقال الرجل فقد قال النبى صلى الله عليه و سلملا يتمنينأحدكم الموت // حديث لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به الحديث متفق عليه من حديث أنس وقد تقدم // فقال إنما قاله لضر نزل به لأن الرضا بقضاء الله تعالى أفضل من طلب الفرار منه
فإن قلت من لا يحب الموت فهل يتصور أن يكون محبا لله فأقول كراهة الموت قد تكون لحب الدنيا والتأسف على فراق الأهل والمال والولد وهذا ينافى كمال حب الله تعالى لأن الحب الكامل هو الذى يستغرق كل القلب ولكن لا يبعد أن يكون له مع حب الأهل والولد شائبة من حب الله تعالى ضعيفة فإن الناس متفاوتون في الحب ويدل على التفاوت ما روى أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس لما زوج أخته فاطمة من سالم مولاه عاتبته قريش في ذلك وقالوا أنكحت عقيلة من عقائل قريش لمولى فقال والله لقد أنكحته إياها

وإني لأعلم انه خير منها فكان قوله ذلك اشد عليهم من فعله فقالوا وكيف وهي أختك وهو مولاك فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول من أراد أن ينظر إلى رجل يحب الله بكل قلبه فلينظر إلى سالم // حديث أبى حذيفة بن عتبة أنه لما زوج أخته فاطمة من سالم مولاه عاتبته قريش في ذلك وفيه فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلميقول من أراد أن ينظر إلى رجل يحب الله بكل قلبه فلينظر إلى سالم لم أره من حديث حذيفة وروى أبو نعيم في الحلية المرفوع منه من حديث عمر أن سالما يحب الله حقا من قلبه وفي رواية له أن سالما شديد الحب لله عز و جل لو لم يخف الله عز و جل ما عصاه وفيه عبد الله بن لهيعة // فهذا يدل على أن من الناس من لا يحب الله بكل قلبه فيحبه ويحب أيضا غيره فلا جرم يكون نعيمه بلقاء الله عند القدوم عليه على قدر حبه وعذابه بفراق الدنيا عند الموت على قدر حبه لها
وأما السبب الثاني للكراهة فهو أن يكون العبد في ابتداء مقام المحبة وليس يكره الموت وإنما يكره عجلته قبل أن يستعد للقاء الله فذلك لا يدل على ضعف الحب وهو كالمحب الذي وصله الخبر بقدوم حبيبه عليه فأحب أن يتأخر قدومه ساعة ليهيء له داره ويعد له أسبابه فيلقاه كما يهواه فارغ القلب عن الشواغل خفيف الظهر عن العوائق فالكراهة بهذا السبب لا تنافي كمال الحب أصلا وعلامته لدءوب في العمل واستغراق الهم في الاستعداد
ومنها أن يكون مؤثرا ما أحبه الله تعالى على ما يحبه في ظاهره وباطنه فيلزم مشاق العمل ويجتنب اتباع الهوى ويعرض عن دعة الكسل ولا يزال مواظبا على طاعة الله ومتقربا اليه بالنوافل وطالبا عنده مزايا الدرجات كما يطلب المحب مزيد القرب في قلب محبوبه وقد وصف الله تعالى المحبين بالايثار فقال يحبون من هاجر اليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن بقى مستقرا على متابعة الهوى فمحبوبه ما يهواه بل يترك المحب هوى نفسه كما قيل :
أريد وصاله ويريد هجري ... فأترك ما أريد لما يريد
بل الحب اذا غلب قمع الهوى فلم يبق له تنعم بغير المحبوب كما روى أن زليخا لما آمنت وتزوج بها يوسف عليه السلام انفردت عنه وتخلت للعبادة وانقطعت الى الله تعالى فكان يدعوها الى فراشه نهارا فتدافعه الى الليل فإذا دعاها ليلا سوفت به الى النهار وقالت : يا يوسف انما كنت احبك قبل ان اعرفه فأما اذ عرفته فما أبقت محبته محبة لسواه وما اريد به بدلا حتى قال لها إن الله جل ذكره أمرني بذلك وأخبرني أنه مخرج منك ولدين وجاعلهما نبيين فقالت : أما اذا كان الله تعالى امرك بذلك وجعلني طريقا اليه فطاعة لامر الله تعالى فعندها سكنت اليه فإذن من أحب الله لا يعصيه ولذلك قال ابن المبارك فيه :
تعصي الاله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمري في الفعال بديع
لو كان حبك صادقا لاطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع
وفي هذا المعني قيل أيضا :
وأترك ما أهوى ... لما قد هويته ... فأرضى بما ترضى وإن سخطت نفسي
وقال سهل رحمه الله تعالى : علامة الحب ايثاره على نفسك وليس كل من عمل بطاعة الله عز و جل صار حبيبا وانما الحبيب من اجتنب المناهي : وهو كما قال لان محبته لله تعالى سبب محبة الله له كما قال تعالى يحبهم ويحبونه واذا أحبه الله تولاه ونصره على أعدائه وإنما عدوه نفسه وشهواته فلا يخذله الله ولا يكله الى هواه وشهواته

ولذلك قال تعالى والله اعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا
فإن قلت : فالعصيان هل يضاد أصل المحبة فأقول : انه يضاد كمالها ولا يضاد أصلها فكم من انسان يحب نفسه وهو مريض ويحب الصحة ويأكل ما يضره مع العلم بأنه يضره وذلك لا يدل على عدم حبه لنفسه ولكن المعرفة قد تضعف والشهوة قد تغلب فيعجز عن القيام بحق المحبة ويدل عليه ما روى ان نعيمان كان يؤتي به رسول الله صلى الله عليه و سلم في كل قليل فيحده في معصية يرتكبها الى ان اتى به يوما فحده فلعنه رجل وقال : ما أكثر ما يؤتى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال صلى الله عليه و سلم لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله 1 فلم يخرجه بالمعصية عن المحبة نعم تخرجه المعصية عن كمال الحب وقد قال بعض العارفين : إذا كان الايمان في ظاهر القلب أحب الله تعالى حبا متوسطا فإذا دخل سويداء القلب احبه الحب البالغ وترك المعاصي وبالجملة في دعوى المحبة خطر ولذلك قال الفضيل : اذا قيل لك أتحب الله تعالى فاسكت فانك ان قلت لا كفرت وان قلت نعم فليس وصفك وصف المحبين فاحذر المقت ولقد قال بعض العلماء : ليس في الجنة نعيم أعلى من نعيم أهل المعرفة والمحبة ولا في جهنم عذاب أشد من عذاب من ادعى المعرفة والمحبة ولم يتحقق بشيء من ذلك
ومنها ان يكون مستهترا بذكر الله تعالى لا يفتر عنه لسانه ولا يخلو عنه قلبه فمن أحب شيئا أكثر بالضرورة من ذكره وذكر ما يتعلق به فعلامة حب الله : حب ذكره وحب القرآن الذي هو كلامه وحب رسول الله صلى الله عليه و سلم وحب كل من ينسب اليه فإن من يحب انسانا يحب كلب محلته فالمحبة اذا قويت تعدت من المحبوب الى كل ما يكتنف بالمحبوب ويحيط به ويتعلق بأسبابه وذلك ليس شركة في الحب فإن من أحب رسول المحبوب لانه رسوله وكلامه لانه كلامه فلم يجاوز حبه الى غيره بل هو دليل على كمال حبه ومن غلب حب الله على قلبه أحب جميع خلق الله لانهم خلقه فكيف لا يحب القرآن والرسول وعباد الله الصالحين وقد ذكرنا تحقيق هذا في كتاب الاخوة والصحبة ولذلك قال تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله وقال رسول الله صلى الله عليه و سلمأحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لله تعالى وقال سفيان // حديث أحبوا الله : من أحب من يحب الله تعالى فإنما أحب الله ومن أكرم من يكرم الله تعالى فإنما يكرم الله
وحكى عن بعض المريدين قال : كنت قد وجدت حلاوة المناجاة في سن الارادة فأدمنت قراءة القرآن ليلا ونهارا ثم لحقتني فترة فانقطعت عن التلاوة قال : فسمعت قائلا يقول في المنام ان كنت تزعم انك تحبني فلم جفوت كتابي اما تدبرت ما فيه من لطيف عتابي قال : فانتبهت وقد اشرب في قلبي محبة القرآن فعاودت الى حالي
وقال ابن مسعود : لا ينبغي ان يسأل احدكم عن نفسه الا القرآن فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله عز و جل وان لم يكن يحب القرآن فليس يحب الله
وقال سهل رحمة الله تعالى عليه علامة حب الله حب القرآن وعلامة حب الله وحب القرآن حب النبي صلى الله عليه و سلم وعلامة حب النبي صلى الله عليه و سلم حب السنة وعلامة حب السنة حب الآخرة وعلامة حب الآخرة بغض الدنيا وعلامة بغض الدنيا أن لا يأخذ منها الا زادا وبلغة الى الآخرة
ومنها أن يكون أنسه بالخلوة ومناجاته لله تعالى وتلاوة كتابه فيواظب على التهجد ويغتنم هدء الليل وصفاء الوقت بانقطاع العوائق وأقل درجات الحب التلذذ بالخلوة بالحبيب والتنعم بمناجاته فمن كان النوم والاشتغال بالحديث الذ عنده وأطيب من مناجاة الله كيف تصح محبته قيل لابراهيم بن أدهم وقد نزل من الجبل : من أين أقبلت

فقال من الانس بالله وفي أخبار داود عليه السلام لا تستأنس الى احد من خلقي فإني إنما أقطع عني رجلين رجل استبطأ ثوابي فانقطع ورجلا نسيني فرضي بحاله وعلامة ذلك أن أكله الى نفسه وأن أدعه في الدنيا حيران ومهما أنس بغير الله كان بقدر أنسه بغير الله مستوحشا من الله تعالى ساقطا عن درجة محبته وفي قصة برخ وهو العبد الاسود الذي استسقى به موسى عليه السلام أن الله تعالى قال لموسى عليه السلام إن برخا نعم العبد هو لي الا أن فيه عيبا قال يارب وما عيبه فقال يعجبه نسيم الاسحار فيسكن اليه ومن أحبني لم يسكن الى شيء وروى أن عابدا عبد الله تعالى في غيضة دهرا طويلا فنظر الى طائر وقد عشش في شجرة يأوى اليها ويصفر عندها فقال لو حولت مسجدي الى تلك الشجرة فكنت آنس بصوت هذا الطائر قال : ففعل فأوحى الله تعالى الى نبى ذلك الزمان قل لفلان العابد استأنست بمخلوق لاحطنك درجة لا تنالها بشيء من عملك ابدا
فإذن علامة المحبة كمال الانس بمناجاة المحبوب وكمال التنعم بالخلوة به وكمال الاستيحاش من كل ما ينغص عليه الخلوة ويعوق عن لذة المناجاة وعلامة الانس مصير العقل والفهم كله مستغرقا بلذة المناجاة كالذي يخاطب معشوقه ويناجيه وقد انتهت هذه اللذة ببعضهم حتى كان في صلاته ووقع الحريق في داره فلم يشعر به وقطعت رجل بعضهم بسبب علة اصابته وهو في الصلاة فلم يشعر به ومهما غلب عليه الحب والانس صارت الخلوة والمناجاة قرة عينه يدفع بها جميع الهموم بل يستغرق الانس والحب قلبه حتى لا يفهم أمور الدنيا ما لم تكرر على سمعه مرارا مثل العاشق الولهان فانه يكلم الناس بلسانه وأنسه في الباطن بذكر حبيبه فالمحب من لا يطمئن الا بمحبوبه وقال قتادة في قوله تعالى الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب قال هشت اليه واستأنست به وقال الصديق رضي الله تعالى عنه من ذاق من خالص محبة الله شغله ذلك عن طلب الدنيا وأوحشه عن جميع البشر
وقال مطرف بن أبي بكر : الحب لا يسأم من حديث حبيبه وأوحى الله تعالى الى داود عليه السلام قد كذب من ادعى محبتي اذا جنه الليل نام عني أليس كل محب يحب لقاء حبيبه فها أنا ذا موجود لمن طلبني وقال موسى عليه السلام يا رب أين أنت فأقصدك فقال اذا قصدت فقد وصلت وقال يحيى بن معاذ من أحب الله أبغض نفسه وقال أيضا من لم تكن فيه ثلاث خصال فليس بمحب يؤثر كلام الله تعالى على كلام الخلق ولقاء الله تعالى على لقاء الخلق والعبادة على خدمة الخلق ومنها أن لا يتأسف على مما يفوته ما سوى الله عز و جل ويعظم تأسفه على فوت كل ساعة خلت عن ذكر الله تعالى وطاعته فيكثر رجوعه عند الغفلات بالاستعطاف والاستعتاب والتوبة قال بعض العارفين إن لله عبادا احبوه واطمأنوا اليه فذهب عنهم التأسف على الفائت فلم يتشاغلوا بحظ أنفسهم إذ كان ملك مليكهم تاما وما شاء كان فما كان لهم فهو واصل اليهم وما فاتهم فبحسن تدبيره لهم وحق المحب اذا رجع من غفلته في لحظته أن يقبل على محبوبه ويشتغل بالعتاب ويسأله ويقول رب باي ذنب قطعت برك عني وأبعدتني عن حضرتك وشغلتني بنفسي وبمتابعة الشيطان فيستخرج ذلك منه صفاء ذكر ورقة قلب يكفر عنه ما سبق من الغفلة وتكون هفوته سببا لتجدد ذكره وصفاء قلبه ومهما لم ير المحب الا المحبوب ولم ير شيئا الا منه لم يتأسف ولم يشك واستقبل الكل بالرضا وعلم أن المحبوب لم يقدر له الا ما فيه خيرته ويذكر قوله وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم
ومنها أن يتنعم بالطاعة ولا يستثقلها ويسقط عنه تعبها كما قال بعضهم كابدت الليل عشرين سنة ثم تنعمت به

عشرين سنة
وقال الجنيد علامة المحب دوام النشاط والدعوب بشهوة تفتر بدنه ولا تفتر قلبه وقال بعضهم العمل على المحبة لا يدخله الفتور
وقال بعض العلماء والله ما اشتفى محب لله من طاعته ولو حل بعظيم الوسائل
فكل هذا وأمثاله موجود في المشاهدات فإن العاشق لا يستثقل السعي في هوى معشوقه ويستلذ خدمته بقلبه وان كان شاقا على بدنه ومهما عجز بدنه كان احب الاشياء اليه ان تعاوده القدرة وان يفارقه العجز حتى يشغل به فهكذا يكون حب الله تعالى فإن كل حب صار غالبا قهر لا محالة ماهو دونه فمن كان محبوبه احب اليه من الكسل ترك الكسل في خدمته وان كان احب اليه من المال ترك المال في حبه
وقيل لبعض المحبين وقد كان بذل نفسه وماله حتى لم يبق له شيء ما كان سبب حالك هذه في المحبة فقال سمعت يوما محبا وقد خلا بمحبوبه وهو يقول انا والله احبك بقلبي كله وانت معرض عني بوجهك كله فقال له المحبوب ان كنت تحبني فايش تنفق علي قال يا سيدي املكك ما املك ثم انفق عليك روحي حتى تهلك فقلت هذا خلق لخلق وعبد لعبد فكيف بعبيد لمعبود فكل هذا بسببه
ومنها ان يكون مشفقا على جميع عباد الله رحيما بهم شديدا على جميع اعداء الله وعلى كل من يقارف شيئا مما يكرهه كما قال الله تعالى أشداء على الكفار رحماء بينهم ولا تأخذه لومة لائم ولا يصرفه عن الغضب لله صارف وبه وصف الله أولياءه اذ قال الذين يكلفون بحبي كما يكلف الصبي بالشيء ويأوون الى ذكرى كما يأوى النسر الي وكره ويغضبون لمحارمه كما يغضب النمر اذا حرد فانه لا يبالي قل الناس او كثروا فانظر الى هذا المثال فإن الصبي اذا كلف بالشيء لم يفارقه اصلا وان اخذ منه لم يكن له شغل الا البكاء والصياح حتى يرد اليه فان نام اخذه معه في ثيابه فاذا انتبه عاد وتمسك به ومهما فارقه بكى ومهما وجده ضحك ومن نازعه فيه ابغضه ومن اعطاه احبه وأما النمر فانه لا يملك نفسه عند الغضب حتى يبلغ من شدة غضبه انه يهلك نفسه فهذه علامات المحبة فمن تمت فيه هذه العلامات فقد تمت محبته وخلص حبه فصفا في الآخرة شرابه وعذب مشربه ومن امتزج بحبه حب غير الله تنعم في الآخرة بقدر حبه إذ يمزج شرابه بقدر من شراب المقربين كما قال تعالى في الابرار إن الأبرار لفى نعيم ثم قال يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون فإذا طاب شراب الأبرار لشوب الشراب الصرف الذى هو للمقربين
والشراب عبارة عن جملة نعيم الجنان كما أن الكتاب عبر به عن جميع الأعمال فقال إن كتاب الأبرار لفى عليين ثم قال يشهده المقربون فكان أمارة علو كتابهم أنه ارتفع إلى حيث يشهده المقربون وكما أن الأبرار يجدون المزيد في حالهم ومعرفتهم بقربهم من المقربين ومشاهدتهم لهم فكذلك يكون حالهم في الآخرة ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة كما بدأنا أول خلق نعيده وكما قال تعالى جزاء وفاقا أى وافق الجزاء أعمالهم فقوبل الخالص بالصرف من الشراب وقوبل المشوب بالمشوب
وشوب كل شراب على قدر ما سبق من الشوب في حبه وأعماله فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره و إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها وإن كان مثقال حبة من خردل اتينا بها وكفى بنا حاسبين فمن كان حبه في الدنيا رجاءه لنعيم الجنة والحور العين والقصور مكن من الجنة ليتبوأ منها حيث يشاء فيلعب مع الولدان ويتمتع بالنسوان فهناك تنتهى لذته في الآخرة لأنه إنما يعطى كل إنسان في المحبة ما تشتهيه نفسه وتلذ عينه
ومن كان مقصده رب الدار ومالك الملك ولم يغلب عليه إلا حبه بالإخلاص والصدق أنزل في مقعد

صدق عند مليك مقتدر فالأبرار يرتعون فى البساتين ويتنعمون فى الجنان مع الحورالعين والولدان والمقربون ملازمون للحضرة عاكفون بطرفهم عليها يستحقرون نعيم الجنان بالإضافة إلى ذرة منها فقوم بقضاء شهوة البطن والفرج مشغولون وللمجالسة أقوام آخرون ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أكثر أهل الجنة البلة وعليون لذوى الألباب // حديث أكثر أهل الجنة البلة وعليون لذوى الألباب أخرجه البزار من حديث أنس بسند ضعيف مقتصرا على الشطر الأول وقد تقدم والشطر الثانى من كلام أحمد بن ابى الحوارى ولعله أدرج فيه ولما قصرت الأفهام عن درك معنى عليين عظم أمره فقال وما أدراك ما عليون كما قال تعالى القارعة ما القارعه وما ادراك ما القارعة
ومنها أن يكون فى حبه خائفا متضائلا تحت الهيبة والتعظيم وقد يظن أن الخوف يضاد الحب وليس كذلك بل إدراك العظمة يوجب الهيبة كما أن إدراك الجمال يوجب الحب ولخصوص المحبين مخاوف فى مقام المحبة ليست لغيرهم وبعض مخاوفهم اشد من بعض فاولها خوف الإعراض وأشد منه خوف الحجاب وأشد منه خوف الإبعاد وهذا المعنى فى سورة هود هو الذى شيب سيد المحبين // حديث شيبتنى هود أخرجه الترمذى وقد تقدم غير مرة // إذ سمع قوله تعالى ألا بعدا الثمود ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود وإنما تعظم هيبة البعد وخوفه في قلب من ألف القرب وذاقه وتنعم به فحديث البعد في حق المبعدين يشيب سماعه أهل القرب في القرب ولا يحن إلى القرب من ألف البعد ولا يبكى لخوف البعد من لم يمكن من بساط القرب ثم خوف الوقوف وسلب المزيد فإنا قدمنا أن درجات القرب لا نهاية لها وحق العبد أن يجتهد في كل نفس حتى يزداد فيه قربا ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من استوى يوماه فهو مغبون ومن كان يومه شرا من أمسه فهو ملعون // حديث من استوى يوماه فهو مغبون ومن كان يومه شرا من أمسه فهو ملعون لا أعلم هذا إلا في منام لعبد العزيز بن أبى رواد قال رأيت النبي صلى الله عليه و سلم في النوم فقلت يا رسول الله أوصنى فقال ذلك بزيادة في آخره رواه البيهقى في الزهد // وكذلك قال عليه السلام إنه ليغان على قلبى في اليوم والليلة حتى أستغفر الله سبعين مرة // حديث إنه ليغان على قلبى متفق عليه من حديث الأغر وقد تقدم // وإنما كان استغفاره من القدم الأول فإنه كان بعدا بالإضافة إلى القدم الثانى ويكون ذلك عقوبة لهم على الفتور في الطريق والالتفات إلى غير المحبوب كما روى أن الله تعالى يقول إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوات الدنيا على طاعتى أن أسلبه لذيذ مناجاتى
فسلب المزيد بسبب الشهوات عقوبة للعموم فأما الخصوص فيحجبهم عن المزيد مجرد الدعوى والعجب والركون إلى ما ظهر من مبادىء اللطف وذلك هو المكر الخفى الذى لا يقدر على الاحتراز منه إلا ذوو الأقدام الراسخة ثم خوف فوت ما لا يدرك بعد فوته سمع إبراهيم بن أدهم قائلا يقول وهو في سياحة وكان على الجبل
كل شيء منك مغفو ... ر سوى الإعراض عنا
قد وهبنا لك ما فا ... ت فهب لنا ما فات منا
فاضطرب وغشى عليه فلم يفق يوما وليلة وطرأت عليه أحوال ثم قال سمعت النداء من الجبل يا إبراهيم كن عبدا فكنت عبدا واسترحت
ثم خوف السلو عنه فإن المحب يلازمه الشوق والطلب الحثيث فلا يفتر عن طلب المزيد ولا يتسلى إلا بلطف جديد فإن تسلى عن ذلك كان ذلك سبب وقوفه أو سبب رجعته
والسلو يدخل عليه من حيث لا يشعر كما قد يدخل عليه الحب من حيث لا يشعر فإن هذه التقلبات لها أسباب خفية سماوية ليس في قوة البشر الاطلاع عليها فإذا

أراد الله المكر به واستدراجه اخفى عنه ما ورد عليه من السلو فيقف مع الرجاء ويغتر بحسن النظر أو بغلبة الغفلة أو الهوى أو النسيان فكل ذلك من جنود الشيطان التى تغلب جنود الملائكة من العلم والعقل والذكر والبيان وكما أن من أوصاف الله تعالى ما يظهر فيقتضى هيجان الحب وهى أوصاف اللطف والرحمة والحكمة فمن أوصافه ما يلوح فيورث السلو كأوصاف الجبرية والعزة والاستغناء وذلك من مقدمات المكر والشقاء والحرمان
ثم خوف الاستبدال به بانتقال القلب من حبه إلى حب غيره وذلك هو المقت والسلو عنه مقدمة هذا المقام والإعراض والحجاب مقدمة السلو وضيق الصدر بالبر وانقباضه عن دوام الذكر وملاله لوظائف الأوراد أسباب هذه المعاني ومقدماتها
وظهور هذه الأسباب دليل على النقل عن مقام الحب إلى مقام المقت نعوذ بالله منه وملازمه الخوف لهذه الأمور وشدة الحذر منها بصفاء المراقبة دليل صدق الحب فإن من أحب شيئا خاف لا محالة فقده فلا يخلو المحب عن خوف إذا كان المحبوب مما يمكن فواته
وقد قال بعض العارفين من عبد الله تعالى بمحبة من غير خوف هلك بالبسط والإدلال ومن عبده من طريق الخوف من غير محبة انقطع عنه بالبعد والاستيحاش ومن عبده من طريق المحبة والخوف أحبه الله تعالى فقربه ومكنه وعلمه فالمحب لا يخلو عن خوف والخائف لا يخلو عن محبة ولكن الذى غلبت عليه المحبة حتى اتسع فيها ولم يكن له من الخوف إلا يسير يقال هو في مقام المحبة ويعد من المحبين وكان شوب الخوف يسكن قليلا من سكر الحب فلو غلب الحب واستولت المعرفة لم تثبت لذلك طاقة البشر فإنما الخوف يعدله ويخفف وقعه على القلب
فقد روى في بعض الأخبار أن بعض الصديقين سأله بعض الأبدال أن يسأل الله تعالى أن يرزقه ذرة من معرفته ففعل ذلك فهام في الجبال وحار عقله ووله قلبه وبقى شاخصا سبعة أيام لا ينتفع بشيء ولا ينتفع به شيء فسأل له الصديق ربه تعالى فقال يارب أنقصه من الذرة بعضها فأوحى الله تعالى إليه إنما أعطيناه جزءا من مائة ألف جزء من المعرفة وذلك أن مائة ألف عبد سألونى شيئا من المحبة في الوقت الذى سألنى هذا فأخرت إجابتهم إلى أن شفعت أنت لهذا فلما أجتبنك فيما سألت أعطيتهم كما أعطيته فقسمت ذرة من المعرفة بين مائة ألف عبد فهذا ما أصابه من ذلك فقال سبحانك يا أحكم الحاكمين أنقصه مما أعطيته فأذهب الله عنه جملة الجزء وبقى معه عشر معشاره وهو جزء من عشرة آلاف جزء من مائة ألف جزء من ذرة فاعتدل خوفه وحبه ورجاؤه وسكن وصار كسائر العارفين وقد قيل في وصف حال العارف
قريب الوجد ذو مرمى بعيد ... عن الأحرار منهم والعبيد
غريب الوصف ذو علم غريب ... كأن فؤاده زبر الحديد
لقد عزت معانيه وجلت ... عن الأبصار إلا للشهيد
يرى الأعياد في الأوقات تجرى ... له في كل يوم ألف عيد
وللأحباب أفراح بعيد ... ولا يجد السرور له بعيد
وقد كان الجنيد رحمه الله ينشد أبياتا يشير بها إلى أسرار أحوال العارفين وإن كان ذلك لا يجوز إظهاره وهى هذه الأبيات
سرت بأناس في الغيوب قلوبهم ... فحلوا بقرب الماجد المتفضل
عراضا بقرب الله في ظل قدسه ... تجول به أرواحهم وتنقل
مواردهم فيها على العز والنهى ... ومصدرهم عنها لما هو أكمل

تروح بعز مفرد من صفاته ... وفى حلل التوحيد تمشى وترفل
ومن بعد هذا ما تدق صفاته ... وما كتمه أولى لديه وأعدل
سأكتم من علمى به ما يصونه ... وأبذل منه ما أرى الحق يبذل
وأعطى عباد الله منه حقوقهم ... وأمنع منه ما أرى المنع يفضل
على أن للرحمن سرا يصونه ... إلى أهله في السر والصون أجمل
وأمثال هذه المعارف التى إليها الإشارة لا يجوز أن يشترك الناس فيها ولا يجوز أن يظهرها من انكشف له شيء من ذلك لمن لم ينكشف له بل لو اشترك الناس فيها لخربت الدنيا فالحكمة تقتضى شمول الغفلة لعمارة الدنيا بل لو أكل الناس كلهم الحلال أربعين يوما لخربت الدنيا لزهدهم فيها وبطلت الأسواق والمعايش بل لو أكل العلماء الحلال لاشتغلوا بأنفسهم ولوقفت الألسنة والأقلام عن كثير مما انتشر من العلوم ولكن لله تعالى فيما هو شر في الظاهر أسرار وحكم كما أن له في الخير أسرارا وحكما ولا منتهى لحكمته كما لا غاية لقدرته
ومنها كتمان الحب واجتناب الدعوى والتوقى من إظهار الوجد والمحبة تعظيما للمحبوب وإجلالا له وهيبة منه وغيرة على سره فإن الحب سر من أسرار الحبيب ولأنه قد يدخل في الدعوى ما يتجاوز حد المعنى ويزيد عليه فيكون ذلك من الافتراء وتعظم العقوبة عليه في العقبى وتتعجل عليه البلوى في الدنيا
نعم قد يكون للمحب سكرة في حبه حتى يدهش فيه وتضطرب أحواله فيظهر عليه حبه فإن وقع ذلك عن غير تمحل أو اكتساب فهو معذور لأنه مقهور وربما تشتعل من الحب نيرانه فلا يطاق سلطانه وقد يفيض القلب به فلا يندفع فيضانه
فالقادر على الكتمان يقول
وقالوا قريب قلت
ما أنا صانع ... بقرب شعاع الشمس لو كان في حجرى
فمالى منه غير ذكر بخاطر ... يهيج نار الحب والشوق في صدري
والعاجز عنه يقول
يخفى فيبدى الدمع أسراره ... ويظهر الوجد عليه النفس
ويقول أيضا
ومن قلبه مع غيره كيف حاله ... ومن سره في جفنه كيف يكتم
وقد قال بعض العارفين أكثر الناس من الله بعدا أكثرهم إشارة به
كأنه أراد من يكثر التعريض به في كل شيء ويظهر التصنع بذكره عند كل أحد فهو ممقوت عند المحبين والعلماء بالله عز و جل ودخل ذو النون المصرى على بعض إخوانه ممن كان يذكر المحبة فرآه مبتلى ببلاء فقال لا يحبه من وجد ألم ضره فقال الرجل لكنى أقول لا يحبه من لم يتنعم بضره فقال ذو النون ولكنى أقول لا يحبه من شهر نفسه بحبه فقال الرجل أستغفر الله وأتوب إليه
فإن قلت المحبة منتهى المقامات وإظهارها إظهار للخير فلماذا يستنكر فاعلم أن المحبة محمودة وظهورها محمود أيضا وإنما المذموم التظاهر بها لما يدخل فيها من الدعوى والاستكبار وحق المحب أن ينم على حبه الخفى أفعاله واحواله دون أقواله وأفعاله
وينبغى أن يظهر حبه من غير قصد منه إلى إظهار الحب ولا إلى إظهار الفعل الدال على الحب بل ينبغى أن يكون قصد المحب اطلاع الحبيب فقط فأما إرادته إطلاع غيره فشرك في الحب

وقادح فيه كما ورد في الإنجيل إذا تصدقت فتصدق بحيث لا تعلم شمالك ما صنعت يمينك
فالذي يرى الخفيات يجزيك علانية وإذا صمت فاغسل وجهك وادهن رأسك لئلا يعلم بذلك غير ربك
فإظهار القول والفعل كله مذموم إلا إذا غلب سكر الحب فانطلق اللسان واضطربت الأعضاء فلا يلام فيه صاحبه
حكى أن رجلا رأى من بعض المجانين ما أستجهله فيه فأخبر بذلك معروفا الكرخي رحمه الله فتبسم ثم قال يا أخي له محبون صغار وكبار وعقلاء ومجانين فهذا الذى رأيته من مجانينهم
ومما يكره التظاهر بالحب بسبب أن المحب إن كان عارفا وعرف أحوال الملائكة في حبهم الدائم وشوقهم اللازم الذى به يسبحون الليل والنهار لا يفترون ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون لاستنكف من نفسه ومن إظهار حبه وعلم قطعا أنه من أخس المحبين في مملكته وأن حبه أنقص من حب كل محب لله
قال بعض الكاشفين من المحبين عبدت الله تعالى ثلاثين سنة بأعمال القلوب والجوارح على بذل المجهود واستفراغ الطاقة حتى ظننت أن لى عند الله شيئا فذكر أشياء من مكاشفات آيات السموات في قصة طويلة قال في آخرها فبلغت صفا من الملائكة بعدد جميع ما خلق الله من شيء فقلت من أنتم فقالوا نحن المحبون لله عز و جل نعبده ههنا منذ ثلثمائة ألف سنة ما خطر على قلوبنا قط سواه ولا ذكرنا غيره قال فاستحييت من أعمالى فوهبتها لمن حق عليه الوعيد تخفيفا عنه في جهنم
فإذن من عرف نفسه وعرف ربه واستحيا منه حق الحياء خرس لسانه عن التظاهر بالدعوى
نعم يشهد على حبه حركاته وسكناته وإقدامه وإحجامه وتردداته كما حكى عن الجنيد أنه قال مرض أستاذنا السرى رحمه الله فلم نعرف لعلته دواء ولا عرفنا لها سببا فوصف لنا طبيب حاذق فأخذ قارورة مائه فنظر إليها الطبيب وجعل ينظر إليه مليا ثم قال لي أراه بول عاشق قال الجنيد فصعقت وغشى على ووقعت القارورة من يدى ثم رجعت إلى السرى فأخبرته فتبسم قال قاتله الله ما أبصره قلت يا أستاذ وتبين المحبة في البول قال نعم
وقد قال السرى مرة لو شئت أقول ما أيبس جلدى على عظمى ولا سل جسمى إلا حبه ثم غشى عليه
وتدل الغشية على أنه أفصح في غلبة الوجد ومقدمات الغشية فهذه مجامع علامات الحب وثمراته
ومنها الإنس والرضا كما سيأتي
وبالجملة جميع محاسن الدين ومكارم الأخلاق ثمرة الحب وما لا يثمره الحب فهو اتباع الهوى وهو من رذائل الأخلاق
نعم قد يحب الله لإحسانه إليه وقد يحبه لجلاله وجماله وإن لم يحسن إليه
والمحبون لا يخرجون عن هذين القسمين ولذلك قال الجنيد الناس في محبة الله تعالى عام وخاص فالعوام نالوا ذلك بمعرفتهم في دوام إحسانه وكثرة نعمه فلم يتمالكوا أن أرضوه إلا أنهم تقل محبتهم وتكثر على قدر النعم والإحسان فأما الخاصة فنالوا المحبة بعظم القدر والقدرة والعلم والحكمة والتفرد بالملك
ولما عرفوا صفاته الكاملة وأسماءه الحسنى لم يمتنعوا أن أحبوه إذ استحق عندهم المحبة بذلك لأنه أهل لها ولو أزال عنهم جميع النعم نعم من الناس من يحب هواه
وعدو الله إبليس وهو مع ذلك يلبس على نفسه بحكم الغرور والجهل فيظن أنه محب لله عز و جل وهو الذى فقدت فيه هذه العلامات أو يلبس بها نفاقا ورياء وسمعة وغرضه عاجل حظ الدنيا وهو يظهر من نفسه خلاف ذلك كعلماء السوء وقراء السوء أولئك بغضاء الله في أرضه
وكان سهل إذا تكلم مع إنسان قال يا دوست أى يا حبيب فقيل له قد لا يكون حبيبا فكيف تقول هذا فقال في أذن القائل سرا لا يخلو إما أن يكون مؤمنا أو منافقا فإن كان مؤمنا فهو حبيب الله عز و جل وإن كان منافقا فهو حبيب إبليس وقد

قال أبو تراب النخشبى في علامات المحبة أبياتا
لا تخدعن فللحبيب دلائل ... ولديه من تحف الحبيب وسائل
منها تنعمه بمر بلائه ... وسروره في كل ما هو فاعل
فالمنع منه عطية مقبولة ... والفقر إكرام وبر عاجل
ومن الدلائل أى ترى من عزمه ... طوع الحبيب وإن ألح العاذل
ومن الدلائل أن يرى متبسما ... والقلب فيه من الحبيب بلابل
ومن الدلائل أن يرى متفهما ... لكلام من يحظى لديه السائل
ومن الدلائل أن يرى متقشفا ... متحفظا من كل ما هو قائل
وقال يحيى بن معاذ
ومن الدلائل أن تراه مشمرا ... في خرقتين على شطوط الساحل
ومن الدلائل حزنه ونحيبه ... جوف الظلام فما له من عاذل
ومن الدلائل أن تراه مسافرا ... نحو الجهاد وكل فعل فاضل
ومن الدلائل زهده فيما يرى ... من دار ذل والنعيم الزائل
ومن الدلائل أن تراه باكيا ... أن قد رآه على قبيح فعائل
ومن االدلائل أن تراه مسلما ... كل الأمور إلى المليك العادل
ومن الدلائل أن تراه راضيا ... بمليكه في كل حكم نازل
ومن الدلائل ضحكه بين الورى ... والقلب محزون كقلب الثاكل
بيان معنى الأنس بالله تعالى
قد ذكرنا أن الأنس والخوف والشوق من آثار المحبة إلا أن هذه آثار تختلف على المحب بحسب نظره وما يغلب عليه في وقته فإذا غلب عليه التطلع من وراء حجب الغيب إلا منتهى الجمال واستشعر قصوره عن الاطلاع على كنه الجلال انبعث القلب إلى الطلب وانزعج له وهاج إليه وتسمى هذه الحالة في الانزعاج شوقا وهو بالإضافة إلى أمر غائب وإذا غلب عليه الفرح بالقرب ومشاهدة الحضور بما هو حاصل من الكشف وكان نظره مقصورا على مطالعة الجمال الحاضر المكشوف غير ملتفت إلى ما لم يدركه بعد استبشر القلب بما يلاحظه فيسمى استبشاره أنسا وإن كان نظره إلى صفات العز والاستغناء وعدم المبالاة وخطر إمكان الزوال والبعد تألم القلب بهذا الاستشعار فيسمى تألمه خوفا
وهذه الأحوال تابعة لهذه الملاحظات والملاحظات تابعة لأسباب تقتضيها لا يمكن حصرها فالأنس معناه استبشار القلب فرحه بمطالعة الجمال حتى إنه إذا غلب وتجرد عن ملاحظة ما غاب عنه وما يتطرق إليه من خطر الزوال عظم نعيمه ولذته ومن هنا نظر بعضهم حيث قيل له أنت مشتاق فقال لا إنما الشوق إلى غائب فإذا كان الغائب حاضرا فإلى من يشتاق وهذا كلام مستغرق بالفرح بما ناله غير ملتفت إلى ما بقى في الإمكان من مزايا الألطاف
ومن غلب عليه حال الأنس لم تكن شهوته إلا في الانفراد والخلوة كما حكى أن إبراهيم بن أدهم نزل من الجبل فقيل له من أين أقبلت فقال من الأنس بالله وذلك لأن الأنس بالله يلازمه التوحش من غير الله بل كل

ما يعوق عن الخلوة فيكون من أثقل الأشياء على القلب كما روى أن موسى عليه السلام لما كلمه ربه مكث دهرا لا يسمع كلام أحد من الناس إلا أخذه الغثيان لأن الحب يوجب عذوبه كلام المحبوب وعذوبة ذكره فيخرج من القلب عذوبة ما سواه
ولذلك قال بعض الحكماء في دعائه يا من آنسنى بذكره وأوحشنى من خلقه وقال الله عز و جل لداود عليه السلام كن لى مشتاقا وبى متأنسا ومن سواى مستوحشا وقيل لرابعة بم نلت هذه المنزلة قالت بتركى ما لا يعنينى وأنسى بمن لم يزل
وقال عبد الواحد بن زيد مررت براهب فقلت له يا راهب لقد أعجبتك الوحدة فقال يا هذا لو ذقت حلاوة الوحدة لاستوحشت إليها من نفسك الوحدة رأس العبادة فقلت يا راهب ما أقل ما تجده في الوحدة قال الراحة من مداراة الناس والسلامة من شرهم قلت يا راهب متى يذوق العبد حلاوة الأنس بالله تعالى قال إذا صفا الود وخلصت المعاملة قلت ومتى يصفو الود قال إذا اجتمع الهم فصار هما واحد في الطاعة وقال بعض الحكماء عجبا للخلائق كيف أرادوا بك بدلا عجبا للقلوب كيف استأنست بسواك عنك
فإن قلت فما علامة الأنس فاعلم أن علامته الخاصة ضيق الصدر من معاشرة الخلق والتبرم بهم واستهتاره بعذوبة الذكر فإن خالط فهو كمنفرد في جماعة ومجتمع في خلوة وغريب في حضر وحاضر في سفر وشاهد في غيبة وغائب في حضور مخالط بالبدن منفرد بالقلب مستغرق بعذوبة الذكر كما قال على كرم الله وجهه في وصفهم هم قوم هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعر المترفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه
فهذا معنى الأنس بالله وهذه علامته وهذه شواهده
وقد ذهب بعض المتكلمين إلى انكار الأنس والشوق والحب لظنه أن ذلك يدل على التشبيه وجهله بأن جمال المدركات بالبصائر أكمل من جمال المبصرات ولذة معرفتها أغلب على ذوى القلوب ومنهم أحمد بن غالب يعرف بغلام الخليل أنكر على الجنيد وعلى أبى الحسن النورى والجماعة حديث الحب والشوق والعشق حتى أنكر بعضهم مقام الرضا وقال ليس إلا الصبر فأما الرضا فغير متصور
وهذا كله كلام ناقص قاصر لم يطلع من مقامات الدين إلا على القشور فظن أنه لا وجود إلا للقشر فإن المحسوسات وكل ما يدخل في الخيال من طريق الدين قشر مجرد ووراءه اللب المطلوب فمن لم يصل من الجوز إلا إلى قشره يظن أن الجوز خشب كله ويستحيل عنده خروج الدهن منه لا محالة وهو معذور ولكن عذره غير مقبول وقد قيل
الأنس بالله لا يحويه بطال ... وليس يدركه بالحول محتال
والآنسون رجال كلهم نجب ... وكلهم صفوة لله عمال
بيان معنى الانبساط والإدلال الذى تثمره غلبة الأنس
أعلم أن الأنس إذا دام وغلب واستحكم ولم يشوشه قلق الشوق ولم ينغصه خوف التغير والحجاب فإنه يثمر نوعا من الانبساط في الأقوال والأفعال والمناجاة مع الله تعالى وقد يكون منكر الصورة لما فيه من الجراءة وقلة الهيبة ولكنه محتمل ممن أقيم في مقام الأنس ومن لم يقم في ذلك المقام ويتشبه بهم في الفعل والكلام هلك به وأشرف على الكفر
ومثاله مناجاة برخ الأسود الذى أمر الله تعالى كليمه موسى عليه السلام أن يسأله ليستسقى لبنى إسرائيل

بعد أن قحطوا سبع سنين وخرج موسى عليه السلام ليستسقى لهم في سبعين ألفا فأوحى الله عز و جل إليه كيف أستجيب لهم وقد أظلمت عليهم ذنوبهم سرائرهم خبيثة يدعوننى على غير يقين ويأمنون مكرى ارجع إلى عبد من عبادى يقال له برخ فقل له يخرج حتى أستجيب له فسأل عنه موسى عليه السلام فلم يعرف فبينما موسى ذات يوم يمشى فى طريق إذا بعبد أسود قد استقبله بين عينيه تراب من أثر السجود فى شملة قد عقدها على عنقه فعرفه موسى عليه السلام بنور الله عز و جل فسلم عليه وقال له ما اسمك فقال اسمى برخ قال فأنت طلبتنا منذ حين أخرج فاستسق لنا
فخرج فقال فى كلامه ما هذا من فعالك ولا هذا من حلمك وما الذى بدالك أنقصت عليك عيونك أم عاندت الرياح عن طاعتك أم نفد ما عندك ام اشتد غضبك على المذنبين ألست كنت غفارا قبل خلق الخطائين خلقت الرحمة وأمرت بالعطف ام ترينا أنك ممتنع أم تخشى الفوت فتجعل بالعقوبة قال فما برح حتى اخضلت بنو اسرائيل بالقطر وأنبت الله تعالى العشب فى نصف يوم حتى بلغ الركب قال فرجع برخ فاستقبله موسى عليه السلام فقال كيف رأيت حين خاصمت ربى كيف أنصفنى فهم موسى عليه السلام به فأوحى الله تعالى إليه إن برخا يضحكنى كل يوم ثلاث مرات
وعن الحسن قال احترقت أخصاص بالبصرة فبقى فى وسطها خص لم يحترق وأبو موسى يومئذ أمير البصرة فأخبر بذلك فبعث إلى صاحب الخص قال فاتى بشيخ فقال يا شيخ ما بال خصك لم يحترق قال إنى أقسمت على ربى عز و جل أن لا يحرقه فقال أبو موسى رضى الله عنه إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول يكون فى أمتى قوم شعثة رءوسهم دنسة ثيابهم لو أقسموا على الله لأبرهم // حديث الحسن عن أبى موسى يكون في أمتى قوم شعثة رءوسهم دنسة ثيابهم لو أقسموا على الله لأبرهم أخرجه ابن أبى الدنيا في كتاب الأولياء وفيه انقطاع وجهالة // قال ووقع حريق بالبصرة فجاء أبو عبيدة الخواص فجعل يتخطى النار فقال له أمير البصرة انظر لا تحترق بالنار فقال إنى أقسمت على ربى عز و جل أن لا يحرقنى بالنار قال فاعزم على النار أن تطفأ قال فعزم عليها فطفئت
وكان أبو حفص يمشى ذات يوم فاستقبله رستاقى مدهوش فقال له أبو حفص ما أصابك فقال ضل حمارى ولا املك غيره قال فوقف أبو حفص وقال وعزتك لا أخطو خطوة ما لم ترد عليه حماره قال فظهر حماره في الوقت ومر أبو حفص رحمه الله
فهذا وأمثاله يجري لذوى الأنس وليس لغيرهم أن يتشبه بهم
قال الجنيد رحمه الله أهل الأنس يقولون في كلامهم ومناجاتهم في خلواتهم أشياء هى كفر عند العامة
وقال مرة لو سمعها العموم لكفروهم وهم يجدون المزيد في أحوالهم بذلك
وذلك يحتمل منهم ويليق بهم وأليه أشار القائل
قوم تخالجهم زهو بسيدهم ... والعبد يزهو على مقدار مولاه
تاهوا برؤيته عما سواه له ... يا حسن رؤيتهم في عز ما تاهوا
ولا تستبعدون رضاه عن العبد بما يغضب به على غيره مهما اختلف مقامهما ففي القرآن تنبيهات على هذه المعانى لو فطنت وفهمت فجميع قصص القرآن تنبيهات لأولى البصائر والأبصار حتى ينظروا إليها بعين الاعتبار فإنما هى عند ذوى الاعتبار من الأسماء
فأول القصص قصة آدم عليه السلام وإبليس أما تراهما كيف اشتركا في اسم المعصية والمخالفة ثم تباينا في الاجتباء والعصمة
أما إبليس فأبلس عن رحمته وقيل إنه من المبعدين
وأما آدم عليه السلام فقيل فيه وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى

وقد عاتب الله نبيه صلى الله عليه و سلم فى الإعراض عن عبد والإقبال على عبد وهما فى العبودية سيان ولكن فى الحال مختلفان فقال وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى وقال فى الآخرة أما من استغنى فأنت له تصدى وكذلك أمره بالقعود مع طائفة فقال عز و جل وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم وأمره بالإعراض عن غيرهم فقال وإذا رأيت الذين يخوضون فى آياتنا فأعرض عنهم حتى قال فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمبن وقال تعالى واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى
فكذلك الانبساط والإدلال يحتمل من بعض العباد دون بعض فمن انبساط الأنس قول موسى عليه السلام إن هى إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء وقوله فى التعليل والاعتذار لما قيل له اذهب إلى فرعون فقال ولهم على ذنب وقوله إنى اخاف أن يكذبون ويضيق صدرى ولا ينطلق لسانى وقوله إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى وهذا من غير موسى عليه السلام من سوء الأدب لأن الذى أقيم مقام الأنس يلاطف ويحتمل ولم يحتمل ليونس عليه السلام ما دون هذا لما أقيم مقام القبض والهيبة فعوقب بالسجن في بطن الحوت في ظلمات ثلاث ونودى عليه إلى يوم القيامة لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم قال الحسن العراء هو القيامة ونهى نبينا صلى الله عليه و سلم أن يقتدى به
وقيل له فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم
وهذه الاختلافات بعضها لاختلاف الأحوال والمقامات وبعضها لما سبق في الأزل من التفاضل والتفاوت في القسمة بين العباد وقد قال تعالى ولقد فضلنا بعض النبين على بعض وقد قال منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات فكان عيسى عليه السلام من المفضلين ولإدلالة سلم على نفسه فقال والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا وهذا انبساط منه لما شاهد من اللطف في مقام الأنس
وأما يحيى بن زكريا عليه السلام فإنه أقيم مقام الهيبة والحياء فلم ينطق حتى أثنى عليه خالقه فقال وسلام عليه
وانظر كيف احتمل لإخوة يوسف ما فعلوه بيوسف وقد قال بعض العلماء قد عددت من اول قوله تعالى إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا إلى رأس العشرين من إخباره تعالى عن زهدهم فيه نيفا وأربعين خطيئة بعضها أكبر من بعض وقد يجتمع في الكلمة الواحدة الثلاث والأربع فغفر لهم وعفا عنهم ولم يحتمل العزير في مسألة واحدة سأل عنها في القدر حتى قيل محى من ديوان النبوة وكذلك كان بلعام بن باعوراء من أكابر العلماء فأكل الدنيا بالدين فلم يحتمل له ذلك
وكان آصف من المسرفين وكانت معصيته في الجوارح فعفا عنه
فقد روى أن الله تعالى أوحى إلى سليمان عليه السلام يا رأس العابدين ويا ابن محجة الزاهدين إلى كم يعصينى ابن خالتك آصف وأنا أحلم عليه مرة بعد مرة فوعزتى وجلالى لئن أخذته عصفة من عصفاتى عليه لأتركنه مثلة لمن معه ونكالا لمن بعده فلما دخل آصف على سليمان عليه السلام أخبره بما أوحى الله تعالى إليه فخرج حتى علا كثيبا من رمل ثم رفع رأسه ويديه نحو السماء وقال إلهى وسيدى أنت أنت وأنا وأنا فكيف أتوب إن لم تتب على وكيف أستعصم إن لم تعصمنى لأعودن فأوحى الله تعالى إليه صدقت يا آصف أنت أنت وأنا وأنا استقبل التوبة وقد تبت عليك وأنا التواب الرحيم وهذا كلام مدل به عليه وهارب منه إليه وناظر به إليه

وفي الخبر إن الله تعالى أوحى إلى عبد تداركه بعد أن كان أشفى على الهلكة كم من ذنب واجهتنى به غفرته لك قد أهلكت في دونه أمة من الأمم
فهذه سنة الله تعالى في عباده بالتفضيل والتقديم والتأخير على ما سبقت به المشيئة الأزلية
وهذه القصص وردت في القرآن لتعرف بها سنة الله في عباده الذين خلوا من قبل فما في القرآن شيء إلا وهو هدى ونور وتعرف من الله تعالى إلى خلقه فتارة يتعرف إليهم بالتقديس فيقول قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وتارة يتعرف إليهم بصفات جلاله فيقول الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر وتارة يتعرف إليهم في أفعاله المخوفة والمرجوة فيتلو عليهم سنته في أعدائه وفي أنبيائه فيقول ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل
ولايعدو القرآن هذه الأقسام الثلاثة وهى الإرشاد إلى معرفة ذات الله وتقديسه أو معرفة صفاته وأسمائه أو معرفة أفعاله وسنته مع عباده
ولما اشتملت سورة الإخلاص على أحد هذه الأقسام الثلاثة وهو التقديس وازنها رسول الله صلى الله عليه و سلم بثلث القرآن فقال من قرأ سورة الإخلاص فقد قرأ ثلث القرآن // حديث من قرأ سورة الإخلاص فقد قرأ ثلث القرآن أخرجه أحمد من حديث أبى بن كعب بإسناد صحيح ورواه البخارى من حديث أبى سعيد ومسلم من حديث أبى الدرداء نحوه لأن منتهى التقديس أن يكون واحدا في ثلاثة أمور لا يكون حاصلا منه من هو نظيره وشبهه
ودل عليه قوله لم يلد ولا يكون حاصلا ممن هو نظيره وشبهه
ودل عليه قوله ولم يولد ولا يكون في درجته وإن لم يكن أصلا له ولا فرعا من هو مثله
ودل عليه قوله ولم يكن له كفوا أحد ويجمع جميع ذلك قوله تعالى قل هو الله أحد وجملته تفصيل قول لا إله إلا الله فهذه أسرار القرآن ولا تتناهى أمثال هذه الأسرار في القرآن ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ولذلك قال ابن مسعود رضى الله عنه نوروا القرآن والتمسوا غرائبه ففيه علم الأولين والآخرين وهو كما قال ولا يعرفه إلا من طال في آحاد كلماته فكره وصفا له فهمه حتى تشهد له كل كلمة منه بأنه كلام جبار قاهر مليك قادر وأنه خارج عن حد استطاعة البشر
وأكثر أسرار القرآن معبأة في طى القصص والأخبار فكن حريصا على استنباطها ليكشف لك فيه من العجائب ما تستحقر معه العلوم المزخرفة الخارجة عنه
فهذا ما أردنا ذكره من معنى الأنس والانبساط الذى هو ثمرته وبيان تفاوت عباد الله فيه والله سبحانه وتعالى أعلم
القول في معنى الرضا بقضاء الله تعالى وحقيقته وما ورد في فضيلته
أعلم ان الرضا ثمرة من ثمار المحبة وهو من أعلى مقامات المقربين وحقيقته غامضة على الأكثرين وما يدخل عليه من التشابه والإبهام غير منكشف إلا لمن علمه الله تعالى التأويل وفهمه وفقهه في الدين فقد أنكر منكرون تصور الرضا بما يخالف الهوى ثم قالوا إن أمكن الرضا بكل شيء لأنه فعل الله فينبغى أن يرضى بالكفر والمعاصى وانخدع بذلك قوم فرأوا الرضا بالفجور والفسوق وترك الاعتراض والإنكار من باب التسليم لقضاء الله تعالى
ولو انكشفت هذه الأسرار لمن اقتصر على سماع ظواهر الشرع لما دعا رسول الله صلى الله عليه و سلم لابن عباس حيث قال اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل // حديث دعائه لابن عباس اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل متفق عليه دون قوله وعلمه التأويل ورواه أحمد بهذه الزيادة وتقدم في العلم فلنبدأ ببيان فضيلة الرضا ثم بحكايات أحوال الراضين

ثم نذكر حقيقة الرضا وكيفية تصوره فيما يخالف الهوى ثم نذكر ما يظن أنه من تمام الرضا وليس منه كترك الدعاء والسكوت على المعاصى
بيان فضيلة الرضا
أما من الآيات فقوله تعالى رضى الله عنهم ورضوا عنه وقد قال تعالى هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ومنتهى الإحسان رضا الله عن عبده وهو ثواب رضا العبد عن الله تعالى
وقال تعالى ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر فقد رفع الله الرضا فوق جنات عدن كما رفع ذكره فوق الصلاة حيث قال إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر فكما أن مشاهدة المذكور في الصلاة أكبر من الصلاة فرضوان رب الجنة أعلى من الجنة بل هو غاية مطلب سكان الجنان
وفي الحديث إن الله تعالى يتجلى للمؤمنين فيقول سلونى فيقولون رضاك // حديث إن الله يتجلى للمؤمنين فيقول سلونى فيقولون رضاك أخرجه البزار والطبرانى في الأوسط من حديث أنس في حديث طويل بسند فيه لين وفيه فيتجلى لهم يقول أنا الذى صدقتكم وعدى وأتممت عليكم نعمتى وهذا محل إكرامى فسلونى فيسألونه الرضا الحديث ورواه أبو يعلى بلفظ ثم يقول ماذا تريدون فيقولون رضاك الحديث ورجاله رجال الصحيح // فسؤالهم الرضا بعد النظر نهاية التفضيل
وأما رضا العبد فسنذكر حقيقته وأما رضوان الله تعالى عن العبد فهو بمعنى آخر يقرب مما ذكرناه في حب الله للعبد ولا يجوز أن يكشف عن حقيقته إذ تقصر أفهام الخلق عن دركه ومن يقوى عليه فيستقل بإدراكه من نفسه
وعلى الجملة فلا رتبة فوق النظر إليه فإنما سألوه الرضا لأنه سبب دوام النظر فكأنهم رأوه غاية الغايات وأقصى الأمانى لما ظفروا بنعيم النظر فلما امروا بالسؤال لم يسألوا إلا دوامه وعلموا أن الرضا هو سبب دوام رفع الحجاب
وقال الله تعالى ولدينا مزيد قال بعض المفسرين يأتى أهل الجنة في وقت المزيد ثلاث تحف من عند رب العالمين إحداها هدية من عند الله تعالى ليس عندهم في الجنان مثلها فذلك قوله تعالى فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة عين والثانية السلام عليهم من ربهم فيزيد ذلك على الهدية فضلا وهو قوله تعالى سلام قولا من رب رحيم والثالثة يقول الله تعالى إنى عنكم راض فيكون ذلك أفضل من الهدية والتسليم فذلك قوله تعالى ورضوان من الله أكبر أي من النعيم الذى هم فيه فهذا فضل رضا الله تعالى وهو ثمرة رضا العبد
وأما من الأخبار فقد روى أن النبى صلى الله عليه و سلم سأل طائفة من أصحابه ما أنتم فقالوا مؤمنون فقال ما علامة إيمانكم فقالوا نصبر على البلاء ونشكر عند الرخاء ونرضى بمواقع القضاء فقال مؤمنون ورب الكعبة // حديث سأل طائفة من أصحابه ما أنتم فقالوا مؤمنون فقال ما علامة إيمانكم الحديث تقدم // وفي خبر آخر أنه قال حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء // حديث أنه قال في حديث آخر حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونو أنبياء تقدم أيضا // وفي الخبر طوبى لمن هدى للإسلام وكان رزقه كفافا ورضى به // حديث طوبى لمن هدى للإسلام وكان رزقه كفافا ورضى به أخرجه الترمذى من حديث فضالهبن عبيد بلفظ وقنع وقال صحيح وقد تقدم // وقال صلى الله عليه و سلم من رضى من الله تعالى بالقليل من الرزق رضي الله تعالى منه بالقليل من العمل // حديث من رضى من الله بالقليل من الرزق رضى منه بالقليل من العمل رويناه في أمالى المحاملى بإسناد ضعيف من حديث على بن أبى طالب ومن طريق المحاملى رواه أبو منصور الديلمى في مسند الفردوس // وقال أيضا إذا أحب الله تعالى عبدا ابتلاه فإن صبر اجتباه فإن رضى اصطفاه وقال أيضا إذا كان يوم القيامة أنبت الله تعالى لطائفة من أمتى أجنحة فيطيرون من قبورهم إلى

الجنان يسرحون فيها ويتنعمون فيها كيف شاءوا فتقول لهم الملائكة هل رأيتم الحساب فيقولون ما رأينا حسابا فتقول لهم هل جزتم الصراط فيقولون ما رأينا صراطا فتقول لهم هل رأيتم جهنم فيقولون ما رأينا شيئا فتقول الملائكة من أمة من أنتم فيقولون من أمة محمد صلى الله عليه و سلم فتقول ناشدناكم الله حدثونا ما كانت أعمالكم في الدنيا فيقولون خصلتان كانتا فينا فبلغنا هذه المنزلة بفضل رحمة الله فيقولون وماهما فيقولون كنا إذا خلونا نستحى أن نعصيه ونرضى باليسير مما قسم لنا فتقول الملائكة يحق لكم هذا // حديث إذا كان يوم القيامة أنبت الله لطائفة من أمتى أجنحة فيطيرون من قبورهم إلى الجنان يسرحون فيها رواه ابن حبان في الضعفاء وأبو عبد الرحمن السلمى من حديث أنس مع اختلاف وفيه حميد بن على القيسى ساقطها لك والحديث منكر مخالف للقرآن وللأحاديث الصحيحة في الورود وغيره // وقال صلى الله عليه و سلم يا معشر الفقراء أعطوا الله الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم وإلا فلا // حديث أعطوا الله الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم وإلا فلا تقدم //
وفي أخبار موسى عليه السلام إن بنى إسرائيل قالوا له سل لنا ربك أمرا إذا نحن فعلناه يرضى به عنا فقال موسى عليه السلام
إلهى قد سمعت ما قالوا فقال يا موسى قل لهم يرضون عنى حتى أرضى عنهم
ويشهد لهذا ما روى عن نبينا صلى الله عليه و سلم أنه قال من أحب أن يعلم ماله عند الله عز و جل فلينظر ما لله عز و جل عنده فإن الله تبارك وتعالى ينزل العبد منه حيث أنزله العبد من نفسه // حديث من أحب أن يعلم ماله عند الله فلينظر ما لله عنده الحديث أخرجه الحاكم من حديث جابر وصححه بلفظ منزلته ومنزلة الله
وفي أخبار داود عليه السلام ما لأوليائى والهم بالدنيا إن الهم يذهب حلاوة مناجاتى من قلوبهم يا داود إن محبتى من أوليائى أن يكونوا روحانيين لا يغتمون
وروى أن موسى عليه السلام قال يارب دلنى على أمر فيه رضاك حتى أعمله فأوحى الله تعالى إليه إن رضاى في كرهك وأنت لا تصبر على ما تكره قال يارب دلنى عليه قال فإن رضاى في رضاك بقضائى
وفى مناجاة موسى عليه السلام أى رب أي خلقك أحب إليك قال من إذا أخذت منه المحبوب سالمنى قال
فبأي خلقك أنت عليه ساخط قال من يستخيرنى في الأمر فإذا قضيت له سخط قضائى
وقد روى ما هو أشد من ذلك وهو أن الله تعالى قال أنا الله لا إله إلا أنا من لم يصبر على بلائى ولم يشكر نعمائى ولم يرض بقضائى فليتخذ ربا سوائى // حديث قال الله أنا الله لا إله إلا أنا من لم يصبر على بلائي الحديث أخرجه الطبرانى في الكبير وابن حبان في الضعفاء من حديث أبى هند الدارى مقتصرا على قوله من لم يرض بقضائى ويصبر على بلائى فليلتمس ربا سواى وإسناده ضعيف // ومثله في الشدة قوله تعالى فيما أخبر عنه نبينا صلى الله عليه و سلم أنه قال قال الله تعالى قدرت المقادير ودبرت التدبير وأحكمت الصنع فمن رضى فله الرضا منى حتى يلقانى ومن سخط فله السخط مني حتى يلقاني حديث قال الله تعالى قدرت المقادير ودبرت التدبير وأحكمت الصنع فمن رضى فله الرضا الحديث لم أجده بهذا اللفظ وللطبرانى في الأوسط من حديث أبى أمامة خلق الله الخلق وقضى القضية وأخذ ميثاق النبيين الحديث وإسناده ضعيف // وفي الخبر المشهور يقول الله تعالى خلقت الخير والشر فطوبى لمن خلقته للخير وأجريت الخير على يديه وويل لمن خلقته للشر واجريت الشر على يديه وويل ثم ويل لمن قال لم وكيف // حديث يقول الله خلقت الخير والشر فطوبى لمن خلقته للخير وأجريت الخير على يديه الحديث أخرجه ابن شاهين في شرح السنةعن أبى أمامة بإسناد ضعيف //
وفي الأخبار السالفة أن نبيا من الأنبياء شكا إلى الله عز و جل الجوع والفقر والقمل عشر سنين فما أجيب إلى ما أراد ثم أوحى الله تعالى إليه كم تشكو هكذا كان بدؤك عندى في أم الكتاب قبل أن أخلق السموات

والأرض وهكذا سبق لك منى وهكذا قضيت عليك قبل أن أخلق الدنيا أفتريد أن أعيد خلق الدنيا من أجلك أم تريد أن أبدل ما قدرته عليك فيكون ما تحب فوق ما أحب ويكون ما تريد فوق ما أريد وعزتى وجلالى لئن تلجلج هذا في صدرك مرة أخرى لأمحونك من ديوان النبوة
وروى أن آدم عليه السلام كان بعض أولاده الصغار يصعدون على بدنه وينزلون يجعل أحدهم رجله على أضلاعه كهيئة الدرج فيصعد إلى رأسه من ينزل على أضلاعه كذلك وهو مطرق إلى الأرض لا ينطق ولا يرفع رأسه فقال له بعض ولده يا أبت أما ترى ما يصنع هذا بك لو نهيته عن هذا فقال يا بنى إنى رأيت ما لم تروا وعلمت ما لم تعلموا إنى تحركت حركة واحدة فأهبطت من دار الكرامة إلى دار الهوان ومن دار النعيم إلى دار الشقاء
فأخاف أن أتحرك أخرى فيصيبنى مالا أعلم
وقال أنس بن مالك رضى الله عنه خدمت رسول الله صلى الله عليه و سلم عشر سنين فما قال لى لشيء فعلته لم فعلته ولا لشيء لم أفعله لم لا فعلته ولا قال في شيء كان ليته لم يكن ولا في شيء لم يكن ليته كان وكان إذا خاصمنى مخاصم من أهله يقول دعوه لو قضى شيء لكان // حديث أنس خدمت النبى صلى الله عليه و سلم فما قال لى لشيء فعلته لم فعلته الحديث متفق عليه وقد تقدم //
ويروى أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام يا داود إنك تريد وأريد وإنما يكون ما أريد فإن سلمت لما أريد كفيتك ما تريد وإن لم تسلم لما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد
وأما الآثار فقد قال ابن عباس رضى الله عنهما
أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله تعالى على كل حال
وقال عمر بن عبد العزيز ما بقى لى سرور إلا في مواقع القدر وقيل له ما تشتهى فقال ما يقضى الله
وقال ميمون بن مهران من لم يرض بالقضاء فليس لحمقه دواء
وقال الفضيل إن لم تصبر على تقدير الله لم تصبر على تقدير نفسك وقال عبد العزيز بن أبى رواد ليس الشأن في أكل خبز الشعير والخل ولا في لبس الصوف والشعر ولكن الشان في الرضا عن الله عز و جل وقال عبد الله بن مسعود لأن ألحس جمرة أحرقت ما أحرقت وأبقت ما أبقت أحب إلى من أن أقول لشئ كان ليته لم يكن أو لشيء لم يكن ليته كان
ونظر رجل إلى قرحة في رجل محمد بن واسع فقال إنى لأرحمك من هذه القرحة فقال إنى لأشكرها منذ خرجت إذ لم تخرج في عينى
وروى في الإسرائيليات أن عابدا عبد الله دهرا طويلا فأرى في المنام فلانة الراعية رفيقتك في الجنة فسأل عنها إلى أن وجدها فاستضافها ثلاثا لينظر إلى عملها فكان يبيت قائما وتبيت نائمة ويظل صائما وتظل مفطرة
فقال أما لك عمل غير ما رأيت فقالت ماهو والله إلا ما رأيت لا أعرف غيره فلم يزل يقول تذكرى حتى قالت خصيلة واحدة هى في إن كنت في شدة لم أتمن أن أكون في رخاء وإن كنت في مرض لم أتمن أن أكون في صحة وإن كنت في الشمس لم أتمن أن أكون في الظل فوضع العابد يده على رأسه وقال أهذه خصيلة هذه والله خصلة عظيمة يعجز عنها العباد
وعن بعض السلف إن الله تعالى إذا قضى في السماء قضاء أحب من أهل الأرض أن يرضوا بقضائه
وقال أبو الدرداء ذروة الإيمان الصبر للحكم والرضا بالقدر وقال عمر رضى الله عنه
ما أبالى على أى حال أصبحت وأمسيت من شدة أو رخاء
وقال الثورى يوما عند رابعة اللهم ارض عنى فقالت أما تستحى من الله أن تسأله الرضا وأنت عنه غير راض فقال أستغفر الله فقال جعفر بن سليمان الضبعى فمتى يكون العبد راضيا عن الله

تعالى قالت إذا كان سروره بالمصيبة مثل سروره بالنعمة
وكان الفضيل يقول إذا استوي عنده المنع والعطاء فقد رضى عن الله تعالى وقال أحمد بن أبي الحواري قال أبو سليمان الداراني إن الله عز و جل من كرمه قد رضي من عبيده بما رضي العبيد من مواليهم قلت وكيف ذاك قال أليس مراد العبد من الخلق أن يرضى عنه مولاه قلت نعم قال فإن محبة الله من عبيده أن يرضوا عنه
وقال سهل حظ العبيد من اليقين على قدر حظهم من الرضا وحظهم من الرضا على قدر عيشهم مع الله عز و جل وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم إن الله عز و جل بحكمته وجلاله جعل الروح والفرح في الرضا واليقين وجعل الغم والحزن في الشك والسخط // حديث إن الله بحكمته وجلاله جعل الروح والفرح في الرضا الحديث أخرجه الطبرانى من حديث ابن مسعود إلا أنه قال بقسطه وقد تقدم //
بيان حقيقة الرضا وتصوره فيما يخالف الهوى
اعلم أن من قال ليس فيما يخالف الهوى وأنواع البلاء إلا الصبر فأما الرضا فلا يتصور فإنما أتى من ناحية إنكار المحبة فأما اذا ثبت تصور الحب لله تعالى واستغراق الهم به فلا يخفى أن الحب يورث الرضا بأفعال الحبيب ويكون ذلك من وجهين
أحدهما أن يبطل الإحساس بالألم حتى يجري عليه المؤلم ولا يحس وتصيبه جراحه ولا يدرك ألمها
ومثاله الرجل المحارب فإنه في حال غضبه أو في حال خوفه قد تصيبه جراحة وهو لا يحس بألم ذلك لشغل قلبه
بل الذي يحجم أو يحلق رأسه بحديدة كالة يتألم به فإن كان مشغول القلب بمهم من مهماته فرغ المزين والحجام وهو لا يشعر به
وكل ذلك لأن القلب إذا صار مستغرقا بأمر من الأمور مستوفى به لم يدرك ما عداه فكذلك العاشق المستغرق الهم بمشاهدة معشوقه أو بحبه قد يصيبه ما كان يتألم به أو يغتم له لولا عشقه ثم لا يدرك غمه وألمه لفرط استيلاء الحب على قلبه
هذا إذا أصابه من غير حبيبه فكيف إذا أصابه من حبيبه وشغل القلب بالحب والعشق من أعظم الشواغل وإذا تصور هذا في ألم يسير بسبب حب خفيف تصور في الألم العظيم بالحب العظيم فإن الحب أيضا يتصور تضاعفه في القوة كما يتصور تضاعف الألم وكما يقوى حب الصور الجميلة المدركة بحاسة البصر فكذا يقوي حب الصور الجميلة الباطنة المدركة بنور البصيرة وجمال حضرة الربوبية وجلالها لا يقاس به جمال ولا جلال فمن ينكشف له شيء منه فقد يبهره بحث يدهش ويغشى عليه فلا يحس مما يجري عليه
فقد روى أن امرأة فتح الموصلي عثرت فانقطع ظفرها فضحكت فقيل لها أما تجدين الوجع فقالت إن لذة ثوابه أزالت عن قلبي مرارة وجعه
وكان سهل رحمه الله تعالى به علة يعالج غيره منها ولا يعالج نفسه فقيل له في ذلك فقال يا دوست ضرب الحبيب لا يوجع
وأما الوجه الثاني فهو أن يحس به ويدرك ألمه ولكن يكون راضيا به بل راغبا فيه مريدا له أعني بعقله وإن كان كارها بطبعه كالذي يلتمس من الفصاد الفصد والحجامة فإنه يدرك ألم ذلك إلا أنه راض به وراغب فيه ومتقلد من الفصاد به منة بفعله فهذا حال الراضي بما يجري عليه من الألم
وكذلك كل من يسافر في طلب الربح يدرك مشقة السفر ولكن حبه لثمرة سفره طيب عنده مشقة السفر وجعله راضيا بها
ومهما أصابه بلية من الله تعالى وكان له يقين بأن ثوابه الذي ادخر له فوق ما فاته رضى به ورغب فيه وأحبه وشكر الله عليه هذا إن كان

يلاحظ الثواب والإحسان الذى يجازى به عليه ويجوز أن يغلب الحب بحيث يكون حظ المحب في مراد محبوبه ورضاء لا لمعنى آخر وراءه فيكون مراد حبيبه ورضاه محبوبا عنده ومطلوبا وكل ذلك موجود في المشاهدات في حب الخلق وقد تواصفها المتواصفون في نظمهم ونثرهم ولا معنى له الا ملاحظة جمال الصورة الظاهرة بالبصر فان نظر الى الجمال فما هو إلا جلد ولحم ودم مشحون بالأقذار والأخباث بدايته من نطفة مذرة ونهايته جيفة قذرة وهو فيما بين ذلك يحمل العذرة
وإن نظر الى المدرك للجمال فهي العين الخسيسة التى تغلط فيما ترى كبيرا فترى الصغير كبيرا والكبير صغيرا والبعيد قريبا والقبيح جميلا فإذا تصور استيلاء هذا الحب فمن أين يستحيل ذلك في حب الجمال الأزلي الأبدي الذى لا منتهى لكماله المدرك بعين البصيرة التى لا يعتريها الغلط ولا يدور بها الموت بل تبقى بعد الموت حية عند الله فرحة برزق الله تعالى مستفيدة بالموت مزيد تنبيه واستكشاف فهذا أمر واضح من حيث النظر بعين الاعتبار ويشهد لذلك الوجود وحكايات أحوال المحبين وأقوالهم
فقد قال شقيق البلخى من يرى ثواب الشدة لا يشتهى المخرج منها وقال الجنيد سألت سريا السقطي هل يجد المحب ألم البلاء قال لا قلت وإن ضرب بالسيف قال نعم وإن ضرب بالسيف سبعين ضربة ضربة على ضربة
وقال بعضهم أحببت كل شيء يحبه حتى لو أحب النار أحببت دخول النار وقال بشر بن الحارث مررت برجل وقد ضرب ألف سوط فى شرقية بغداد ولم يتكلم ثم حمل الى الحبس فتبعته فقلت له لم ضربت فقال لأني عاشق فقلت له ولم سكت قال لأن معشوقي كان بحذائي ينظر الي فقلت فلو نظرت إلى المعشوق الأكبر قال فزعق زعقة خر ميتا
وقال يحي بن معاذ الرازى رحمه الله تعالى إذا نظر أهل الجنة الى الله تعالى ذهبت عيونهم فى قلوبهم من لذة النظر إلى الله تعالى ثمانمائة سنة لا ترجع اليهم فما ظنك بقلوب وقعت بين جماله وجلاله إذا لاحظت جلاله هابت وإذا لاحظت جماله تاهت وقال بشر قصدت عبادان فى بدايتي فاذا برجل أعمى مجذوم مجنون قد صرع والنمل يأكل لحمه فرفعت رأسه فوضعته فى حجري وأنا أردد الكلام فلما أفاق قال من هذا الفضولي الذى يدخل بيني وبين ربي لو قطعني اربا اربا ما ازددت له الا حبا قال بشر فما رأيت بعد ذلك نقمة بين عبد وبين ربه فأنكرتها
وقال أبو عمرو محمد بن الأشعث إن أهل مصر مكثوا أربعة أشهر لم يكن لهم غذاء إلا النظر الى وجه يوسف الصديق عليه السلام كانوا اذا جاعوا نظروا الى وجهه فشغلهم جماله عن الإحساس بألم الجوع بل فى القرآن ما هو أبلغ من ذلك وهو قطع النسوة أيديهن لاستهتارهن بملاحظة جماله حتى ما أحسسن بذلك
وقال سعيد بن يحيى رأيت بالبصرة فى خان عطاء بن مسلم شابا وفى يده مدية وهو ينادي بأعلى صوته والناس حوله وهو يقول
يوم الفراق من القيامة أطول ... والموت من ألم التفرق أجمل
قالوا الرحيل فقلت لست براحل ... لكن مهجتي التى تترحل
ثم بقر بالمدية بطنه وخر ميتا فسألت عنه وعن أمره فقيل لي انه كان يهوى فتى لبعض الملوك حجب عنه يوما واحدا
ويروى أن يونس عليه السلام قال لجبريل دلني على أعبد أهل الأرض فدله على رجل قد قطع الجذام يديه ورجليه وذهب ببصره فسمعه وهو يقول الهي متعتني بهما ما شئت أنت وسلبتني ما شئت أنت وأبقيت لي فيك الأمل يا بر يا وصول
ويروى عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه اشتكى له ابن فاشتد

وجده عليه حتى قال بعض القوم لقد خشينا على هذا الشيخ ان حدث بهذا الغلام حدث فمات الغلام فخرج ابن عمر في جنازته وما رجل أشد سرورا أبدا منه فقيل له فى ذلك فقال ابن عمر إنما كان حزني رحمة له فلما وقع أمر الله رضينا به
وقال مسروق كان رجل بالبادية له كلب وحمار وديك فالديك يوقظهم للصلاة والحمار ينقلون عليه الماء ويحمل لهم خباءهم والكلب يحرسهم قال فجاء الثعلب فأخذ الديك فحزنوا له وكان الرجل صالحا فقال عسى أن يكون خيرا ثم جاء ذئب فخرق بطن الحمار فقتله فحزنوا عليه فقال الرجل عسى أن يكون خيرا ثم أصيب الكلب بعد ذلك فقال عسى أن يكون خيرا ثم أصبحوا ذات يوم فنظروا فاذا قد سبي من حولهم وبقوا هم قال وانما أخذوا أولئك لما كان عندهم من أصوات الكلاب والحمير والديكة فكانت الخيرة لهؤلاء في هلاك هذه الحيوانات كما قدره الله تعالى
فإذن من عرف خفي لطف الله تعالى رضى بفعله على كل حال
ويروى أن عيسى عليه السلام مر برجل أعمى أبرص مقعد مضروب الجنبين بفالج وقد تناثر لحمه من الجذام وهو يقول الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به كثيرا من خلقه فقال له عيسى يا هذا أي شيء من البلاء أراه مصروفا عنك فقال يا روح الله أنا خير ممن لم يجعل الله في قلبه ما جعل في قلبي من معرفته فقال له صدقت هات يدك فناوله يده فاذا هو أحسن الناس وجها وأفضلهم هيئة وقد أذهب الله عنه ما كان به فصحب عيسى عليه السلام وتعبد معه
وقطع عروة بن الزبير رجله من ركبته من أكلة خرجت بها ثم قال الحمد لله الذي أخذ مني واحدة وليت لئن كنت أخذت لقد أبقيت ولئن كنت ابتليت لقد عافيت ثم لم يدع ورده تلك الليلة
وكان ابن مسعود يقول الفقر والغنى مطيبتان ما أبالي أيتهما ركبت ان كان الفقر فإن فيه الصبر وان كان الغنى فان فيه البذل
وقال أبو سليمان الداراني قلت قد نلت من كل مقام حالا إلا الرضا فمالى منه إلا مشام الريح وعلى ذلك لو أدخل الخلائق كلهم الجنة وأدخلني النار كنت بذلك راضيا
وقيل لعارف آخر هل نلت غاية الرضا عنه فقال أما الغاية فلا ولكن مقام الرضا قد نلته لو جعلني جسرا على جهنم يعبر الخلائق على الى الجنة ثم ملأ بي جهنم تحلة لقسمه وبدلا من خليقته لأحببت ذلك من حكمه ورضيت به من قسمه
وهذا كلام من علم أن الحب قد استغرق همه حتى منعه الإحساس بألم النار فإن بقي إحساس فيغمره ما يحصل من لذته فى استشعاره حصول رضا محبوبه بإلقائه إياه في النار
واستيلاء هذه الحالة غير محال في نفسه وإن كان بعيدا من أحوالنا الضعيفة ولكن لا ينبغي أن يستنكر الضعيف المحروم أحوال الأقوياء ويظن أن ما هو عاجز عنه يعجز عنه الأولياء
وقال الروذباري قلت لأبي عبد الله بن الجلاء الدمشقي قول فلان وددت أن جسدي قرض بالمقاريض وأن هذا الخلق أطاعوه ما معناه فقال يا هذا ان كان هذا من طريق التعظيم والاجلال فلا أعرف وان كان هذا من طريق الاشفاق والنصح للخلق فأعرف قال ثم غشي عليه
وقد كان عمران بن الحصين قد استسقى بطنه فبقي ملقى على ظهره ثلاثين سنة لا يقوم ولا يقعد قد نقب له في سرير من جريد كان عليه موضع لقضاء حاجته فدخل عليه مطرف وأخوه العلاء فجعل يبكي لما يراه من حاله فقال لم تبكي قال لاني أراك على هذه الحالة العظيمة قال لا تبك فان أحبه الي الله تعالى أحبه الى ثم قال أحدثك شيئا لعل الله أن ينفعك به وأكتم على حتى أموت إن الملائكة تزورني فآنس بها وتسلم علي فأسمع تسليمها فأعلم بذلك أن هذا البلاء ليس بعقوبة اذ هو سبب هذه النعمة الجسيمة فمن يشاهد هذا في بلائه كيف لا يكون راضيا به قال ودخلنا على سوبد بن متعبه نعوده فرأيناه ثوبا ملقى فما ظننا أن تحته شيئا حتى كشف فقالت له امرأته أهلي

فداؤك ما نطعمك
ما نسقيك فقال طالت الضجعة ودبرت الحراقيف وأصبحت نضوا لا أطعم طعاما ولا أسيغ شرابا منذ كذا فذكر أياما وما يسرنى أنى نقصت من هذا قلامة ظفر ولما قدم سعد بن أبى وقاص إلى مكة وقد كان كف بصره جاءه الناس يهرعون إليه كل واحد يسأله أن يدعو له فيدعو لهذا ولهذا وكان مجاب الدعوة قاله عبد الله بن السائب فأتيته وأنا غلام فتعرفت إليه فعرفنى وقال أنت قارئ أهل مكة قلت نعم فذكر قصة قال في آخرها فقلت له يا عم أنت تدعو للناس فلو دعوت لنفسك فرد الله عليك بصرك فتبسم وقال يا بنى قضاء الله سبحانه عندى أحسن من بصرى وضاع لبعض الصوفية ولد صغير ثلاثة أيام لم يعرف له خبر فقيل له لو سألت الله تعالى أن يرده عليك فقال اعتراضي عليه فيما قضى أشد على من ذهاب ولدى
وعن بعض العباد أنه قال إني أذنبت ذنبا عظيما فأنا أبكى عليه منذ ستين سنة وكان قد اجتهد في العبادة لأجل التوبة من الذنب فقيل له وما هو قال قلت مرة لشيء كان ليته لم يكن
وقال بعض السلف لو قرض جسمى بالمقاريض لكان أحب إلى من أن أقول لشيءقضاه الله تعالى سبحانه ليته لم يقضه
وقيل لعبد الواحد بن زيد ههنا رجل قد تعبد خمسين سنة فقصده فقال له يا حبيبى أخبرنى عنك هل قنعت به قال لا قال أنست به قال لا قال فهل رضيت عنه قال لا قال فإنما مزيدك منه الصوم والصلاة قال نعم قال لولا أنى أستحيى منك لأخبرتك بأن معاملتك خمسين سنة مدخولة ومعناه أنك لم يفتح لك باب القلب فتترقى إلى درجات القرب بأعمال القلب وإنما أنت تعد في طبقات أصحاب اليمين لأن مزيدك منه في أعمال الجوارح التى هى مزيد أهل العموم
ودخل جماعة من الناس على الشبلى رحمه الله تعالى في مارستان قد حبس فيه وقد جمع بين يديه حجارة فقال من أنتم فقالوا محبوك فأقبل عليهم يرميهم بالحجارة فتهاربوا فقال ما بالكم ادعيتم محبتى إن صدقتم فاصبروا على بلائى
وللشبلى رحمه الله تعالى
إن المحبة للرحمن أسكرنى ... وهل رأيت محبا غير سكران
وقال بعض عباد أهل الشام كلكم يلقى الله عز و جل مصدقا ولعله قد كذبه وذلك أن أحدكم لو كان له أصبع من ذهب ظل يشير بها ولو كان بها شلل ظل يواريها يعنى بذلك أن الذهب مذموم عند الله والناس يتفاخرون به والبلاء زينة أهل الآخرة وهم يستنكفون منه
وقيل إنه وقع الحريق في السوق فقيل للسري احترق السوق وما احترق دكانك فقال الحمد لله ثم قال كيف قلت الحمد لله على سلامتى دون المسلمين فتاب من التجارة وترك الحانوت بقية عمره توبة واستغفارا من قوله الحمد لله
فإذا تأملت هذه الحكايات عرفت قطعا أن الرضا بما يخالف الهوى ليس مستحيلا بل هو مقام عظيم من مقامات أهل الدين
ومهما كان ذلك ممكنا في حب الخلق وحظوظهم كان ممكنا في حق حب الله تعالى وحظوظ الآخرة قطعا
وإمكانه من وجهين أحدهما الرضا بالألم لما يتوقع من الثواب الموجود كالرضا بالفصد والحجامة وشرب الدواء انتظارا للشفاء
والثاني الرضا به لا لحظ وراءه بل لكونه مراد المحبوب ورضا له فقد يغلب الحب بحيث ينغمر مراد المحب في مراد المحبوب فيكون ألذ الأشياء عنده سرور قلب محبوبه ورضاه ونفوذ إرادته ولو في هلاك روحه كما قيل
فما لجرح إذا أرضاكم ألم ...
وهذا ممكن مع الإحساس بالألم وقد يستولى الحب بحيث يدهش عن إدراك الألم فالقياس والتجربة والمشاهدة

دالة على وجوده فلا ينبغى أن ينكره من فقده من نفسه لأنه إنما فقده لفقد سببه وهو فرط حبه ومن لم يذق طعم الحب لم يعرف عجائبه فللمحبين عجائب أعظم مما وصفناه
وقد روى عن عمرو بن الحارث الرافعي قال كنت في مجلس بالرقة عند صديق لي وكان معنا فتى يتعشق جارية مغنية وكانت معنا في المجلس فضربت بالقضيب وغنت
علامة ذل الهوي ... على العاشقين البكا
ولا سيما عاشق ... إذا لم يجد مشتكي
فقال لها الفتى أحسنت والله يا سيدتي أفتأذنين لي أن أموت فقالت مت راشدا قال فوضع رأسه على الوسادة وأطبق فمه وغمض عينيه فحركناه فإذا هو ميت
وقال الجنيد رأيت رجلا متعلقا بكم صبي وهو يتضرع إليه ويظهر له المحبة فالتفت إليه الصبي وقال له إلى متى ذا النفاق ألذي تظهر لي فقال قد علم الله أني صادق فيما أورده حتى لو قلت لي مت لمت فقال إن كنت صادقا فمت قال فتنحى الرجل وغمض عينيه فوجد ميتا وقال سمنون المحب كان في جيراننا رجل وله جارية يحبها غاية الحب فاعتلت الجارية فجلس الرجل ليصلح لها حيسا فبينا هو يحرك القدر إذ قالت الجارية آه قال فدهش الرجل وسقطت الملعقة من يده وجعل يحرك ما في القدر بيده حتى سقطت أصابعه فقالت الجارية ما هذا قال هذا مكان قولك آه
وحكى عن محمد ابن عبدالله البغدادي قال رأيت بالبصرة شابا على سطح مرتفع وقد أشرف على الناس وهو يقول
من مات عشقا فليمت هكذا ... لا خير في عشق بلا موت
ثم رمى بنفسه إلى الأرض فحملوه ميتا
فهذا وأمثاله قد يصدق به في حب المخلوق والتصديق به في حب الخالق أولى لأن البصيرةالباطنة أصدق من البصر الظاهر وجمال الحضرة الربانية أو في من كل جمال بل كل جمال في العالم فهو حسنة من حسنات ذلك الجمال
نعم الذي فقد البصر ينكر جمال الصور والذي فقد السمع ينكر لذة الألحان والنغمات الموزونة فالذي فقد القلب لا بد وأن ينكر أيضا هذه اللذات التي لامظنة لها سوى القلب
بيان أن الدعاء غير مناقض للرضا
ولا يخرج صاحبه عن مقام الرضا وكذلك كراهة المعاصي ومقت أهلها ومقت أسبابها والسعي في إزالتها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يناقضه أيضا
وقد غلط في ذلك بعض البطالين المغترين وزعم أن المعاصي والفجور والكفر من قضاء الله وقدره عز و جل فيجب الرضا به وهذا جهل بالتأويل وغفلة عن أسرار الشرع فأما الدعاء فقد تعبدنا به وكثرة دعوات رسول الله صلى الله عليه و سلم وسائر الأنبياء عليهم السلام على ما نقلناه في كتاب الدعوات تدل عليه ولقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم في أعلى المقامات من الرضا
وقد أثنى الله تعالى على بعض عباده بقوله ويدعوننا رغبا ورهبا وأما إنكار المعاصي وكراهتها وعدم الرضا بها فقد تعبد الله به عباده وذمهم على الرضا به فقال ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها وقال تعالى رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم وفي الخبر المشهور من شهد منكرا فرضي به فكأنه قد فعله وفي الحديث الدال على الشر كفاعله // حديث الدال على الشر كفاعله أخرجه أبو منصور الديلمى في مسند الفردوس من حديث أنس بإسناد ضعيف جدا // وعن ابن مسعود إن العبد ليغيب عن المنكر ويكون عليه مثل وزر صاحبه وقيل وكيف ذلك قال يبلغه فيرضى به وفي الخبر لو أن عبدا قتل بالمشرق ورضي بقتله آخر بالمغرب كان

شريكا في قتله // حديث لو أن رجلا قتل بالمشرق ورضى بقتله آخر في المغرب كان شريكا في قتله لم أجد له أصلا بهذا اللفظ ولابن عدى من حديث أبى هريرة من حضر معصية فكرهها فكأنما غاب عنها ومن غاب عنها فأحبها فكأنما حضرها وتقدم في كتاب الأمر بالمعروف // وقد أمر الله تعالى بالحسد والمنافسة في الخيرات وتوقى الشرور فقال تعالى وفي ذلك فليتنافس المتنافسون وقال النبى صلى الله عليه و سلم لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله حكمة فهو يبثها في الناس ويعلمها ورجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق // حديث لا حسد إلا في اثنتين الحديث أخرجه البخارى من حديث أبى هريرة ومسلم من حديث ابن مسعود وقد تقدم في العلم // وفي لفظ آخر ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار فيقول الرجل لو آتانى الله مثل ما آتى هذا لفعلت مثل ما يفعل
وأما بغض الكفار والفجار والإنكار عليهم ومقتهم فما ورد فيه من شواهد القرآن والأخبار لا يحصى مثل قوله تعالى لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء وقال تعالى وكذلك نولى بعض الظالمين بعضا وفي الخبر إن الله تعالى أخذ الميثاق على كل مؤمن أن يبغض كل منافق وعلى كل منافق أن يبغض كل مؤمن // حديث إن الله أخذ الميثاق على كل مؤمن أن يبغض كل منافق الحديث لم أجد له أصلا // وقال عليه السلام المرء مع من أحب // حديث المرء مع من أحب تقدم // وقال من أحب قوما ووالاهم حشر معهم يوم القيامة // حديث من أحب قوما ووالاهم حشر معهم أخرجه الطبرانى من حديث أبى قرصافة وابن عدى من حديث جابر من أحب قوما على أعمالهم حشر في زمرتهم زاد ابن عدى يوم القيامة وفي طريقه إسماعيل بن محيى التيمى ضعيف // وقال عليه السلام أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله // حديث أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله رواه أحمد وتقدم في آداب الصحبة // وشواهد هذا قد ذكرناها في بيان الحب والبغض في الله تعالى من كتاب آداب الصحبة وفي كتاب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فلا نعيده
فإن قلت فقد وردت الآيات والأخبار بالرضا بقضاء الله تعالى // الأخبار الواردة في الرضا بقضاء الله رواها الترمذى من حديث سعد بن أبى وقاص من سعادة ابن آدم وضاه بما قسم الله عز و جل الحديث وقال غريب وتقدم حديث ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس وحديث إن الله بقسطه جعل الروح والفرح في الرضا وتقدم في حديث الاستخارة واقدر لى الخير حيث كان ثم رضنى به وحديث من رضى من الله بالقليل من الرزق رضى منه بالقليل من العمل وحديث أسألك الرضا بالقضاء الحديث وغير ذلك // فإن كانت المعاصى بغير قضاء الله تعالى فهو محال وهو قادح في التوحيد وإن كانت بقضاء الله تعالى فكراهتها ومقتها كراهة لقضاء الله تعالى وكيف السبيل إلى الجمع وهو متناقض على هذا الوجه وكيف يمكن الجمع بين الرضا والكراهة في شيء واحد فاعلم أن هذا مما يلتبس على الضعفاء القاصرين عن الوقوف على أسرار العلوم وقد التبس على قوم حتى رأوا السكوت عن المنكر مقاما من مقامات الرضا وسموه حسن الخلق وهو جهل محض بل نقول الرضا والكراهة يتضادان إذا تواردا على شيء واحد من جهة واحدة على وجه واحد فليس من التضاد في شيء واحد أن يكرهه من وجه ويرضى به من وجه إذ قد يموت عدوك الذى هو أيضا عدو بعض أعدائك وساع في إهلاكه فتكره موته من حيث إنه مات عدو عدوك وترضاه من حيث إنه مات عدوك
وكذلك المعصية لها وجهان وجه إلى الله تعالى من حيث إنه فعله واختياره وإرادته فيرضى به من هذا الوجه تسليما للملك إلى مالك الملك ورضا بما يفعله فيه ووجه إلى العبد من حيث إنه كسبه ووصفه وعلامة كونه ممقوتا عند الله وبغيضا عنده حيث سلط عليه أسباب البعد والمقت فهو من هذا الوجه منكر ومذموم
ولا ينكشف هذا لك إلا بمثال

فلنفرض محبوبا من الخلق قال بين يدى محبيه
إنى أريد ان أميز بين من يحبنى ويبغضنى وأنصب فيه معيارا صادقا وميزانا ناطقا وهو أنى اقصد إلى فلان فأوذيه وأضربه ضربا يضطره ذلك إلى الشتم لى
حتى إذا شتمنى أبغضته واتخذته عدوا لى فكل من أحبه أعلم أيضا أنه عدوى وكل من أبغضه أعلم أنه صديقى ومحبى
ثم فعل ذلك وحصل مراده من الشتم الذى هو سبب البغض وحصل البغض الذى هو سبب العداوة
فحق على كل من هو صادق في محبته وعالم بشروط المحبة أن يقول أما تدبيرك في إيذاء هذا الشخص وضربه وإبعاده وتعريضك إياه للبغض والعداوة فأنا محب له وراض به فإنه رأيك وتدبيرك وفعلك وإرادتك وأما شتمه إياك فإنه عدوان من جهته إذ كان حقه أن يصبر ولا يشتم ولكنه كان مرادك منه فإنك قصدت بضربه استنطاقه بالشتم الموجب للمقت فهو من حيث إنه حصل على وفق مرادك وتدبيرك الذى دبرته فأنا راض به ولو لم يحصل لكان ذلك نقصانا في تدبيرك وتعويقا في مرادك وأنا كاره لفوات مرادك ولكنه من حيث إنه وصف لهذا الشخص وكسب له وعدوان وتهجم منه عليك على خلاف ما يقتضيه جمالك إذ كان ذلك يقتضى أن يحتمل منك الضرب ولا يقابل بالشتم فأنا كاره له من حيث نسبته إليه ومن حيث هو وصف له لا من حيث هو مرادك ومقتضى تدبيرك وأما بغضك له بسبب شتمك فأنا راض به ومحب له لأنه مرادك وأنا على موافقتك أيضا مبغض له لأن شرط المحب أن يكون لحبيب المحبوب حبيبا ولعدوه عدوا
وأما بغضه لك فإنى أرضاه من حيث إنك أردت أن يبغضك إذ أبعدته عن نفسك وسلطت عليه دواعى البغض ولكنى أبغضه من حيث إنه وصف ذلك المبغض وكسبه وفعله وأمقته لذلك فهو ممقوت عندى لمقته إياك وبغضه ومقته لك أيضا عندى مكروه من حيث أنه وصفه وكل ذلك من حيث إنه مرادك فهو مرضى
وإنما التناقض أن يقول هو من حيث إنه مرادك مرضى ومن حيث إنه مرادك مكروه وأما إذا كان مكروها لا من حيث إنه فعله ومراده بل من حيث إنه وصف غيره وكسبه فهذا لا تناقض فيه ويشهد لذلك كل ما يكره من وجه ويرضى به من وجه ونظائر ذلك لا تحصى
فإذن تسليط الله دواعى الشهوة والمعصية عليه حتى يجره ذلك إلى حب المعصية ويجره الحب إلى فعل المعصية يضاهى ضرب المحبوب للشخص الذى ضربناه مثلا ليجره الضرب إلى الغضب والغضب إلى الشتم
ومقت الله تعالى لمن عصاه وإن كانت معصيته بتدبيره يشبه بغض المشتوم لمن شتمه وإن كان شتمه إنما يحصل بتدبيره واختياره لأسبابه وفعل الله تعالى ذلك بكل عبد من عبيده أعنى تسليط دواعى المعصية عليه يدل على أنه سبقت مشيئته بإبعاده ومقته
فواجب على كل عبد محب لله أن يبغض من أبغضه الله ويمقت من مقته الله ويعادى من أبعده الله عن حضرته وإن اضطره بقهره وقدرته إلى معاداته ومخالفته فإنه بعيد مطرود ملعون عن الحضرة وإن كان بعيدا بإبعاده قهرا ومطرودا بطرده واضطراره
والمبعد عن درجات القرب ينبغى أن يكون مقيتا بغيضا إلى جميع المحبين موافقه للمحبوب بإظهار الغضب على من أظهر المحبوب الغضب عليه بإبعاده
بهذا يتقرر جميع ما وردت به الأخبار من البغض فى الله والحب فى الله والتشديد على الكفار والتغليظ عليهم والمبالغه فى مقتهم مع الرضا بقضاء الله تعالى من حيث إنه قضاء الله عز و جل
وهذا كله يستمد من سر القدر الذى لا رخصه فى إفشائه وهو أن الشر والخير كلاهما داخلان فى المشيئه والإراده ولكن الشر مراد مكروه والخير مراد مرضى به
قمن قال ليس الشر من الله فهو جاهل وكذا من قال إنهما جميعا منه من غير افتراق فى الرضا والكراهة فهو أيضا مقصر
وكشف الغطاء عنه غير مأذون فيه فالأولى السكوت والتأدب بأدب

الشرع فقد قال صلى الله عليه و سلمالقدر سر الله فلا تفشوه // حديث القدر سر الله فلا تفشوه أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث ابن عمر وابن عدى في الكامل من حديث عائشة وكلاهما ضعيف // وذلك يتعلق بعلم المكاشفة
وغرضنا الآن بيان الإمكان فيما تعبد به الخلق من الجمع بين الرضا بقضاء الله تعالى ومقت المعاصى مع أنها من قضاء الله تعالى وقد ظهر الغرض من غير حاجه إلى كشف السر فيه
وبهذا يعرف أيضا أن الدعاء بالمغفرة والعصمة من المعاصى وسائر الأسباب المعينة على الدين غير مناقض للرضا بقضاء الله تعالى فإن الله تعبد العباد بالدعاء ليستخرج الدعاء منهم صفاء الذكر وخشوع القلب ورقة التضرع ويكون ذلك جلاء للقلب ومفتاحا للكشف وسببا لتواتر مزايا اللطف
كما أن حمل الكوز وشرب الماء ليس مناقضا للرضا بقضاء الله تعالى في العطش وشرب الماء طلبا لإزالة العطش مباشرة سبب رتبه مسبب الأسباب فكذلك الدعاء سبب رتبه الله تعالى وأمر به
وقد ذكرنا أن التمسك بالأسباب جريا على سنة الله تعالى لا يناقض التوكل واستقصيناه في كتاب التوكل فهو أيضا لا يناقض الرضا لأن الرضا مقام ملاصق للتوكل ويتصل به نعم إظهار البلاء في معرض الشكوى وإنكاره بالقلب على الله تعالى مناقض للرضا وإظهار البلاء على سبيل الشكر والكشف عن قدرة الله تعالى لايناقض
وقد قال بعض السلف من حسن الرضا بقضاء الله تعالى أن لا يقول هذا يوم حار أى في معرض الشكاية وذلك في الصيف فأما الشتاء فهو شكر والشكوى تناقض الرضا بكل حال وذم الأطعمة وعيبها يناقض الرضا بقضاء الله تعالى لأن مذمة الصنعة مذمة للصانع والكل من صنع الله تعالى
وقول القائل الفقر بلاء ومحنة والعيال هم وتعب والاحتراف كد ومشقة كل ذلك قادح في الرضا بل ينبغى أن يسلم التدبير لمدبره والمملكة لمالكها ويقول ما قاله عمر رضى الله عنه لا أبالى أصبحت غنيا أو فقيرا فإنى لا أدري أيهما خير لي
بيان أن الفرار من البلاد التى هى مظان المعاصى ومذمتها لا يقدح في
الرضا
أعلم أن الضعيف قد يظن أن نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الخروج من بلد ظهر به الطاعون // حديث النهى عن الخروج من بلد الطاعون تقدم في آداب السفر // يدل على النهى عن الخروج من بلد ظهرت فيه المعاصى لأن كل واحد منهما فرار من قضاء الله تعالى وذلك محال بل العلة في النهى عن مفارقة البلد بعد ظهور الطاعون أنه لو فتح هذا الباب لارتحل عنه الأصحاء وبقى فيه المرضى مهملين لا متعهد لهم فيهلكون هزالا وضرا ولذلك شبهه رسول الله صلى الله عليه و سلم في بعض الأخبار بالفرار من الزحف // حديث إنه شبه الخروج من بلد الطاعون بالفرار من الزحف تقدم فيه // ولو كان ذلك للفرار من القضاء لما أذن لمن قارب البلدة في الانصراف وقد ذكرنا حكم ذلك في كتاب التوكل وإذا عرف المعنى ظهر أن الفرار من البلاد التى هى مظان المعاصى ليس فرارا من القضاء بل من القضاء الفرار مما لا بد من الفرار منه
وكذلك مذمة المواضع التى تدعو إلى المعاصي والأسباب التى تدعو إليها لأجل التنفير عن المعصية ليست مذمومة
فما زال السلف الصالح يعتادون ذلك حتى اتفق جماعة على ذم بغداد وإظهارهم ذلك وطلب الفرار منها فقال ابن المبارك قد طفت الشرق والغرب فما رأيت بلدا شرا من بغداد قيل وكيف قال هو بلد تزدرى فيه نعمة الله وتستصغر فيه معصية الله
ولما قدم خراسان قيل له كيف رأيت بغداد قال ما رأيت بها إلا شرطيا غضبان أو تاجرا لهفان أو قارئا حيران ولا ينبغى أن تظن أن ذلك

من الغيبة لأنه لم يتعرض لشخص بعينه حتى يستضر ذلك الشخص به وإنما قصد بذلك تحذير الناس وكان يخرج إلى مكة وقد كان مقامه ببغداد يرقب استعداد القافلة ستة عشر يوما فكان يتصدق بستة عشر دينار لكل يوم دينار كفارة لمقامه
وقد ذم العراق جماعة كعمر بن عبد العزيز وكعب الأحبار
وقال ابن عمر رضى الله عنهما لمولى له أين تسكن فقال العراق قال فما تصنع به بلغنى أن ما من أحد يسكن العراق إلا قيض الله قرينا من البلاء
وذكر كعب الأحبار يوما العراق فقال فيه تسعة أعشار الشر وفيه الداء العضال
وقد قيل قسم الخير عشرة أجزاء فتسعة أعشاره بالشام وعشره بالعراق وقسم الشر عشرة أجزاء على العكس من ذلك
وقال بعض أصحاب الحديث كنا يوما عند الفضيل بن عياض فجاءه صوفى متدرع بعباءة فأجلسه إلى جانبه وأقبل عليه ثم قال أين تسكن فقال بغداد فأعرض عنه وقال يأتينا أحدهم في زي الرهبان فإذا سألناه أين تسكن قال في عش الظلمة وكان بشر بن الحارث يقول مثال المتعبد ببغداد مثال المتعبد في الحش
وكان يقول لا تقتدوا بي في المقام بها من أراد أن يخرج فليخرج
وكان أحمد بن حنبل يقول لولا تعلق هؤلاء الصبيان بنا كان الخروج من هذا البلد آثر في نفسى قيل وأين تختار السكنى قال بالثغور
وقال بعضهم وقد سئل عن أهل بغداد زاهدهم زاهد وشريرهم شرير
فهذا يدل على أن من بلى ببلدة تكثر فيها المعاصى ويقل فيها الخير فلا عذر له في المقام بها بل ينبغى أن يهاجر قال الله تعالى ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فإن منعه عن ذلك عيال أو علاقة فلا ينبغى أن يكون راضيا بحاله مطمئن النفس إليه بل ينبغى أن يكون منزعج القلب منها قائلا على الدوام ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها وذلك لأن الظلم إذا عم نزل البلاء ودمر الجميع وشمل المطيعين قال الله تعالى واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة فإذن ليس في شىء من أسباب نقص الدين ألبتة رضا مطلق إلا من حيث إضافتها إلى فعل الله تعالى فأما هى في نفسها فلا وجه للرضا بها بحال
وقد اختلف العلماء في الأفضل من أهل المقامات الثلاث رجل يحب الموت شوقا إلى لقاء الله تعالى ورجل يحب البقاء لخدمة المولى ورجل قال لا أختار شيئا بل أرضى بما اختاره الله تعالى ورفعت هذه المسألة إلى بعض العارفين فقال صاحب الرضا أفضلهم لأنه أقلهم فضولا
واجتمع ذات يوم وهيب بن الورد وسفيان الثورى ويوسف بن أسباط فقال الثورى كنت أكره موت الفجأة قبل اليوم واليوم وددت أنى مت فقال له يوسف لم قال لما أتخوف من الفتنة فقال يوسف لكنى لا أكره طول البقاء فقال سفيان لم قال لعلى أصادف يوما أتوب فيه وأعمل صالحا فقيل لوهيب إيش تقول أنت فقال أنا لا أختار شيئا أحب ذلك إلى أحبه إلى الله سبحانه وتعالى فقبله الثورى بين عينيه وقال روحانية ورب الكعبة
بيان جملة من حكايات المحبين وأقوالهم ومكاشفاتهم
قيل لبعض العارفين إنك محب فقال لست محبا إنما أنا محبوب والمحب متعوب
وقيل له أيضا الناس يقولون إنك واحد من السبعة فقال أنا كل السبعة وكان يقول إذا رأيتمونى فقد رأيتم أربعين بدلا قيل وكيف وأنت شخص واحد قال لأنى رأيت أربعين بدلا وأخذت من كل بدل خلقا من أخلاقه
وقيل له بلغنا أنك ترى الخضر عليه السلام فتبسم وقال ليس العجب ممن يرى الخضر ولكن العجب ممن يريد الخضر أن يراه فيحتجب عنه وحكى عن الخضر عليه السلام أنه قال ما حدثت نفسى يوما قط أنه لم يبق ولى لله تعالى إلا عرفته

إلا ورأيت في ذلك اليوم وليا لم أعرفه
وقيل لأبى يزيد البسطامى مرة حدثنا عن مشاهدتك من الله تعالى فصاح ثم قال ويلكم لا يصلح لكم أن تعلموا ذلك قيل فحدثنا بأشد مجاهدتك لنفسك في الله تعالى فقال وهذا أيضا لا يجوز أن أطلعكم عليه
قيل فحدثنا عن رياضة نفسك في بدايتك فقال نعم دعوت نفسى إلى الله فجمحت على فعزمت عليها أن لا أشرب الماء سنة ولا أذوق النوم سنة فوفت لى بذلك
ويحكى عن يحيى بن معاذ أنه رأى أبا يزيد في بعض مشاهداته من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر مستوفزا على صدور قدميه رافعا أخمصيه مع عقبيه عن الأرض ضاربا بذقنه على صدره شاخصا بعينيه لايطرف قال ثم سجد عند السحر فأطاله ثم قعد فقال اللهم إن قوما طلبوك فأعطيتهم الشىء على الماء والمشى في الهواء فرضوا بذلك وإنى أعوذ بك من ذلك وإن قوما طلبوك فأعطيتهم طى الأرض فرضوا بذل وإنى أعوذ بك من ذلك وإن قوما طلبوك فأعطيتهم كنوز الأرض فرضوا بذلك وإنى أعوذ بك من ذلك حتى عد نيفا وعشرين مقاما من كرامات الأولياء ثم التفت فرآنى فقال يحيى قلت نعم يا سيدى فقال منذ متى أنت ههنا قلت منذ حين فسكت فقلت يا سيدى حدثنى بشىء فقال أحدثك بما يصلح لك أدخلنى في الفلك الأسفل فدورنى في الملكوت السفلى وأرانى الأرضين وما تحتها إلى الثرى ثم أدخلنى في الفلك العلوى فطوف بي في السموات وأرانى ما فيها من الجنان إلى العرش أوقفنى بين يديه فقال سلنى أى شىء رأيت حتى أهبه لك فقلت يا سيدى ما رأيت شيئا استحسنته فأسألك إياه فقالأنت عبدى حقا تعبدنى لأجلى صدقا لأفعلن بك ولأفعلن فذكر أشياء
قال يحيى فهالنى ذلك وامتلات به وعجبت منه فقلت ياسيدى لم لا سألته المعرفة به وقد قال لك ملك الملوك سلنى ما شئت قال فصاح بى صيحة وقال اسكت ويلك عرت عليه منى حتى لا أحب أن يعرفه سواه
وحكى أن أبا تراب التخشبى كان معجبا ببعض المريدين فكان يدنيه ويقوم بمصالحة والمريد مشغول بعبادته ومواجدته فقال له أبو تراب يوما لو رأيت أبا يزيد فقال إنى عنه مشغول فلما أكثر عليه أبو تراب من قوله لو رأيت أبا يزيد هاج وجد المريد فقال ويحك ما أصنع بأبى يزيد قد رأيت الله تعالى فأغنانى عن أبى يزيد قال أبو تراب فهاج طبعى ولم أملك نفسى فقلت ويلك تغتر بالله عز و جل لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من ان ترى الله سبعين مرة قال فبهت الفتى من قوله وأنكره فقال وكيف ذلك قال له ويلك أما ترى الله تعالى عندك فيظهر لك على مقدارك وترى أبا يزيد عند الله قد ظهر له على مقداره فعرف ما قلت فقال احملنى إليه فذكر قصة قال في آخرها فوقفنا على تل تنتظره ليخرج إلينا من الغيضة وكان يأوى إلى غيضة فيها سباع قال فمر بنا وقد قلب فروة على ظهره فقلت للفتى هذا أبو يزيد فانظر إليه فنظر إليه الفتى فصعق فحركناه فإذا هو ميت فتعاونا على دفنه فقلت لأبى يزيد يا سيدى نظره إليك قتله قال لا ولكن كان صاحبكم صادقا واستكن في قلبه سر لم ينكشف له بوصفه فلما رآنا انكشف له سر قلبه فضاق عن حمله لأنه في مقام الضعفاء المريدين فقتله ذلك
ولما دخل الزنج البصرة فقتلوا الأنفس ونهبوا الأموال اجتمع إلى سهل إخوانه فقالوا لو سألت الله تعالى دفعهم فسكت ثم قال إن لله عبادا في هذه البلدة لو دعوا على الظالمين لم يصبح على وجه الأرض ظالم إلا مات في ليلة واحدة ولكن لا يفعلون قيل لم قال لأنهم لا يحبون ما لا يحب ثم ذكر من إجابة الله تعالى أشياء لا يستطاع ذكرها حتى قال ولو سألوه أن لا يقيم الساعة لم يقمها
وهذه امور ممكنة في أنفسها فمن لم يحظ بشىء منها فلا ينبغى أن يخلو عن التصديق والإيمان بإمكانها فإن القدرة واسعة والفضل عميم وعجائب الملك والملكوت

كثيرة ومقدورات الله تعالى لا نهاية لها وفضله على عباده الذين اصطفى لا غاية له
ولذلك كان أبو يزيد يقول إن أعطاك مناجاة موسى وروحانية عيسى وخلة إبراهيم فاطلب ما وراء ذلك فإن عنده فوق ذلك أضعافا مضاعفة فإن سكنت إلى ذلك حجبك به وهذا بلاء مثلهم ومن هو في مثل حالهم لأنهم الأمثل فالأمثل
وقد قال بعض العارفين كوشفت بأربعين حوراء رأيتهن يتساعين في الهواء عليهن ثياب من ذهب وفضة وجوهر يتخشخش ويتثنى معهن فنظرت إليهن نظرة فعوقبت أربعين يوما ثم كوشفت بعد ذلك بثمانين حوراء فوقهن في الحسن والجمال وقيل لى انظر إليهن قال فسجدت وغمضت عينى في سجودى لئلا أنظر إليهن وقلت أعوذ بك مما سواك لا حاجة لى بهذا فلم أزل أتضرع حتى صرفهن الله عنى
فأمثال هذه المكاشفات لا ينبغى أن ينكرها المؤمن لإفلاسه عن مثلها فلو لم يؤمن كل واحد إلا بما يشاهده من نفسه المظلمة وقلبه القاسى لضاق مجال الإيمان عليه بل هذه أحوال تظهر بعد مجاوزة عقبات ونيل مقامات كثيرة أدناها الإخلاص وإخراج حظوظ النفس وملاحظة الخلق عن جميع الأعمال ظاهرا وباطنا ثم مكاتمة ذلك عن الخلق بستر الحال حتى يبقى متحصنا بحصن الخمول فهذه أوائل سلوكهم وأقل مقاماتهم وهى أعز موجود في الأتقياء من الناس
وبعد تصفية القلب عن كورة الالتفات إلى الخلق يفيض عليه نور اليقين وينكشف له مبادى الحق وإنكار ذلك دون التجربة وسلوك الطريق يجري مجرى إنكار من انكر إمكان انكشاف الصورة في الحديدة إذا شكلت ونقيت وصقلت وصورت بصورة المرآة فنظر المنكر إلى ما في يده من زبرة حديد مظلم قد استولى عليه الصدأ والخبث وهو لا يحكى صورة من الصور فأنكر إمكان انكشاف المرئى فيها عند ظهور جوهرها وإنكار ذلك غاية الجهل والضلال
فهذا حكم كل من أنكر كرامات الأولياء إذ لا مستند له إلا قصوره عن ذلك وقصور من رآه وبئس المستند ذلك في إنكار قدرة الله تعالى بل إنما يشم روائح المكاشفة من سلك شيئا ولو من مبادي الطريق كما قيل لبشر بأى شىء بلغت هذه المنزلة قال كنت أكاتم الله تعالى حالى
معناه أسأله أن يكتم على ويخفى أمرى
وروى أنه رأى الخضر عليه السلام فقال له ادع الله تعالى لى فقال يسر الله عليك طاعته قلت زدنى قال وسترها عليك
فقيل معناه سترها عن الخلق وقيل معناه سترها عنك حتى لا تلتفت أنت إليها
وعن بعضهم أنه قال أقلقنى الشوق إلى الخضر عليه السلام فسألت الله تعالى مره أن يرينى إياه ليعلمنى شيئا كان أهم الأشياء على قال فرأيته فما غلب على همى ولا همتى إلا أن قلت له يا أبا العباس علمنى شيئا إذا قلته حجبت عن قلوب الخليقة فلم يكن لى فيها قدر ولا يعرفنى أحد بصلاح ولا ديانة فقال قل اللهم أسبل على كثيف سترك وحط على سرادقات حجبك واجعلني فى مكنون غيبك واحجبنى عن قلوب خلقك قال ثم غاب فلم أره ولم أشتق إليه بعد ذلك فما زلت أقول هذه الكلمات فى كل يوم فحكى أنه صار بحيث كان يستذل ويمتهن حتى كان أهل الذمة يسخرون منه ويستسخرونه فى الطرق يحمل الأشياء لهم لسقوطه عندهم وكان الصبيان يلعبون به فكانت راحته ركود قلبه واستقامة حاله فى ذله وخموله
فهكذا حال أولياء الله تعالى ففى أمثال هؤلاء ينبغى أن يطلبوا والمغرورون إنما يطلبونهم تحت المرقعات والطيالسة وفي المشهورين بين الخلق بالعلم والورع والرياسة وغيرة الله تعالى على أوليائه تأبى إلا إخفاءهم كما قال تعالى أوليائى تحت قبابى لا يعرفهم غيرى
وقال صلى الله عليه و سلمرب أشعث أغبر ذى طمرين لايؤبه له لو أقسم على الله لأبره // حديث رب أشعث أغبر ذى طمرين أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة وقد تقدم //

وبالجملة فأبعد القلوب عن مشام هذه المعانى القلوب المتكبرة المعجبة بأنفسها المستبشرة بعملها وعلمها وأقرب القلوب إليها القلوب المنكسرة المستشعرة ذل نفسها استشعارا اذا ذل واهتضم لم يحس بالذل كما لا يحس العبد بالذل مهما ترفع عليه مولاه فإذا لم يحس بالذل ولم يشعر أيضا بعدم التفاته الى الذل بل كان عند نفسه أخس منزلة من أن يرى جميع أنواع الذل ذلا في حقه بل يرى نفسه دون ذلك حتى صار التواضع بالطبع صفة ذاته فمثل هذا القلب يرجى له أن يستنشق مبادئ هذه الروائح فإن فقدنا مثل هذا القلب وحرمنا مثل هذا الروح فلا ينبغي أن يطرح الإيمان بإمكان ذلك لأهله فمن لا يقدر أن يكون من أولياء الله فليكن محبا لأولياء الله مؤمنا بهم فعسى أن يحشر مع من أحب
ويشهد لهذا ما روي أن عيسى عليه السلام قال لبني اسرائيل أين ينبت الزرع قالوا في التراب فقال بحق أقول لكم لا تنبت الحكمة إلا في قلب مثل التراب
ولقد انتهى المريدون لولاية الله تعالى في طلب شروطها بإذلال النفس الي منتهى الضعة والخسة حتى روى أن ابن الكريبي وهو أستاذ الجنيد دعاه رجل الى طعام ثلاث مرات ثم كان يرده ثم يستدعيه فيرجع إليه بعد ذلك حتى أدخله في المرة الرابعة فسأله عن ذلك فقال قد رضت نفسي على الذل عشرين سنة حتى صارت بمنزلة الكلب يطرد فينطرد ثم يدعى فيرمى له عظم فيعود ولو رددتني خمسين مرة ثم دعوتني بعد ذلك لأجبت
وعنه ايضا أنه قال نزلت في محلة فعرفت فيها بالصلاح فتشتت على قلبي فدخلت الحمام وعدلت الى ثياب فاخرة فسرقتها ولبستها ثم لبست مرقعتي فوقها وخرجت وجعلت أمشي قليلا قليلا فلحقوني فنزعوا مرقعتي وأخذوا الثياب وصفعوني وأوجعوني ضربا فصرت بعد ذلك أعرف بلص الحمام فسكنت نفسى
فهكذا كانوا يروضون أنفسهم حتى يخلصهم الله من النظر إلى الخلق ثم من النظر إلى النفس فإن الملتفت إلى نفسه محجوب عن الله تعالى وشغله بنفسه حجاب له فليس بين القلب وبين الله حجاب بعد وتخلل حائل وإنما بعد القلوب شغلها بغيره أو بنفسه وأعظم الحجب شغل النفس
ولذلك حكى أن شاهدا عظيم القدر من أعيان أهل بسطام كان لا يفارق مجلس أبى يزيد فقال له يوما أنا منذ ثلاثين سنة أصوم الدهر لاأفطر وأقوم الليل لا أنام ولا أجد فى قلبى من هذا العلم الذى تذكر شيئا وأنا أصدق به وأحبه فقال أبو يزيد ولو صمت ثلثمائة سنة وقمت ليلها ما وجدت من هذا ذرة قال ولم قال لأنك محجوب بنفسك قال فلهذا دواء قال نعم قال قل لى حتى أعمله قال لا تقبله قال فاذكره لى حتى أعمل قال اذهب الساعة إلى المزين فاحلق رأسك ولحيتك وانزع هذا اللباس واتزر بعباءة وعلق فى عنقك مخلاة مملوءة جوزا واجمع الصبيان حولك وقل كل من صفعنى صفعة أعطيته جوزة وادخل السوق وطف الأسواق كلها عند الشهود وعند من يعرفك وأنت على ذلك فقال الرجل سبحان الله تقول لى مثل هذا فقال أبو يزيد قولك سبحان الله شرك قال وكيف قال لأنك عظمت نفسك فسبحتها وما سبحت ربك فقال هذا لا أفعله ولكن دلنى على غيره فقال ابتدئ بهذا قبل كل شىء فقال لا أطيقه قال قد قلت لك أنك لا تقبل فهذا الذى ذكره أبو يزيد هو دواء من اعتل بنظره إلى نفسه ومرض بنظر الناس إليه ولا ينجى من هذا المرض دواء سوى هذا وأمثاله فمن لا يطيق الدواء فلا ينبغى أن ينكر إمكان الشفاء في حق من داوى نفسه بعد المرض أو لم يمرض بمثل هذا المرض أصلا
فأقل درجات الصحة الإيمان بإمكانها فويل لمن حرم هذا القدر القليل أيضا
وهذه أمور جلية في الشرع واضحة وهى مع ذلك مستبعدة عند من يعد نفسه من علماء الشرع فقد قال صلى الله عليه و سلم

لا يستكمل العبد الإيمان حتى تكون قلة الشىء أحب إليه من كثرته وحتى يكون أن لا يعرف أحب من أن يعرف // حديث لا يستكمل عبد الإيمان حتى يكون قلة الشىء أحب إليه من كثرته وحتى يكون أن لا يعرف أحب إليه من أن يعرف ذكره صاحب الفردوس من حديث على بن أبى طلحة وعلى هذا فهو معضل فعلى بن أبى طلحة إنما سمع من التابعين ولم أجد له أصلا // وقد قال عليه السلام ثلاث من كن فيه استكمل إيمانه لا يخاف في الله لومة لائم ولا يرائى بشىء من عمله وإذا عرض عليه أمران أحدهما للدنيا والآخر للآخرة آثر أمر الآخرة على الدنيا // حديث ثلاث من كن فيه استكمل إيمانه لا يخاف في الله لومة لائم الحديث أخرجه أبو منصور الديلمى في مسند الفردوس من حديث أبى هريرة وفيه سالم المرادى ضعفه ابن معين والنسائى ووثقه ابن حبان واسم أبيه عبد الواحد // وقال عليه السلام لا يكمل إيمان عبد حتى يكون فيه ثلاث خصال إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق وإذا رضاه لم يدخله رضاء في باطل وإذا قدر لم يتناول ما ليس له // حديث لا يكمل إيمان العبد حتى يكون فيه ثلاث خصال إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق الحديث أخرجه الطبرانى في الصغير بلفظ ثلاث من أخلاق الإيمان وإسناده ضعيف // وفي حديث آخر ثلاث من أوتيهن فقد أوتى مثل ما أوتى آل داود العدل في الرضا والغضب والقصد في الغنى والفقر وخشية الله في السر والعلانية // حديث ثلاث من أوتيهن فقد أوتى ما أوتى آل داود العدل في الرضا والغضب غريب بهذا اللفظ والمعروف ثلاث منجيات فذكرهن بنحوه وقد تقدم // فهذه شروط ذكرها رسول الله صلى الله عليه و سلم لأولى الإيمان فالعجب ممن يدعى علم الدين ولا يصادف في نفسه ذرة من هذه الشروط ثم يكون نصيبه من علمه وعقله أن يجحد مالا يكون إلا بعد مجاوزة مقامات عظيمة علية وراء الإيمان وفي الأخبار أن الله تعالى أوحى إلى بعض انبيائه إنما اتخذ لخلتى من لا يفتر عن ذكرى ولا يكون له هم غيرى ولا يؤثر على شيئا من خلقى وإن حرق بالنار لم يجد لحرق النار وجعا وإن قطع بالمناشير لم يجد لمس الحديد ألما
فمن لم يبلغ إلى أن يغلبه الحب إلى هذا الحد فمن أين يعرف ما وراء الحب من الكرامات والمكاشفات وكل ذلك وراء الحب والحب وراء كمال الإيمان ومقامات الإيمان وتفاوته في الزيادة والنقصان لا حصر له
ولذلك قال عليه السلام للصديق رضى الله تعالى عنه إن الله تعالى قد أعطاك مثل إيمان كل من آمن بى من أمتى وأعطانى مثل إيمان كل من آمن به من ولد آدم // حديث إنه قال للصديق إن الله قد أعطاك مثل إيمان كل من آمن بى من أمتى الحديث أخرجه أبو منصور الديلمى في مسند الفردوس من رواية الحارث الأعور عن على مع تقديم وتأخير والحارث ضعيف // وفي حديث آخر إن لله تعالى ثلثمائة خلق من لقيه بخلق منها مع التوحيد دخل الجنة فقال أبو بكر يا رسول الله هل في منها خلق فقال كلها فيك يا أبا بكر وحبها إلى الله تعالى السخاء // حديث إن لله تعالى ثلثمائة خلق من لقيه مخلق منها مع التوحيد دخل الجنة الحديث أخرجه الطبرانى في الأوسط من حديث أنس مرفوعا عن الله خلقت بضعة عشر وثلثمائة خلق من جاء بخلق منها مع شهادة أن لا إله إلا الله دخل الجنة ومن حديث ابن عباس الإسلام ثلثمائة شريعة وثلاثة عشر شريعة وفيه وفي الكبير من رواية المغيرة بن عبد الرحمن بن عبيد عن أبيه عن جده نحوه بلفظ الإيمان وللبزار من حديث عثمان بن عفان إن الله تعالى مائة وسبعة عشر شريعة الحديث وليس فيها كلها تعرض لسؤال أبى بكر وجوابه وكلها ضعيفة // وقال عليه السلام رأيت ميزانا دلى من السماء فوضعت في كفة ووضعت أمتى في كفة فرجحت بهم ووضع أبو بكر في كفة وجىء بأمتى فوضعت في كفة فرجح بهم // حديث رأيت ميزانا دلى من السماء فوضعت في كفة ووضعت أمتى في كفة فرجحت بهم الحديث أخرجه أحمد من حديث أبى أمامة بسند ضعيف // ومع هذا كله فقد كان استغراق رسول الله صلى الله عليه و سلم بالله تعالى بحيث لم يتسع قلبه للخلة مع غيره فقال لو كنت متخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله تعالى // حديث لو كنت متخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا الحديث متفق عليه وقد تقدم // يعنى نفسه

خاتمة الكتاب بكلمات متفرقة تتعلق بالمحبة ينتفع بها
قال سفيان المحبة اتباع رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال غيره دوام الذكر وقال غيره إيثار المحبوب وقال بعضهم كراهية البقاء في الدنيا
وهذا كله إشارة إلى ثمرات المحبة فإما نفس المحبة فلم يتعرضوا لها
وقال بعضهم المحبة معنى من المحبوب قاهر للقلوب عن إدراكه وتمتنع الألسن عن عبارته
وقال الجنيد حرم الله تعالى المحبة على صاحب العلاقة
وقال كل محبة تكون بعوض فإذا زال العوض زالت المحبة
وقال ذو النون قل لمن أظهر حب الله احذر أن تذل لغير الله
وقيل للشبلى رحمه الله صف لنا العارف والمحب فقال العارف إن تكلم هلك والمحب إن سكت هلك وقال الشبلى رحمه الله
يا أيها السيد الكريم ... حبك بين الحشا مقيم
يا رافع النوم عن جفونى ... أنت بما مر بى عليم
عجبت لمن يقول ذكرت إلفى ... وهل أنسى فأذكر ما نسيت
أموت إذا ذكرتك ثم أحيا ... ولولا حسن ظنى ما حييت
فأحيا بالمنى وأموت شوقا ... فكم أحيا عليك وكم أموت
شربت الحب كأسا بعد كأس ... فما نفد الشرب وما رويت
فليت خياله نصب لعينى ... فإن قصرت في نظري عميت
وقالت رابعة العدوية يوما من يدلنا على حبيبنا فقالت خادمة لها حبيبنا معنا ولكن الدنيا قطعتنا عنه
وقال ابن الجلاء رحمه الله تعالى أوحى الله إلى عيسى عليه السلام إنى إذا اطلعت على سر عبد فلم أجد فيه حب الدنيا والآخرة ملأته من حبى وتوليته بحفظى وقيل تكلم سمنون يوما فى المحبة فإذا بطائر نزل بين يديه فلم يزل ينقر بمنقاره الأرض حتى سال الدم منه فمات
وقال إبراهيم بن أدهم إلهى إنك تعلم أن الجنة لا تزن عندى جناح بعوضة في جنب ما أكرمتنى من محبتك وآنستنى بذكرك وفرغتنى للتفكر في عظمتك وقال السرى رحمه الله من أحب الله عاش ومن مال إلى الدنيا طاش والأحمق يغدو ويروح في لاش والعاقل عن عيوبه فتاش
وقيل لرابعة كيف حبك للرسول صلى الله عليه و سلم فقالت والله إنى لأحبه حبا شديدا ولكن حب الخالق شغلنى عن حب المخلوقين
وسئل عليه السلام عن أفضل الأعمال فقال الرضا عن الله تعالى والحب له
وقال أبو يزيد المحب لايحب الدنيا ولا الآخرة إنما يحب من مولاه مولاه
وقال الشبلى الحب دهش في لذة وحيرة في تعظيم
وقيل المحبة أن تمحو أثرك عنك حتى لا يبقى فيك شىء راجع منك إليك وقيل المحبة قرب القلب من المحبوب بالإستبشار والفرح
وقال الحواص المحبة محو الإرادات واحتراق الصفات والحاجات وسئل سهل عن المحبة فقال عطف الله بقلب عبده لمشاهدته بعد الفهم للمراد منه
وقيل معاملة المحب على أربع منازل على المحبة والهيبة والحياء والتعظيم وأفضلها التعظيم والمحبة لأنهاتين المنزلتين تبقيان مع أهل الجنة فى الجنة ويرفع عنهم غيرهما وقال هرم بن حبان المؤمن اذا عرف ربه عز و جل احبه واذا احبه اقبل عليه واذا وجد حلاوة الاقبال عليه لم ينظر الى الدنيا بعين الشهوه ولم ينظر إلى الآخره بعين الفتره وهي تحسره في الدنيا وتروحه فى الآخرة وقال عبد الله بن محمد سمعت امرأة من المتعبدات تقول وهى باكيه والدموع على خدها جاريه والله لقد سئمت من الحياة حتى لو وجدت الموت يباع لاشتريته شوقا إلى الله تعالى وحبا للقائه قال

فقلت لها فعلى ثقة أنت من عملك قالت لا ولكن لحبى إياه وحسن ظنى به أفتراه يعذبنى وأنا أحبه وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام لو يعلم المدبرون عنى كيف انتظارى لهم ورفقى بهم وشوقى إلى ترك معاصيهم لماتوا شوقا إلى وتقطعت أوصالهم من محبتى يا داود هذه إرادتى في المدبرين على فكيف إرادتى في المقبلين على يا داود احوج ما يكون العبد إلى إذا استغنى عنى وأرحم ما اكون بعبدى إذا أدبر عنى وأجل ما يكون عبدى إذا رجع إلى وقال أبو خالد الصفار لقى نبى من الأنبياء عابدا فقال له إنكم معاشر العباد تعملون على أمر لسنا معشر الأنبياء نعمل عليه أنتم تعملون على الخوف والرجاء ونحن نعمل على المحبة والشوق
وقال الشبلى رحمه الله أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام يا داود ذكرى للذاكرين وجنتى للمطيعين وزيارتى للمشتاقين وأنا خاصة للمحبين وأوحى الله تعالى إلى آدم عليه السلام يا آدم من احب حبيبا صدق قوله من أنس بحبيبه رضى فعله ومن اشتاق إليه جد في مسيره
وكان الخواص رحمه الله يضرب على صدره ويقول واشوقاه لمن يرانى ولا أراه
وقال الجنيد رحمه الله بكى يونس عليه السلام حتى عمى وقام حتى انحنى وصلى حتى أقعد وقال وعزتك وجلالك لو كان بينى وبينك بحر من نار لخضته إليك شوقا منى إليك
وعن على بن أبى طالب كرم الله وجهه قال سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم عن سنته فقال المعرفة رأس مالى والعقل أصل دينى والحب أساسى والشوق مركبى وذكر الله أنيسي والثقة كنزى والحزن رفيقى والعلم سلاحى والصبر ردائى والرضا غنيمتى والعجز فخرى والزهد حرفتى واليقين قوتى والصدق شفيعى والطاعة حبي والجهاد خلقى وقرة عينى في الصلاة // حديث على سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم عن سنته فقال المعرفة رأس مالى والعقل أصل دينى الحديث ذكره القاضى عياض من حديث على بن أبى طالب ولم أجد له إسنادا // وقال ذو النون سبحان من جعل الأرواح جنود مجندة فأرواح العارفين جلالية قدسية فلذلك اشتاقوا إلى الله تعالى وأرواح المؤمنين روحانية فلذلك حنوا إلى الجنة
وأرواح الغافلين هوائية فلذلك مالوا إلى الدنيا وقال بعض المشايخ رأيت في جبل اللكام رجلا أسمر اللون ضعيف البدن وهو يقفز من حجر إلى حجر ويقول
الشوق والهوى ... صيرانى كما ترى
ويقال الشوق نار الله أشعلها في قلوب أوليائه حتى يحرق بها ما في قلوبهم من الخواطر والإرادات والعوارض والحاجات فهذا القدر كاف في شرح المحبة والأنس والشوق والرضا فلنقتصر عليه والله الموفق للصواب
تم كتاب المحبة والشوق والأنس يتلوه كتاب النية والإخلاص والصدق كتاب النية والإخلاص والصدق وهو الكتاب السابع من ربع المنجيات من كتاب إحياء علوم الدين بسم الله الرحمن الرحيم
نحمد الله حمد الشاكرين ونؤمن به إيمان الموقنين ونقر بوحدانيته إقرار الصادقين ونشهد أن لا إله

إلا الله رب العالمين وخالق السموات والأرضين ومكلف الجن والإنس والملائكة المقربين أن يعبدوه عبادة المخلصين فقال تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين فما لله إلا الدين الخالص المتين فإنه أغنى الأغنياء عن شركة المشاركين والصلاة على نبيه محمد سيد المرسلين وعلى جميع النبيين وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين
أما بعد فقد انكشف لأرباب القلوب ببصيرة الإيمان وأنوار القرآن أن لا وصول إلى السعادة إلا بالعلم والعبادة فالناس كلهم هلكى إلا العالمون والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون والمخلصون على خطر عظيم
فالعمل بغير نية عناء والنية بغير إخلاص رياء وهو للنفاق كفاء ومع العصيان سواء والإخلاص من غير صدق وتحقيق هباء وقد قال الله تعالى في كل عمل كان بإرادة غير الله مشوبا مغمورا وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا وليت شعرى كيف يصحح نيته من لا يعرف حقيقة النية أو كيف يخلص من صحح النية إذا لم يعرف حقيقة الإخلاص أو كيف تطالب المخلص نفسه بالصدق إذا لم يتحقق معناه فالوظيفة الأولى على كل عبد أراد طاعة الله تعالى أن يتعلم النية أولا لتحصل المعرفة ثم يصححها بالعمل بعد فهم حقيقة الصدق والإخلاص اللذين هما وسيلتنا العبد إلى النجاة والخلاص
ونحن نذكر معانى الصدق والإخلاص في ثلاثة أبواب
الباب الأول في حقيقة النية ومعناها
الباب الثاني في الإخلاص وحقائقه
والباب الثالث في الصدق وحقيقته الباب الأول في حقيقة النية ومعناها
وفيه
بيان فضيلة النية
وبيان حقيقة النية وبيان كون النية خيرا من العمل وبيان تفضيل الأعمال المتعلقة بالنفس وبيان خروج النية عن الاختيار بيان فضيلة النية
قال الله تعالى ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه والمراد بتلك الإرادة هى النية
وقال صلى الله عليه و سلمإنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه // حديث إنما الأعمال بالنيات الحديث متفق عليه من حديث عمر وقد تقدم // وقال صلى الله عليه و سلمأكثر شهداء أمتى أصحاب الفرش ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته // حديث أكثر شهداء أمتى أصحاب الفرش ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته أخرجه أحمد من حديث ابن مسعود وفيه عبد الله بن لهيعة // وقال تعالى إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما فجعل النية سبب التوفيق
وقال صلى الله عليه و سلمإن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم // حديث إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم الحديث أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة وقد تقدم // وإنما نظر إلى القلوب لأنها مظنة النية وقال صلى الله عليه و سلمإن العبد ليعمل أعمالا حسنة فتصعد الملائكة في صحف مختمة فتلقى بين يدى الله تعالى فيقول ألقوا هذه الصحيفة

فإنه لم يرد بما فيها وجهى ثم ينادى الملائكة اكتبوا له كذا وكذا اكتبوا له كذا وكذا فيقولون يا ربنا إنه لم يعمل شيئا من ذلك فيقول الله تعالى إنه نواه // حديث إن العبد ليعمل أعمالا حسنة فتصعد بها الملائكة الحديث أخرجه الدارقطنى من حديث أنس بإسناد حسن // وقال صلى الله عليه و سلمالناس أربعة رجل أتاه الله عز و جل علما ومالا فهو يعمل بعلمه في ماله فيقول رجل لو آتانى الله تعالى مثل ما آتاه لعملت كما يعمل فهما في الأجر سواء ورجل آتاه الله تعالى مالا ولم يؤته علما فهو يتخبط بجهله في ماله فيقول رجل لو آتانى الله مثل ما آتاه عملت كما يعمل فهما في الوزر سواء // حديث الناس أربعة رجل آتاه الله علما ومالا الحديث أخرجه ابن ماجه من حديث أبى كبشة الأنمارى بسند جيد بلفظ مثل هذه الأمة كمثل أربعة نفر الحديث وقد تقدم ورواه الترمذى بزيادة وفيه وإنما الدنيا لأربعة نفر الحديث وقال حسن صحيح // ألا ترى كيف شركه بالنية في محاسن عمله ومساويه
وكذلك في حديث أنس بن مالك لما خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزوة تبوك قال إن بالمدينة أقواما ما قطعنا واديا ولا وطئنا موطئا يغيظ الكفار ولا أنفقنا نفقة ولا أصابتنا مخمصة إلا شركونا في ذلك وهم بالمدينة قالوا وكيف ذلك يا رسول الله وليسوا معنا قال حبسهم العذر فشركوا بحسن النية // حديث أنس إن بالمدينة أقواما ما قطعنا واديا الحديث أخرجه البخارى مختصرا وأبو داود // وفي حديث ابن مسعود من هاجر يبتغى شيئا فهو له فهاجر رجل فتزوج امرأة منا فكان يسمى مهاجر أم قيس // حديث ابن مسعود من هاجر يبتغى شيئا فهو له هاجر رجل فتزوج امرأة منا وكان يسمى مهاجر أم قيس أخرجه الطبرانى بإسناد جيد // وكذلك جاء في الخبر إن رجلا قتل في سبيل الله وكان يدعى قتيل الحمار // حديث إن رجلا قتل في سبيل الله فكان يدعى قتيل الحمار لم أجد له أصلا في الموصولات وإنما رواه أبو إسحق الفراوى في السنن من وجه مرسل // لأنه قاتل رجلا ليأخذ سلبه وحماره فقتل على ذلك فأضيف إلى نيته
وفي حديث عبادة عن النبى صلى الله عليه و سلممن غزا وهو لا ينوى إلا عقالا فله ما نوى // حديث من غزا وهو لا ينوى إلا عقالا فله ما نوى أخرجه النسائي من حديث عبادة بن الصامت وتقدم غير مرة // وقال أبى استعنت رجلا يغزو معى فقال لا حتى تجعل لي جعلا فجعلت له فذكرت ذلك للنبى صلى الله عليه و سلمفقال ليس له من دنياه وآخرته إلا ما جعلت له // حديث أبى استعنترجلا يغزو معى فقال لا حتى تجعل لى جعلا فجعلت له فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه و سلم فقال ليس له من دنياه وآخرته إلا ما جعلت له أخرجه الطبرانى في مسند الشاميين ولأبى داود من حديث يعلى بن أمية أنه استأجر أجيرا للغزو وسمى له ثلاثة دنانير فقال النبى صلى الله عليه و سلم ما أجد له في غزوته هذه في الدنيا والآخرة إلا دنانيره التى سمى // وروى في الإسرائيليات أن رجلا مر بكثبان من رمل في مجاعة فقال في نفسه لو كان هذا الرمل طعاما لقسمته بين الناس فأوحى الله تعالى إلى نبيهم أن قل له إن الله تعالى قبل صدقتك وقد شكر حسن نيتك وأعطاك ثواب مالو كان طعاما فتصدقت به وقد ورد في أخبار كثيرة من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة // حديث من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة متفق عليه وقد تقدم // وفي حديث عبد الله بن عمرو من كانت الدنيا نيته جعل الله فقره بين عينيه وفارقها أرغب ما يكون فيها ومن تكن الآخرة نيته جعل الله تعالى غناه في قلبه وجمع عليه ضيعته وفارقها أزهد ما يكون فيها // حديث عبد الله بن عمرو من كانت الدنيا نيته جعل الله فقره بين عينيه الحديث أخرجه ابن ماجه من حديث زيد بن ثابت بإسناد جيد دون قوله وفارقها أرغب ما يكون فيها ودون قوله وفارقها أزهد ما يكون فيها وفيه زيادة ولم أجده من حديث عبد الله بن عمرو // وفي حديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه و سلم ذكر جيشا يخسف بهم البيداء فقلت يا رسول الله يكون فيهم المكره والأجير فقال يحشرون على نياتهم // حديث أم سلمة في الجيش الذى يخسف بهم يحشرون على نياتهم أخرجه مسلم وأبو داود وقد تقدم // وقال عمر رضى الله

عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول إنما يقتتل المقتتلون على النيات أخرجه ابن أبى الدنيا في كتاب الإخلاص والنية من حديث عمر بإسناد ضعيف بلفظ إنما يبعث ورويناه في فوائد تمام بلفظ إنما يبعث المسلمون على النيات ولابن ماجه من حديث أبى هريرة إنما يبعث الناس على نياتهم وفيه ليث بن أبى سليم مختلف فيه وقال عليه السلام إذا التقى الصفان نزلت الملائكة تكتب الخلق على مراتبهم فلان يقاتل للدنيا فلان يقاتل حمية فلان يقاتل عصيبة ألا فلا تقولوا فلان قتل في سبيل الله فمن قاتل لتكون كلمة الله هى العليا فهو فى سبيل الله // حديث إذا التقى الصفان نزلت الملائكة تكتب الخلق على مراتبهم فلان يقاتل للدنيا الحديث أخرجه ابن المبارك في الزهد موقوفا على ابن مسعود وآخر الحديث مرفوع ففي الصحيحين من حديث أبى موسى من قاتل لتكون كلمة الله هى العليا فهو في سبيل الله // هي العليا فهو في سبيل الله وعن جابر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال يبعث كل عبد على ما مات عليه // حديث جابر يبعث كل عبد على ما مات عليه رواه مسلم // وفي حديث الاحنف عن أبي بكرة إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال لأنه أراد قتل صاحبه // حديث الأحنف عن أبى بكرة إذا إلتقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار متفق عليه // وفي حديث أبي هريرة من تزوج امرأة على صداق وهو لا ينوي أداءه فهو زان ومن ادان دينا وهو لا ينوي قضاءه فهو سارق // حديث أبى هريرة من تزوج امراة على صداق وهو لا ينوي أداءه فهو زان أخرجه أحمد من حديث صهيب ورواه ابن ماجه مقتصرا على قصة الدين دون ذكر الصداق // وقال صلى الله عليه و سلممن تطيب لله تعالى جاء يوم القيامة وريحه أطيب من المسك ومن تطيب لغير الله جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة // حديث من تطيب لله جاء يوم القيامة وريحه أطيب من المسك الحديث أخرجه أبو الوليد الصفار في كتاب الصلاة من حديث اسحق بن أبى طلحة مرسلا //
وأما الآثار فقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أفضل الأعمال أداء ما افترض الله تعالى والورع عما حرم الله تعالى وصدق النية فيما عند الله تعالى وكتب سالم بن عبدالله إلى عمر بن عبد العزيز اعلم أن عون الله تعالى للعبد على قدر النية فمن تمت نيته تم عون الله له وإن نقصت نقص بقدره
وقال بعض السلف رب عمل صغير تعظمه النية ورب عمل كبير تصغره النية
وقال داود الطائي البر همته التقوى فلو تعلقت جميع جوارحه بالدنيا لردته نيته يوما إلى نية صالحة وكذلك الجاهل بعكس ذلك
وقال الثوري كانوا يتعلمون النية للعمل كما تتعلمون العمل
وقال بعض العلماء أطلب النية للعمل قبل العمل وما دمت تنوي الخير فأنت بخير
وكان بعض المريدين يطوف على العلماء يقول من يدلني على عمل لا أزال فيه عاملا لله تعالى فإني لا أحب أن يأتي على ساعة من ليل أو نهار إلا وأنا عامل من عمال الله فقيل له قد وجدت حاجتك فاعمل الخير ما استطعت فإذا فترت أو تركته فهم بعمله فإن الهام بعمل الخير كعامله
وكذلك قال بعض السلف وإن نعمة الله عليكم أكثر من أن تحصوها وإن ذنوبكم أخفى من أن تعلموها ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين يغفر لكم ما بين ذلك
وقال عيسى عليه السلام طوبي لعين نامت ولا تهم بمعصية وانتبهت إلى غير إثم
وقال أبو هريرة يبعثون يوم القيامة على قدر نياتهم وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم يبكي ويرددها ويقول إنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا
وقال الحسن إنما خلد أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار بالنيات وقال أبو هريرة مكتوب في التوراة ما أريد به وجهي فقليله كثير وما أريد به غيري فكثيره قليل
وقال بلال بن سعد إن العبد ليقول قول مؤمن فلا يدعه الله عز و جل وقوله حتى ينظر في عمله فإذا عمل لم يدعه الله حتى ينظر في ورعه فإن تورع لم يدعه حتى ينظر ماذا نوى فإن صلحت نيته فبالحرى أن يصلح ما دون ذلك

فإذن عماد الأعمال بالنيات فالعمل مفتقر إلى النية ليصير بها خيرا والنية في نفسها خير وإن تعذر العمل بعائق
بيان حقيقة النية
أعلم أن النية والإرادة والقصد عبارات على متوارده معنى واحد وهو حالة وصفة للقلب يكتنفها أمران علم وعمل العلم يقدمه لأنه أصله وشرطه والعمل يتبعه لأنه ثمرته وفرعه وذلك لأن كل عمل أعنى كل حركة وسكون اختيارى فإنه لا يتم إلا بثلاثة أمور علم وإرادة وقدرةلأنه لا يريد الإنسان مالا يعلمه فلابد وأن يعلم ولا يعمل ما لم يرد فلا بد من إرادة
ومعنى الإرادة انبعاث القلب إلى ما يراه موافقا للغرض إما في الحال أو فى المآل فقد خلق الإنسان بحيث يوافقه بعض الأمور ويلائم غرضه ويخالفه بعض الأمور فيحتاج إلى جلب الملائم الموافق إلى نفسه ودفع الضار المنافى عن نفسه فافتقر بالضرورة إلى معرفة وإدراك للشىء المضر والنافع حتى يجلب هذا ويهرب من هذا فإن من لا يبصر الغذاء ولا يعرفه لا يمكنه أن بتناول ومن لا يبصر النار لا يمكنه الهرب منها فخلق الله الهداية والمعرفة وجعل لها أسبابا وهى الحواس الظاهرة والباطنة وليس ذلك من غرضنا ثم لو أبصر الغذاء وعرف انه موافق له فلا يكفيه ذلك للتناول ما لم يكن فيه ميل إليه ورغبة فيه وشهوة له باعثة عليه إذا المريض يرى الغذاء ويعلم أنه موافق ولا يمكنه التناول لعدم الرغبة والميل ولفقد الداعية المحركة إليه فخلق الله تعالى له الميل والرغبة والإرادة وأعنى به نزوعا في نفسه إليه وتوجها في قلبه إليه ثم ذلك لايكفيه فكم من مشاهد طعاما راغب فيه مريد تناوله عاجز عنه لكونه زمنا فخلقت له القدرة والأعضاء المتحركة حتى يتم به التناول والعضو لا يتحرك إلا بالقدرة والقدرة تنتظر الداعية الباعثة والداعية تنتظر العلم والمعرفة أو الظن والاعتقاد وهو أن يقوى في نفسه كون الشىء موافقا له فإذا جزمت المعرفة بأن الشىء موافق ولا بد وأن يفعل وسمت عن معارضة باعث آخر صارف عنه انبعثت الإرادة وتحقق الميل فإذا انبعثت الإرادة انتهضت القدرة لتحريك الأعضاء لأن القدرة خادمة للإردة والإرادة تابعة لحكم الاعتقاد والمعرفة
فالنية عبارة عن الصفة المتوسطة وهى الإرادة وانبعاث النفس بحكم الرغبة والميل إلى ما هو موافق للغرض إما في الحال وإما في المآل
فالمحرك الأول هو الغرض المطلوب وهو الباعث والغرض الباعث هو المقصد المنوى والانبعاث هو القصد والنية وانتهاض القدرة لخدمة الإرادة بتحريك الأعضاء هو العمل إلا أن انتهاض القدرة للعمل قد يكون بباعث واحد وقد يكون بباعثين اجتمعا في فعل واحد وإذا كان بباعثين فقد يكون كل واحد بحيث لو انفرد لكان مليا بإنهاض القدرة وقد يكون كل واحد قاصرا عنه إلا بالاجتماع وقد يكون أحدهما كافيا لولا الآخر لكن الآخر انتهض عاضدا له ومعاونا
فيخرج من هذا القسم أربعة أقسام فلنذكر لكل واحد مثالا واسما
أما الأول فهو أن ينفرد الباعث الواحد يتجرد كما إذا هجم على الإنسان سبع فكلما رآه قام من موضعه فلا مزعج له إلا غرض الهرب من السبع فإنه رأى السبع وعرفه ضارا فانبعثت نفسه إلى الهرب ورغبت فيه فانتهضت القدرة عاملة بمقتضى الانبعاث فيقال نيته للفرار من السبع لا نية له في القيام لغيره وهذه النية تسمى خالصة ويسمى العمل بموجبها إخلاصا بالإضافة إلى الغرض الباعث ومعناه أنه خلص عن مشاركة غيره وممازجته
وأما الثانى فهو أن يجتمع باعثان كل واحد مستقل بالإنهاض لو انفرد
ومثاله من المحسوس أن يتعاون رجلان على حمل شىء بمقدار من القوة كان كافيا في الحمل لو انفرد ومثاله في غرضنا أن يسأله قريبه الفقير حاجة

فيقضيها لفقره وقرابته وعلم أنه لولا فقره لكان يقضيها بمجرد القرابة وأنه لولا قرابته لكان يقضيها بمجرد القرابة وأنه لولا قرابته لكان يقضيها بمجرد الفقر وعلم ذلك من نفسه بأنه يحضره قريب غنى فيرغب فى قضاء حاجته وفقير أجنبى فيرغب أيضا فيه
وكذلك من أمره الطبيب بترك الطعام ودخل عليه يوم عرفه فصام وهو يعلم أنه لو لم يكن يوم عرفة لكان يترك الطعام حمية ولولا الحمية لكان يتركه لأجل أنه يوم عرفه وقد اجتمعا جميعا فأقدم على الفعل وكان الباعث الثانى رفيق الأول
فلنسم هذا مرافقة للبواعث والثالث أن لا يستقل كل واحد لو انفرد ولكل قوى مجموعهما على إنهاض القدرة
ومثاله في المحسوس أن يتعاون ضعيفان على حمل مالا ينفرد أحدهما به
ومثاله في غرضنا أن يقصده قريبه الغنى فيطلب درهما فلا يعطيه ويقصده الأجنبى الفقير فيطلب درهما فلا يعطيه ثم يقصده القريب الفقير فيعطيه فيكون انبعاث داعيته المجموع الباعثين وهو القرابة والفقر
وكذلك الرجل يتصدق بين يدى الناس لغرض الثواب ولغرض الثناء ويكون بحيث لو كان منفردا لكان لا يبعثه مجرد قصد الثواب على العطاء ولو كان الطالب فاسقا لا ثواب في التصدق عليه لكان لا يبعثه مجرد الرياء على العطاء ولو اجتمعا أورثا بمجموعهما تحريك القلب
ولنسم هذا الجنس مشاركة والرابع أن يكون أحد الباعثين مستقلا لو انفرد بنفسه والثانى لا يستقل
ولكن لما انضاف إليه لم ينفك عن تأثير بالإعانة والتسهيل
ومثاله في المحسوس أن يعاون الضعيف الرجل القوى على الحمل ولو انفرد القوى لاستقل ولو انفرد الضعيف لم يستقل فإن ذلك بالجملة يسهل العمل ويؤثر في تخفيفه
ومثاله في غرضنا أن يكون للإنسان ورد في الصلاة وعادة في الصدقات فاتفق أن حضر في وقتها جماعة من الناس فصار الفعل أخف علة بسبب مشاهدتهم وعلم من نفسه أنه لو كان منفردا خاليا لم يفتر عن عمله وعلم أن عمله لو لم يكن طاعة لم يكن مجرد الرياء يحمله عليه فهو شوب تطرق إلى النية
ولنسم هذا الجنس المعاونة
فالباعث الثانى إما أن يكون رفيقا أو شريكا أو معينا
وسنذكر حكمها في باب الإخلاص
والغرض الآن بيان أقسام النيات فإن العمل تابع للباعث عليه فيكتسب الحكم منه
ولذلك قيل إنما الاعمال بالنيات لأنها تابعة لا حكم لها في نفسها وإنما الحكم للمتبوع
بيان سر قوله صلى الله عليه و سلمنية المؤمن خير من عمله
// حديث نية المؤمن خير من عمله أخرجه الطبرانى من حديث سهل بن سعد ومن حديث النواس بن سمعان وكلاهما ضعيف //
أعلم أنه قد يظن أن سبب هذا الترجيح ان النية سر لا يطلع عليه إلا الله تعالى والعمل ظاهر ولعمل السر فضل
وهذا صحيح ولكن ليس هو المراد لانه لو نوى ان يذكر الله بقلبه أو يتفكر في مصالح المسلمين فيقتضي عموم الحديث أن تكون نية التفكر خيرا من التفكر وقد يظن أن سبب الترجيح أن النية تدوم إلى آخر العمل والأعمال لا تدوم وهو ضعيف لأن ذلك يرجع معناه إلى أن العمل الكثير خير من القليل بل ليس كذلك فإن نية أعمال الصلاة قد لا تدوم إلا في لحظات معدودة والأعمال تدوم والعموم يقتضى أن تكون نيته خيرا من عمله
وقد يقال إن معناه أن النية بمجردها خير من العمل بمجرده دون النية وهو كذلك ولكنه بعيد ان يكون هو المراد إذ العمل بلا نية أو على الغفلة لا خير فيه أصلا والنية بمجردها خير وظاهر الترجيح للمشتركين في اصل الخير بل المعنى أن كل طاعة تنتظم بنية وعمل وكانت النية من جملة الخيرات وكان العمل من جملة الخيرات ولكن النية من جملة الطاعة خير من العمل أى لكل واحد منهما أثر في المقصود وأثر النية أكثر من أثر العمل

فمعناه نية المؤمن من جملة طاعته خير من عمله الذى هو من جملة طاعته والغرض أن للعبد اختيارا في النية وفى العمل فمهما عملان والنية من الجملة خيرهما فهذا معناه
وأما سبب كونها خيرا ومترجحة على العمل فلا يفهمه إلا من فهم مقصد الدين وطريقه ومبلغ أثر الطريق في الاتصال إلى المقصد وقاس بعض الآثار بالبعض حتى يظهر له بعد ذلك الأرجح بالإضافة إلى المقصود
فمن قال الخبز خير من الفاكهة فإنما يعنى به أنه خير بالإضافة إلى مقصود القوت والاغتذاء ولا يفهم ذلك إلا من فهم أن للغذاء مقصدا وهو الصحة والبقاء وأن الأغذية مختلفة الآثار فيها وفهم أثر كل واحد وقاس بعضها بالبعض فالطاعات غذاء للقلوب والمقصود شفاؤها وبقاؤها وسلامتها في الآخرة وسعادتها وتنعمها بلقاء الله تعالى فالمقصد لذة السعادة بلقاء الله فقط ولن يتنعم بلقاء الله إلا من مات محبا لله تعالى عارفا بالله ولن يحبه إلا من عرفه ولن يأنس بربه إلا من طال ذكره له
فالآنس يحصل بدوام الذكر والمعرفة تحصل بدوام الفكر والمحبة تتبع المعرفة بالضرورة ولن يتفرغ القلب لدوام الذكر والفكر إلا إذا فرغ من شواغل الدنيا ولن يتفرغ من شواغلها إلا إذا انقطع عنه شهواتها حتى يصير مائلا إلى الخير مريدا له نافرا عن الشر مبغضا له وإنما يميل إلى الخيرات والطاعات إذا علم أن سعادته في الآخرة منوطة بها كما يميل العاقل إلى القصد والحجامة لعلمه بأن سلامته فيهما
وإذا حصل أصل الميل بالمعرفة فإنما يقوى بالعمل بمقتضى الميل والمواظبة عليه فإن المواظبة على مقتضى صفات القلب وإرادتها بالعمل تجرى مجرى الغذاء والقوت لتلك الصفة حتى تترشح الصفة وتقوى بسببها
فالمائل إلى طلب العلم او طلب الرياسة لا يكون ميله في الابتداء إلا ضعيفا فإن اتبع بمقتضى الميل واشتغل بالعلم وتربية الرياسة والأعمال المطلوبة لذلك تأكيد ميله ورسخ وعسر عليه النزوع وإن خالف مقتضى ميله ضعف ميله وانكسر وربما زال والمحق
بل الذى ينظر إلى وجه حسن مثلا فيميل إليه طبعا لا ضعفا لو تبعه وعمل بمقتضاه فداوم علىالنظر والمجالسة والمخالطة والمحاورة تأكد ميله حتى يخرج أمره عن اختياره فلا يقدر على النزوع عنه ولو فطم نفسه ابتداء وخالف مقتضى ميله لكان ذلك كقطع القوت والغذاء عن صفة الميل ويكون ذلك زبرا ودفعا في وجهه حتى يضعف وينكسر بسببه وينقمع وينمحى
وهكذا جميع الصفات والخيرات والطاعات كلها هى التى تراد بها الآخرة والشرور كلها هى التى تراد بها الدنيا لا الآخرة
وميل النفس إلى الخيرات الأخروية وانصرافها عن الدنيوية هو الذى يفرغها للذكر والفكر ولن يتأكد ذلك إلا بالمواظبة على أعمال الطاعة وترك المعاصى بالجوارح لأن بين الجوارح وبين القلب علاقة حتى إنه يتأثر كل واحد منهما بالآخر فترى العضو إذا أصابته جراحة تألم بها القلب وترى القلب إذا تألم بعلمه بموت عزيز من أعزته أو بهجوم أمر مخوف تأثرت به الأعضاء وارتعدت الفرائض وتغير اللون إلا أن القلب هو الأصل المتبوع فكأنه الأمير والراعى والجوارح كالخدم والرعايا والأتباع
فالجوارح خادمة للقلب بتأكيد صفاتها فيه فالقلب هو المقصود والأعضاء آلات موصلة إلى المقصود ولذلك قال النبى صلى الله عليه و سلمإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد // حديث إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد متفق عليه من حديث النعمان بن بشير وقد تقدم // وقال عليه الصلاة و السلام اللهم أصلح الراعى والرعية // حديث اللهم أصلح الراعى والرعية تقدم ولم أجده // وأراد بالراعى القلب وقال الله تعالى لن ينال لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى

منكم وهى صفة القلب
فمن هذا الوجه يجب لا محالة أن تكون أعمال القلب على الجملة أفضل من حركات الجوارح
ثم يجب أن تكون النية من جملتها أفضل لأنها عبارة عن ميل القلب إلى الخير وإرادته له
وغرضنا من الأعمال بالجوارح أن يعود القلب إرادة الخير ويؤكد فيه الميل إليه ليفرغ من شهوات الدنيا ويكب على الذكر والفكر فبالضرورة يكون خيرا بالإضافة إلىالغرض لأنه متمكن من نفس المقصود وهذا كما أن المعدة إذا تألمت فقد تداوى بأن يوضع الطلاء على الصدر وتداوى بالشرب والدواء الواصل إلى المعدة فالشرب خير من طلاء الصدر لأن طلاء الصدر أيضا إنما أريد به أن يسرى منه الأثر إلى المعدة فما بلاقى عين المعدة فهو خير وأنفع
فهكذا ينبغى أن تفهم تأثير الطاعات كلها إذ المطلوب منها تغيير القلوب وتبديل صفاتها فقط دون الجوارح فلا تظنن أن فى وضع الجبهة على الأرض غرضا من حيث إنه جمع بين الجبهة والأرض بل من حيث إنه بحكم العادة يؤكد صفة التواضع في القلب فإن من يجد في نفسه تواضعا فإذا استكان بأعضائه وصورها بصورة التواضع تأكد تواضعه ومن وجد في قلبه رقة على يتيم فإذا مسح رأسه وقبله تأكد الرقة في قلبه ولهذا لم يكن العمل بغير نية مفيدا أصلا لأن من يمسح رأس يتيم وهو غافل بقلبه أو ظان أنه يمسح ثوبا لم ينتشر من أعضائه أثر الى قلبه لتأكيد الرقة وكذلك من يسجد غافلا وهو مشغول الهم بأعراض الدنيا لم ينتشر من جبهته ووضعها على الأرض أثر إلى قلبه يتأكد به التواضع فكان وجود ذلك كعدمه وما ساوى وجوده عدمه بالإضافة إلى الغرض المطلوب منه يسمى باطلا فيقال العبادة بغير نية باطلة وهذا معناه إذا فعل عن غفلة فإذا قصد به رياء أو تعظيم شخص آخر لم يكن وجوده كعدمه بل زاده شرا فإنه لم يؤكد الصفة المطلوبة تأكيدها حتى أكد الصفة المطلوب قمعها وهي صفة الرياء التي هي من الميل إلى الدنيا فهذا وجه كون النية خير من العمل
وبهذا أيضا يعرف معنى قوله صلى الله عليه و سلممن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة لأن هم القلب هو ميله إلى الخير وانصرافه عن الهوى وحب الدنيا وهى غاية الحسنات وإنما الإتمام بالعمل يزيدها تأكيدا فليس المقصود من إراقة دم القربان الدم واللحم بل ميل القلب عن حب الدنيا وبذلها إيثارا لوجه الله تعالى وهذه الصفة قد حصلت عند جزم النية والهمة وإن عاق عن العمل عائق ف لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم والتقوى ههنا صفة القلب ولذلك قال صلى الله عليه و سلمإن قوما بالمدينة قد شركونا في جهادنا كما تقدم ذكره لأن قلوبهم في صدق إرادة الخير وبذل المال والنفس والرغبة في طلب الشهادة وإعلاء كلمة الله تعالى كقلوب الخارجين فى الجهاد وإنما فارقوهم بالأبدان لعوائق تخص الأسباب الخارجة عن القلب وذلك غير مطلوب إلا لتأكيد هذه الصفات
وبهذه المعاني تفهم جميع الأحاديث التى أوردناها في فضيلة النية فاعرضها عليها لينكشف لك أسرارها فلا نطول بالإعادة
بيان تفصيل الأعمال المتعلقة بالنية
اعلم أن الأعمال وإن انقسمت أقساما كثيرة من فعل وقول وحركة وسكون وجلب ودفع وفكر وذكر وغير ذلك مما لا يتصور إحصاؤه واستقصاؤه فهي ثلاثة أقسام معاص وطاعات ومباحات القسم الأول المعاصي وهي لا تتغير عن موضعها بالنية فلا ينبغي أن يفهم الجاهل ذلك من عموم قوله عليه السلام إنما الأعمال بالنيات فيظن أن المعصية تنقلب طاعة بالنية كالذي يغتاب إنسانا مراعاة لقلب

غيره أو يطعم فقيرا من مال غيره أو يبني مدرسة أو مسجدا أو رباطا بمال حرام وقصده الخير فهذا كله جهل والنية لا تؤثر في إخراجه عن كونه ظلما وعدوانا ومعصية بل قصده الخير بالشر على خلاف مقتضى الشرع شر آخر فإن عرفه فهو معاند للشرع وإن جهله فهو عاص بجهله إذ طلب العلم فريضة على كل مسلم والخيرات إنما يعرف كونها خيرات للشرع فكيف يمكن أن يكون الشر خير هيهات بل المروج لذلك على القلب خفى الشهوة وباطن الهوى فإن القلب إذا كان مائلا إلى طلب الجاه واستمالة قلوب الناس وسائر حظوظ النفس توسل الشيطان به إلى التلبيس على الجاهل ولذلك قال سهل رحمه الله تعالى ما عصى الله تعالى بمعصية أعظم من الجهل قيل يا أبا محمد هل تعرف شيئا أشد من الجهل قال نعم الجهل بالجهل
وهو كما قال لأن الجهل بالجهل يسد بالكلية باب التعلم فمن يظن بالكلية بنفسه أنه عالم فكيف يتعلم وكذلك أفضل ما أطيع الله تعالى به العلم ورأس العلم العلم بالعلم كما أن رأس الجهل الجهل بالجهل
فإن من لا يعلم العلم النافع من العلم الضار اشتغل بما أكب الناس عليه من العلوم المزخرفة التى هى وسائلهم إلى الدنيا وذلك هو مادة الجهل ومنبع فساد العالم والمقصود أن من قصد الخير بمعصية عن جهل فهو غير معذور إلا إذا كان قريب العهد بالإسلام ولم يجد بعد مهلة للتعلم
وقد قال الله سبحانه فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وقال النبي صلى الله عليه و سلملا يعذر الجاهل على الجهل ولا يحل للجاهل أن يسكت على جهله ولا للعالم أن يسكت على علمه // حديث لا يعذر الجاهل على الجهل ولا يحل للجاهل أن يسكت على جهله الحديث أخرجه الطبرانى في الأوسط وابن السنى وأبو نعيم في رياضة المتعلمين من حديث جابر بسند ضعيف دون قوله لا يعذر الجاهل على الجهل وقال لا ينبغى بدل ولا يحل وقد تقدم في العلم //
ويقرب من تقرب السلاطين ببناء المساجد والمدارس بالمال الحرام تقرب العلماء السوء بتعليم العلم للسفهاء والأشرار المشغولين بالفسق والفجور القاصرين هممهم على مماراة العلماء ومباراة السفهاء واستمالة وجوه الناس وجمع حطام الدنيا وأخذ أموال السلاطين واليتامى والمساكين فإن هؤلاء إذا تعلموا كانوا قطاع طريق الله تعالى وانتهض كل واحد منهم في بلدته نائبا عن الدجال يتكالب على الدنيا ويتبع الهوى ويتباعد عن التقوى ويستجرى الناس بسبب مشاهدته على معاصى الله تعالى ثم قد ينتشر ذلك العلم إلى مثله وأمثاله ويتخذونه أيضا آلة ووسيلة في الشر واتباع الهوى ويتسلسل ذلك ووبال جميعه يرجع إلى المعلم الذى علمه العلم مع علمه بفساد نيته وقصده ومشاهدته أنواع المعاصى من أقواله وأفعاله وفي مطعمه وملبسه ومسكنه فيموت هذا العالم وتبقى آثار شره منتشرة في العالم ألف سنة مثلا وألفى سنة وطوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه ثم العجب من جهله حيث يقول إنما الأعمال بالنيات وقد قصدت بذلك نشر علم الدين فإن استعمله هو في الفساد فالمعصية منه لا منى وما قصدت به إلا أن يستعين به على الخير
وإنما حب الرياسة والاستتباع والتفاخر بعلو العلم يحسن ذلك في قلبه والشيطان بواسطة حب الرياسة يلبس عليه وليت شعرى ما جوابه عمن وهب سيفا من قاطع طريق وأعد له خيلا وأسبابا يستعين بها على مقصوده ويقول إنما أردت البذل والسخاء والتخلق بأخلاق الله الجميلة وقصدت به أن يغزو بهذا السيف والفرس في سبيل الله تعالى فإن إعداد الخيل والرباط والقوة للغزاة من أفضل القربات فإن هو صرفه إلى قطع الطريق فهو العاصى
وقد أجمع الفقهاء على أن ذلك حرام مع أن السخاء هو أحب الأخلاق إلى الله تعالى حتى قال رسول الله صلى الله عليه و سلمإن لله تعالى ثلثمائة خلق من تقرب إليه

بواحد منها دخل الجنة وأحبها إليه السخاء // حديث إن لله ثلثمائة خلق من تقرب إليه بواحد منها دخل الجنة وأحبها إليه السخاء تقدم فى كتاب المحبة والشوق // فليت شعرى لم حرم هذا السخاء ولم وجب عليه أن ينظر إلى قرينه الحال من هذا الظالم فإذا لاح له من عادته أنه يستعين بالسلاح على الشر فينبغى أن يسعى فى سلب سلاحه لا أن يمده بغيره والعلم سلاح يقاتل به الشيطان وأعداء الله تعالى وقد يعاون به أعداء الله عز و جل وهو الهوى فمن لا يزال مؤثرا لدنياه على دينه ولهواه على اخرته وهو عاجز عنها لقلة فضله فكيف يجوز إمداده بنوع علم يتمكن به من الوصول إلى شهواته بل لم يزل علماء السلف رحمهم الله تعالى يتفقدون أحوال من يتردد إليهم فلو رأوا منه تقصيرا فى نفل من النوافل أنكروه وتركوا إكرامه وإذا رأوا منه فجورا واستحلال حرام هجروه ونفوه عن مجالسهم وتركوا تكليمه فضلا عن تعليمه لعلمهم بأن من تعلم مسألة ولم يعمل بها وجاوزها إلى غيرها فليس يطلب إلا آلة الشر وقد تعوذ جميع السلف بالله تعالى من الفاجر العالم بالسنة وما تعوذوا من الفاجر الجاهل حكى عن بعض أصحاب أحمد بن حنبل رحمه الله أنه كان يتردد إليه سنين ثم اتفق أن أعرض عنه أحمد وهجره وصار لا يكلمه فلم يزل يسأله عن تغيره عليه وهو لا يذكره حتى قال بلغني أنك طينت حائط دارك من جانب الشارع وقد أخذت قدر سمك الطين وهو أنملة من شارع المسلمين فلا تصلح لنقل العلم فهكذا كانت مراقبة السلف لأحوال طلاب العلم وهذا وأمثاله مما يلتبس على الأغبياء وأتباع الشيطان وإن كانوا أرباب الطيالسة والأكمام الواسعة وأصحاب الألسنة الطويلة والفضل الكثير أعني الفضل من العلوم التى لا تشتمل على التحذير من الدنيا والزجر عنها والترغيب في الآخرة والدعاء إليها بل هي العلوم التى تتعلق بالخلق ويتوصل بها إلى جمع الحطام واستتباع الناس والتقدم على الأقران
فإذن قوله عليه السلام إنما الأعمال بالنيات يختص من الأقسام الثلاثة بالطاعات والمباحات دون المعاصي اذ الطاعة تنقلب معصية بالقصد والمباح ينقلب معصية وطاعة بالقصد فأما المعصية فلا تنقلب طاعة بالقصد أصلا نعم للنية دخل فيها وهو أنه إذا انضاف إليها قصود خبيثة تضاعف وزرها وعظم وبالها كما ذكرنا ذلك في كتاب التوبة
القسم ا لثاني الطاعات وهي مرتبطة بالنيات في أصل صحتها وفي تضاعف فضلها أما الأصل فهو أن ينوى بها عبادة الله تعالى لا غير فإن نوى الرياء صارت معصية وأما تضاعف الفضل فبكثرة النيات الحسنة فإن الطاعة الواحدة يمكن أن ينوى بها خيرات كثيرة فيكون له بكل نية ثواب إذ كل واحدة منها حسنة ثم تضاعف كل حسنة عشر أمثالها // حديث تضعيف الحسنة بعشر أمثالها تقدم // كما ورد به الخبر
ومثاله القعود فى المسجد فإنه طاعة ويمكن أن ينوى فيه نيات كثيرة حتى يصير من فضائل أعمال المتقين ويبلغ به درجات المقربين أولها أن يعتقد أنه بيت الله وأن داخله زائر الله فيقصد به زيارة مولاه رجاء لما وعده به رسول الله صلى الله عليه و سلم حيث قال من قعد فى المسجد فقد زار الله تعالى وحق على المزور أن يكرم زائره // حديث من قعد في المسجد فقد زار الله تعالى وحق على المزور إكرام زائره أخرجه ابن حبان في الضعفاء من حديث سلمان وللبيهقي فى الشعب نحوه من رواية جماعة من الصحابة لم يسموا بإسناد صحيح وقد تقدما في الصلاة // وثانيها أن ينتظر الصلاة بعد الصلاة فيكون في جملة انتظاره في الصلاة وهو معنى قوله تعالى ورابطوا وثالثها الترهب بكف السمع والبصر والأعضاء عن الحركات والترددات فإن الاعتكاف كف وهو في معنى

الصوم وهو نوع ترهب ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه و سلمرهبانية أمتي القعود في المساجد // حديث رهبانية أمتي القعود في المساجد لم أجد له أصلا // ورابعها عكوف الهم على الله ولزوم السر للفكر في الآخرة ودفع الشواغل الصارفة عنه بالاعتزال إلى المسجد وخامسها التجرد لذكر الله أو لاستماع ذكره وللتذكر به كما روي في الخبر من غدا إلى المسجد ليذكر الله تعالى أو يذكر به كان كالمجاهد في سبيل الله تعالى // حديث من غدا إلى المسجد يذكر الله أو يذكر به كان كالمجاهد في سبيل الله تعالى هو معروف من قول كعب الأحبار رويناه في جزء ابن طوق وللطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيرا أو يعلمه كان له كأجر حاج تاما حجه وإسناده جيد وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلا كلما غدا أو راح // وسادسها أن يقصد إفادة العلم بأمر بمعروف ونهي عن منكر إذ المسجد لا يخلو عمن يسئ في صلاته أو يتعاطى مالا يحل له فيأمره بالمعروف ويرشده إلى الدين فيكون شريكا معه في خيره الذي يعلم منه فتتضاعف خيراته وسابعها أن يستفيد أخا في الله فإن ذلك غنيمة وذخيرة للدار الآخرة والمسجد معشش أهل الدين المحبين لله وفي الله وثامنها أن يترك الذنوب حياء من الله تعالى وحياء من أن يتعاطى في بيت الله ما يقتضي هتك الحرمة وقد قال الحسن بن علي رضي الله عنهما من أدمن الاختلاف إلى المسجد رزقه الله إحدى سبع خصال أخا مستفادا في الله أو رحمة مستنزلة أو علما مستظرفا أو كلمة تدل على هدى أو تصرفه عن ردى أو يترك الذنوب خشية أو حياء فهذا طريق تكثير النيات وقس به سائر الطاعات والمباحات إذ ما من طاعة إلا وتحتمل نيات كثيرة وإنما تحضر في قلب العبد المؤمن بقدر جده في طلب الخير وتشمره له وتفكر فيه فبهذا تزكوا الأعمال وتتضاعف الحسنات القسم الثالث المباحات وما من شىء من المبحاثات إلا ويحتمل نية أو نيات يصير بها من محاسن القربات وينال بها معالي الدرجات فما أعظم خسران من يغفل عنها ويتعاطاها تعاطي البهائم المهملة عن سهو وغفلة ولا ينبغي أن يستحقر العبد شيئا من الخطرات والخطوات واللحظات فكل ذلك يسئل عنه يوم القيامة أنه لم فعله وما الذي قصد به هذا في مباح محض لا يشوبه كراهة ولذلك قال صلى الله عليه و سلم حلالها حساب وحرامها عقاب // حديث حلالها حساب وحرامها عذاب تقدم // وفي حديث معاذ بن حبل أن النبي صلى الله عليه و سلم قال إن العبد ليسأل يوم القيامة عن كل شىء حتى عن كحل عينيه وعن فتات الطينة بأصبعيه وعن لمسه ثوب أخيه // حديث معاذ إن العبد ليسأل يوم القيامة عن كل شىء حتى عن كحل عينيه وعن فتات الطين بأصبعيه وعن لمسه ثوب أخيه لم أجد له إسنادا // وفي خبر آخر من تطيب لله تعالى جاء يوم القيامة وريحه أطيب من المسك ومن تطيب لغير الله تعالى جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة فاستعمال الطيب مباح ولكن لا بد فيه من نية فإن قلت فما الذي يمكن أن ينوي بالطيب وهو حظ من حظوظ النفس وكيف يتطيب لله فاعلم أن من يتطيب مثلا يوم الجمعة وفي سائر الأوقات يتصور أن يقصد التنعم بلذات الدنيا أو يقصد به إظهار التفاخر بكثرة المال ليحسده الأقران أو يقصد به رياء الخلق ليقوم له الجاه فى قلوبهم ويذكر بطيب الرائحة أو ليتودد به إلى قلوب النساء الأجنبيات إذا كان مستحلا للنظر إليهن ولأمور أخرى لا تحصى وكل هذا يجعل التطيب معصية فبذلك يكون أنتن من الجيفة في القيامة إلا القصد الأول وهو التلذذ والتنعم فإن ذلك ليس بمعصية إلا أنه يسئل عنه ومن

نوقش الحساب عذب ومن أتى شيئا من مباح الدنيا لم يعذب عليه في الآخرة ولكن ينقص من نعيم الآخرة له بقدره وناهيك خسرانا بأن يستعجل ما يفنى ويخسر زيادة نعيم لا يفنى
وأما النية الحسنة فإنه ينوى به اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم الجمعة // حديث إن لبس الثياب الحسنة يوم الجمعة سنة أخرجه أبو داود والحاكم وصححه من حديث أبي هريرة وأبي سعيد من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب إن كان عنده ولبس أحسن ثيابه الحديث ولأبي داود وابن ماجه من حديث عبد الله ابن سلام ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته وفي إسناده اختلاف وفي الصحيحين أن عمر رأى حلة سيراء عند باب المسجد فقال يا رسول الله لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة الحديث // وينوي بذلك أيضا تعظيم المسجد واحترام بيت الله فلا يرى أن يدخله زائرا لله إلا طيب الرائحة وأن يقصد به ترويح جيرانه ليستريحوا فى المسجد عند مجاورته بروائحه وأن يقصد به دفع الروائح الكريهة عن نفسه التى تؤدي إلى إيذاء مخالطيه وأن يقصد حسم باب الغيبة عن المغتابين إذا اغتابوه بالروائح الكريهة فيعصون الله بسببه فمن تعرض للغيبة وهو قادر على الاحتراز منها فهو شريك في تلك المعصية كما قيل
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ... ان لا تفارقهم فالراحلون هم
وقال الله تعالى ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم أشار به إلى أن التسبب إلى الشر شر وأن يقصد به معالجة دماغه لتزيد به فطنته وذكاؤه ويسهل عليه درك مهمات دينه بالفكر فقد قال الشافعي رحمه الله من طاب ريحه زاد عقله
فهذا وأمثاله من النيات لا يعجز الفقيه عنها إذا كانت تجارة الآخرة وطلب الخير غالبة على قلبه وإذا لم يغلب على قلبه إلا نعيم الدنيا لم تحضره هذه النيات وإن ذكرت له لم ينبعث لها قلبه فلا يكون معه منها إلا حديث النفس وليس ذلك من النية في شىء
والمباحات كثيرة ولا يمكن إحصاء النيات فيها فقس بهذا الواحد ما عداه ولهذا قال بعض العارفين من السلف إني أستحب أن يكون لي في كل شىء نية حتى فى أكلي وشربي ونومي ودخولي إلى الخلاء وكل ذلك مما يمكن أن يقصد به التقرب إلى الله تعالى لأن كل ما هو سبب لبقاء البدن وفراغ القلب من مهمات البدن فهو معين على الدين فمن قصده من الأكل التقوي على العبادة ومن الوقاع تحصين دينه وتطييب قلب أهله والتوصل به إلى نسل صالح يعبد الله تعالى بعده فتكثر به أمة محمد صلى الله عليه و سلم كان مطيعا بأكله ونكاحه وأغلب حظوظ النفس الأكل والوقاع وقصد الخير بهما غير ممتنع لمن غلب على قلبه هم الآخرة ولذلك ينبغي أن يحسن نيته مهما ضاع له مال ويقول هو في سبيل الله وإذا بلغه اغتياب غيره له فليطيب قلبه بأنه سيحمل سيآته وستنقل إلى ديوانه حسناته ولينوي ذلك بسكوته عن الجواب
ففي الخبر إن العبد ليحاسب فتبطل أعماله لدخول الآفة فيها حتى يستوجب النار ثم ينشر له من الأعمال الصالحة ما يستوجب به الجنة فيتعجب ويقول يا رب هذه أعمال ما عملتها قط فيقال هذه أعمال الذين اغتابوك وآذوك وظلموك // حديث ان العبد ليحاسب فتبطل أعماله لدخول الآفة فيها حتى يستوجب النار ثم ينشر له من الأعمال الحسنة ما يستوجب به الجنة الحديث وفيه هذه أعمال الذين اغتابوك الحديث أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من طريق أبي نعيم من حديث شيث بن سعد البلوي مختصرا ان العبد ليلقي كتابه يوم القيامة منتشرا فينظر فيه فيرى حسنات لم يعملها فيقول هذا لي ولم أعملها فيقال بما اغتابك الناس وأنت لا تشعر وفيه ابن لهيعة // وفي الخبر إن العبد ليوافي القيامة بحسنات أمثال الجبال لو خلصت له لدخل الجنة فيأتي وقد ظلم هذا وشتم هذا وضرب هذا فيقتص لهذا من حسناته ولهذا من حسناته حتى لا يبقي له حسنة فتقول الملائكة قد فنيت حسناته وبقي طالبون فيقول الله تعالى ألقوا عليه من

سيآتهم ثم صكوا له صكا إلى النار // حديث ان العبد ليوافى القيامة بحسنات أمثال الجبال وفيه ويأتى قد ظلم هذا وشتم هذا الحديث تقدم مع اختلاف // وبالجملة فإياك ثم إياك أن تستحقر شيئا من حركاتك فلا تحترز من غرورها وشرورها ولا تعد جوابها يوم السؤال والحساب فإن الله تعالى مطلع عليك وشهيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد وقال بعض السلف كتبت كتابا وأردت أن أتربه من حائط جار لى فتحرجت ثم قلت تراب وما تراب فتربته فهتف بي هاتف سيعلم من استخف بتراب جاره ما يلقى غدا من سوء الحساب
وصلى رجل مع الثورى فرآه مقلوب الثوب فعرفه فمد يده ليصلحه ثم قبضها فلم يسوه فسأله عن ذلك فقال إنى لبسته لله تعالى ولا أريد أن أسويه لغير الله
وقد قال الحسن إن الرجل ليتعلق بالرجل يوم القيامة فيقول بينى وبينك الله فيقول والله ما أعرفك فيقول بلى أنت أخذت لبنة من حائطى وأخذت خيطا من ثوبى
فهذا وأمثاله من الأخبار قطع قلوب الخائفين فإن كنت من اولى العزم والنهى ولم تكن من المغترين فانظر لنفسك الآن ودقق الحساب على نفسك قبل أن يدقق عليك وراقب أحوالك ولا تسكن ولا تتحرك ما لم تتأمل أولا أنك لم تتحرك وماذا تقصد وما الذى تنال به من الدنيا وما الذى يفوتك من الآخرة وبماذا ترجح الدنيا على الآخرة فإذا علمت أنه لا باعث إلا الدين فأمض عزمك وما خطر ببالك وإلا فأمسك ثم راقب أيضا قلبك في إمساكك وإمتناعك فإن ترك الفعل فعل ولا بد له من نيه صحيحه فلا ينبغي أن يكون الداعي هوى خفي لا يطلع عليه ولا يغرنك ظواهر الأمور ومشهورات الخيرات وافطن للأغوار والأسرار تخرج من حيز أهل الإغترار
فقد روى عن زكريا عليه السلام أنه كان يعمل في حائط بالطين وكان أجيرا لقوم فقدموا له رغيفا إذ كان لا يأكل إلا من كسب يده فدخل عليه قوم فلم يدعهم إلى الطعام حتى فرغ فتعجبوا منه لما علموا من سخائه وزهده وظنوا أن الخير في طلب المساعدة في الطعام فقال إنى أعمل لقوم بالأجرة وقدموا إلى الرغيف لأتقوى به على عملهم فلو أكلتم معى لم يكفكم ولم يكفنى وضعفت عن عملهم فالبصير هكذا ينظر في البواطن بنور الله فإن ضعفه عن العمل نقص في فرض وترك الدعوة إلى الطعام نقص في فضل ولا حكم للفضائل مع الفرائض وقال بعضهم دخلت على سفيان وهو يأكل فما كلمنى حتى لعق أصابعه ثم قال لولا أنى أخذته بدين لأحببت أن تأكل منه
وقال سفيان من دعا رجلا إلى طعامه وليس له رغبة أن يأكل منه فإن أجابه فأكل فعليه وزران وإن لم يأكل فعليه وزر واحد وأراد بأحد الوزرين النفاق وبالثانى تعريضه أخاه لما يكره لو علمه
فهكذا ينبغى أن يتفقد العبد نيته في سائر الأعمال فلا يقدم ولا يحجم إلا بنية فإن لم تحضره النية توقف فإن النية لا تدخل تحت الاختيار
بيان أن النية غير داخلة تحت الاختيار
أعلم أن الجاهل يسمع ما ذكرناه من الوصية بتحسين النية وتكثيرها مع قوله صلى الله عليه و سلم إنما الأعمال بالنيات فيقول في نفسه عند تدريسه أو تجارته أو أكله نويت أن أدرس لله أو آكل لله
ويظن ذلك نية وهيهات فذلك حديث نفس وحديث لسان وفكر أو انتقال من خاطر إلى خاطر والنية بمعزل من جميع ذلك وإنما النية انبعاث النفس وتوجهها وميلها إلى ما ظهر لها أن فيه غرضها إما عاجلا وإما آجلا
والميل إذا لم يكن لا يمكن اختراعه واكتسابه بمجرد الإرادة بل ذلك كقول الشبعان نويت أن أشتهى الطعام وأميل إليه أو قول الفارغ نويت أن أعشق فلانا وأحبه وأعظمه بقلبى فذلك محال
بل لا طريق إلى اكتساب

صرف القلب إلى الشىء وميله إليه وتوجهه نحوه إلا باكتساب أسبابه وذلك مما قدم يقدر عليه وقد لايقدر عليه
وإنما تنبعث النفس إلى الفعل إجابة للغرض الباعث الموافق للنفس الملائم لها وما لم يعتقد الإنسان أن غرضه منوط بفعل من الأفعال فلا يتوجه نحوه قصده
وذلك مما لا يقدر على اعتقاده في كل حين وإذا اعتقد فإنما يتوجه القلب إذا كان فارغا غير مصروف عنه بغرض شاغل أقوى منه وذلك لا يمكن في كل وقت والدواعى والصوارف لها أسباب كثيرة بها تجتمع ويختلف ذلك بالأشخاص وبالأحوال وبالأعمال
فإذا غلبت شهوة النكاح مثلا ولم يعتقد غرضا صحيحا في الولد دينا ولا دنيا لا يمكنه أن يواقع على نية الولد بل لا يمكن إلا على نية قضاء الشهوة إذ النية هى إجابة الباعث ولا باعث إلا الشهوة فكيف ينوى الولد وإذا لم يغلب على قلبه أن إقامة سنة النكاح // حديث ان النكاح سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم تقدم في آداب النكاح // اتباعا لرسول الله صلى الله عليه و سلم يعظم فضلها لا يمكن أن ينوى بالنكاح اتباع السنة إلا أن يقول ذلك بلسانه وقلبه وهو حديث محض ليس بنية نعم طريق اكتساب هذه النية مثلا أن يقوى أولا إيمانه بالشرع ويقوى إيمانه بعظم ثواب من سعى في تكثير أمة محمد صلى الله عليه و سلم ويدفع عن نفسه جميع المنفرات عن الولد من ثقل المؤنة وطول التعب وغيره فإذا فعل ذلك ربما انبعث من قلبه رغبة إلى تحصيل الولد للثواب فتحركه تلك الرغبة وتتحرك أعضاؤه لمباشرة العقد فإذا انتهضت القدرة المحركة للسان بقبول العقد طاعة لهذا الباعث الغالب على القلب كان ناويا فإن لم يكن كذلك فما يقدره في نفسه ويردده في قلبه من قصد الولد وسواس وهذيان
ولهذا امتنع جماعة من السلف من جملة من الطاعات إذ لم تحضرهم النية وكانوا يقولون ليس تحضرنا فيه نية حتى إن ابن سيرين لم يصل على جنازة الحسن البصرى وقال ليس تحضرنى نية
ونادى بعضهم امرأته وكان يسرح شعره أن هات المدرى فقالت أجىء بالمرآة فسكت ساعة ثم قال نعم فقيل له في ذلك فقال كان لي في المدرى نية ولم تحضرنى في المرآة نية فتوقفت حتى هيأها الله تعالى
ومات حماد بن سليمان وكان أحد علماء أهل الكوفة فقيل للثورى ألا تشهد جنازته فقال لو كان لى نية لفعلت وكان أحدهم إذا سئل عملا من أعمال البر يقول إن رزقنى الله تعالى نية فعلت
وكان طاوس لا يحدث إلا بنية وكان يسئل أن يحدث فلا يحدث ولا يسئل فيبتدئ فقيل له في ذلك قال
أفتحبون أن أحدث بغير نية إذا حضرتنى نية فعلت
وحكى أن داود بن المحبر لما صنف كتاب العقل جاءه أحمد بن حنبل فطلبه منه فنظر فيه أحمد صفحا ورده فقال مالك قال فيه أسانيد ضعاف فقال له داود أنا لم أخرجه على الأسانيد فانظر فيه بعين الخبر إنما نظرت فيه بعين العمل فانتفعت قال أحمد فرده على حتى أنظر فيه بالعين التى نظرت فأخذه ومكث عنده طويلا ثم قال جزاك الله خيرا فقد انتفعت به
وقيل لطاوس ادع لنا فقال حتى أجد له نية
وقال بعضهم أنا في طلب نية لعيادة رجل منذ شهر فما صحت لي بعد
وقال عيسى بن كثير مشيت مع ميمون بن مهران فلما انتهى إلى باب داره انصرفت فقال ابنه ألا تعرض عليه العشاء قال ليس من نيتي
وهذا لأن النية تتبع النظر فإذا تغير النظر تغيرت النية وكانوا لا يرون أن يعملوا عملا إلا بنية لعلمهم بأن النية روح العمل وأن العمل بغير نية صادقة رياء وتكلف وهو سبب مقت لا سبب قرب وعلموا أن النية ليست هي قول القائل بلسانه نويت بل هو انبعاث القلب يجري مجرى الفتوح من الله تعالى فقد تتيسر في بعض

الأوقات وقد تتعذر في بعضها نعم من كان الغالب على قلبه أمر الدين تيسر عليه في أكثر الاحوال إحضار النية للخيرات فإن قلبه مائل بالجملة إلى أصل الخير فينبعث إلى التفاصيل غالبا
ومن مال قلبه إلى الدنيا وغلبت عليه لم يتيسر له ذلك بل لا يتيسر له في الفرائض إلا بجهد جهيد وغايته أن يتذكر النار ويحذر نفسه عقابها أو نعيم الجنة ويرغب نفسه فيها فربما تنبعث له داعية ضعيفة فيكون ثوابه بقدر رغبته ونيته
وأما الطاعة على نية إجلال الله تعالى لاستحقاقه الطاعة والعبودية فلا تتيسر للراغب في الدنيا وهذه أعز النيات وأعلاها ويعز على بسيط الارض من يفهمها فضلا عمن يتعاطاها
ونيات الناس في الطاعات أقسام إذ منهم من يكون عمله إجابة لباعث الخوف فإنه يتقي النار
ومنهم من يعمل إجابة لباعث الرجاء وهو الرغبة في الجنة وهذا وإن كان نازلا بالإضافة إلى قصد طاعة الله وتعظيمه لذاته ولجلاله لا لأمر سواه فهو من جملة النيات الصحيحة لأنه ميل إلى الموعود في الآخرة وإن كان من جنس المألوفات في الدنيا وأغلب البواعث باعث الفرج والبطن وموضع قضاء وطرهما الجنة فالعامل لأجل الجنة عامل لبطنه وفرجه كالأجير السوء ودرجته درجة البله
وإنه لينالها بعمله إذ أكثر أهل الجنة البله وأما عبادة ذوي الألباب فإنها لا تجاوز ذكر الله تعالى والفكر فيه لجماله لماله وجلاله وسائر الأعمال تكون مؤكدات وروادف وهؤلاء ارفع درجة من الالتفات إلى المنكوح والمطعوم في الجنة فإنهم لم يقصدوها بل هم الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه فقط وثواب الناس بقدر نياتهم فلا جرم يتنعمون بالنظر إلى وجهه الكريم ويسخرون ممن يلتفت إلى وجه الحور العين كما يسخر المتنعم بالنظر إلى الحور العين ممن يتنعم بالنظر إلى وجه الصور المصنوعة من الطين بل أشد فإن التفاوت بين جمال حضرة الربوبية وجمال الحور العين أشد وأعظم كثيرا من التفاوت بين جمال الحور العين والصور المصنوعة من الطين بل استعظام النفوس البهيمية الشهوانية لقضاء الوطر من مخالطة الحسان وإعراضهم عن جمال وجه الله الكريم يضاهي استعظام الخنفساء لصاحبتها وإلفها لها وإعراضها عن النظر الى جمال وجوه النساء فعمى أكثر القلوب عن ابصار جمال الله وجلاله يضاهي عمى الخنفساء عن ادراك جمال النساء بأنها لا تشعر به أصلا ولا تلتفت اليه ولو كان لها عقل وذكرن لها لاستحسنت عقل من يلتفت اليهن ولا يزالون مختلفين كل حزب بما لديهم فرحون ولذلك خلقهم
حكى أن أحمد بن خضرويه رأى ربه عز و جل في المنام فقال له كل الناس يطلبون مني الجنة إلا أبا يزيد فإنه يطلبني ورأى أبو يزيد ربه في المنام فقال يا رب كيف الطريق اليك فقال اترك نفسك وتعال إلي
ورؤى الشبلي بعد موته في المنام فقيل له ما فعل الله بك فقال لم يطالبني على الدعاوي بالبرهان إلا على قول واحد قلت يوما أي خسارة أعظم من خسران الجنة فقال أي خسارة أعظم من خسران لقائي
والغرض أن هذه النيات متفاوتة الدرجات ومن غلب على قلبه واحدة منها ربما لا يتيسر له العدول ألى غيرها
ومعرفة هذه الحقائق تورث أعمالا وأفعالا لا يستنكرها الظاهريون من الفقهاء فإنا نقول من حضرت له نية في مباح ولم تحضر في فضيلة فالمباح أولى وانتقلت الفضيلة أليه وصارت الفضيلة في حقه نقيصة لأن الأعمال بالنيات
وذلك مثل العفو فإنه أفضل من الانتصار في الظلم وربما تحضره نية في الانتصار دون العفو فيكون ذلك أفضل
ومثل أن يكون له نية في الأكل والشرب والنوم ليريح نفسه ويتقوى على العبادات في المستقبل وليس تنبعث نيته في الحالين للصوم والصلاة فالأكل والشرب والنوم هو الأفضل له
بل لو مل العبادة

لمواظبته عليها وسكن نشاطه وضعفت رغبته وعلم أنه لو ترفه ساعة بلهو وحديث عاد نشاطه فاللهو أفضل له من الصلاة
قال أبو الدرداء إني لأستجم نفسي بشىء من اللهو فيكون ذلك عونا لي على الحق وقال علي كرم الله وجهه روحوا القلوب فإنها إذا أكرهت عميت
وهذه دقائق لا يدركها إلا سماسرة العلماء دون الحشوية منهم بل الحاذق بالطب قد يعالج المحرور باللحم مع حرارته ويستبعده القاصر في الطب وإنما يبتغي به أن يعيد أولا قوته ليحتمل المعالجة بالضد والحاذق في لعب الشطرنج مثلا قد ينزل عن الرخ والفرس مجانا ليتوصل بذلك إلى الغلبة والضعيف البصيرة قد يضحك به ويتعجب منه
وكذلك الخبير بالقتال قد يفر بين يدي قرينه ويوليه دبره حيلة منه ليستجره إلى مضيق فيكر عليه فيقهره
فكذلك سلوك طريق الله تعالى كله قتال مع الشيطان ومعالجة للقلب والبصير الموفق يقف فيها على لطائف من الحيل يستبعدها الضعفاء فلا ينبغي للمريد أن يضمر إنكارا على ما يراه من شيخه ولا للمتعلم أن يعترض على أستاذه بل ينبغي أن يقف عند حد بصيرته ومالا يفهمه من أحوالهما يسلمه لهما إلى أن ينكشف له أسرار ذلك بأن يبلغ رتبتهما وينال درجتهما ومن الله حسن التوفيق
الباب الثاني فى الاخلاص وفضيلته وحقيقته ودرجاته
فضيلة الإخلاص
قال الله تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين وقال ألا لله الدين الخالص وقال تعالى إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله وقال تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا نزلت فيمن يعمل لله ويحب أن يحمد عليه وقال النبي صلى الله عليه و سلمثلاث لا يغل عليهن قلب رجل مسلم إخلاص العمل لله // حديث ثلاث لا يغل عليهن قلب رجل مسلم اخلاص العمل لله أخرجه الترمذى وصححه من حديث النعمان بن بشير // وعن مصعب بن سعد عن أبيه قال ظن أبى أن له فضلا على من هو دونه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال النبى صلى الله عليه و سلمإنما نصر الله عز و جل هذه الأمة بضعفائها ودعوتهم وإخلاصهم // حديث مصعب بن سعد عن أبيه أنه ظن أن له فضلا على من دونه من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم فقال النبي صلى الله عليه و سلمإنما نصر الله هذه الأمة بضعفائها ودعوتهم وإخلاصهم رواه النسائى وهو عند البخارى بلفظ هل تنصرون وترزقون الا بضعفائكم // وعن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلميقول الله تعالى الإخلاص سر من سرى استودعته قلب من أحببت من عبادى // حديث الحسن مرسلا يقول الله تعالى الإخلاص سر من سرى استودعته قلب من أحببت من عبادى رويناه في جزء من مسلسلات القزوينى مسلسلا يقول كل واحد من رواته سألت فلانا عن الإخلاص فقال وهو من رواية أحمد بن عطاء الهجيمى عن عبد الواحد بن زيد عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه و سلم عن جبريل عن الله تعالى وأحمد بن عطاء وعبد الواحد كلاهما متروك وهما من الزهاد ورواه أبو القاسم القشيري في الرسالة من حديث على بن أبى طالب بسند ضعيف // وقال على بن أبى طالب كرم الله وجهه لاتهتموا لقلة العمل واهتموا للقبول فإن النبي صلى الله عليه و سلم قال لمعاذ بن جبل أخلص العمل يجزك منه القليل // حديث أنه قال لمعاذ اخلص العمل يجزك منه القليل أخرجه أبو منصور الديلمى في مسند الفردوس من حديث معاذ واسناده منقطع // وقال عليه السلام ما من عبد يخلص لله العمل أربعين يوما إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه // حديث ما من عبد يخلص لله أربعين يوما أخرجه ابن عدى ومن طريقه ابن الجوزى في الموضوعات عن أبى موسى وقد تقدم //

وقال عليه الصلاة و السلام أول من يسئل يوم القيامة ثلاثة رجل آتاه الله العلم فيقول الله تعالى ما صنعت فيما علمت فيقول يارب كنت أقوم آناء الليل وأطراف النهار فيقول الله تعالى كذبت وتقول الملائكة كذبت بل أردت أن يقال فلان عالم ألا فقد قيل ذلك
ورجل آتاه الله مالا فيقول الله تعالى لقد أنعمت عليك فماذا صنعت فيقول يارب كنت أتصدق به آناء الليل وأطراف النهار فيقول الله تعالى كذبت وتقول الملائكة كذبت بل أردت أن يقال فلان جواد ألا فقد قيل ذلك
ورجل قتل في سبيل الله تعالى فيقول الله تعالى ماذا صنعت فيقول يارب أمرت بالجهاد فقاتلت حتى قتلت فيقول الله كذبت وتقول الملائكة كذبت بل أردت أن يقال فلان شجاع ألا فقد قيل ذلك قال أبو هريرة ثم خبط رسول الله صلى الله عليه و سلم فخذى وقال يا أبا هريرة أولئك أول خلق تسعر نار جهنم بهم يوم القيامة // حديث أول من يسئل يوم القيامة ثلاثة رجل آتاه الله العلم الحديث قد تقدم // فدخل راوى هذا الحديث على معاوية وروى له ذلك فبكى حتى كادت نفسه تزهق ثم قال صدق الله إذ قال من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها الآية
وفي الإسرائيليات أن عابدا كان يعبد الله دهرا طويلا فجاءه قوم فقالوا إن ههنا قوما يعبدون شجرة من دون الله تعالى فغضب لذلك وأخذ فأسه على عاتقه وقصد الشجرة ليقطعها فاستقبله إبليس في صورة شيخ فقال أين تريد رحمك الله قال أريد أن أقطع هذه الشجرة قال وما أنت وذاك تركت عبادتك واشتغالك بنفسك وتفرغت لغير ذلك فقال إن هذا من عبادتى قال فإنى لا أتركك أن تقطعها فقاتله فأخذه العابد فطرحه إلى الأرض وقعد على صدره فقال له إبليس أطلقنى حتى أكلمك فقام عنه فقال إبليس يا هذا إن الله تعالى قد أسقط عنك هذا ولم يفرضه عليك وما تعبدها أنت وما عليك من غيرك ولله تعالى أنبياء في أقاليم الأرض ولو شاء لبعثهم إلى أهلها وأمرهم بقطعها فقال العابد لا بد لى من قطعها فنابذه للقتال فغلبه العابد وصرعه وقعد على صدره فعجز إبليس فقال له هل لك في أمر فصل بينى وبينك وهو خير لك وأنفع قال وما هو قال أطلقنى حتى أقول لك فأطلقه فقال إبليس أنت رجل فقير لا شىء لك إنما أنت كل على الناس يعولونك ولعلك تحب أن تتفضل على إخوانك وتواسى جيرانك وتشبع وتستغنى عن الناس قال نعم قال فارجع عن هذا الأمر ولك على أن أجعل عند رأسك في كل ليلة دينارين إذا أصبحت أخذتهما فأنفقت على نفسك وعيالك وتصدقت على إخوانك فيكون ذلك أنفع لك وللمسلمين من قطع هذه الشجرة التى يغرس مكانها ولا يضرهم قطعها شيئا ولا ينفع إخوانك المؤمنين قطعك إياها فتفكر العابد فيما قال وقال صدق الشيخ لست بنبى فيلزمنى قطع هذه الشجرة ولا أمرنى الله أن أقطعها فأكون عاصيا بتركها وما ذكره أكثر منفعة فعاهده على الوفاء بذلك وحلف له فرجع العابد إلى متعبده فبات فلما أصبح رأى دينارين عند رأسه فأخذهما وكذلك الغد ثم اصبح اليوم الثالث وما بعده فلم ير شيئا
فغضب وأخذ فأسه على عاتقه فاستقبله إبليس في صورة شيخ فقال له إلى أين قال أقطع تلك الشجرة فقال كذبت والله ما أنت بقادر على ذلك ولا سبيل لك إليها قال فتناوله العابد ليفعل به كما فعل أول مرة فقال هيهات فأخذه إبليس وصرعه فإذا هو كالعصفور بين رجليه وقعد إبليس على صدره وقال لتنتهين عن هذا الأمر أو لأذبحنك فنظر العابد فإذا لا طاقة له به قال يا هذا غلبتنى فخل عنى وأخبرنى كيف غلبتك أولا وغلبتنى الآن فقال لأنك غضبت أول مرة لله وكانت نيتك الآخرة فسخرنى الله لك وهذه المرة غضبت لنفسك وللدنيا فصرعتك

هذه الحكايات تصديق قوله تعالى إلا عبادك منهم المخلصين إذ لا يتخلص العبد من الشيطان إلا بالإخلاص ولذلك كان معروف الكرخى رحمه الله تعالى يضرب نفسه ويقول يا نفس أخلصى تتخلصى
وقال يعقوب المكفوف المخلص من يكتم حسناته كما يكتم سيئاته
وقال سليمان طوبى لمن صحت له خطوة واحدة لا يريد بها إلا الله تعالى
وكتب عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه إلى أبى موسى الأشعرى من خلصت نيته كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس وكتب بعض الأولياء إلى أخ له أخلص النية في أعمالك يكفك القليل من العمل وقال أيوب السختيانى تخليص النيات على العمال أشد عليهم من جميع الأعمال
وكان مطرف يقول من صفا صفى له ومن خلط خلط عليه
ورؤى بعضهم في المنام فقيل له كيف وجدت أعمالك فقال كل شىء عملته لله وجدته حتى حبة رمان لقطتها من طريق وحتى هرة ماتت لنا رأيتها في كفة الحسنات وكان في قلنسوتى خيط من حرير فرأيته في كفة السيئات وكان قد نفق حمار لى قيمته مائة دينار فما رأيت له ثوابا فقلت موت سنور في كفة الحسنات وموت حمار ليس فيها فقيل لى إنه قد وجهحيث بعثت به فإنه لما قيل لك قد مات قلت في لعنه الله فبطل أجرك فيه ولو قلت في سبيل الله لوجدته في حسناتك
وفي رواية قال وكنت قد تصدقت بصدقة بين الناس فأعجبني نظرهم إلي فوجدت ذلك لا علي ولا لي قال سفيان لما سمع هذا ما أحسن حاله إذ لم يكن عليه فقد أحسن إليه وقال يحيى بن معاذ الإخلاص يميز العمل من العيوب كتمييز اللبن من الفرث والدم
وقيل كان رجل يخرج في زي النساء ويحضر كل موضع يجتمع فيه النساء من عرس أو مأتم فاتفق أن حضر يوما موضعا فيه مجمع للنساء فسرقت درة فصاحوا أن أغلقوا الباب حتى نفتش فكانوا يفتشون واحدة واحدة حتى بلغت النوبة إلى الرجل وإلى امرأة معه فدعا الله تعالى بالإخلاص وقال إن نجوت من هذه الفضيحة لا أعود إلى مثل هذا فوجدت الدرة مع تلك المرأة فصاحواأن أطلقوا الحرة فقد وجدنا الدرة وقال بعض الصوفية كنت قائما مع أبي عبيد التستري وهو يحرث أرضه بعد العصر من يوم عرفة فمر به بعض إخوانه من الأبدال فساره بشىء فقال أبو عبيد لا فمر كالسحاب يمسح الأرض حتى غاب عن عيني فقلت لأبي عبيد ما قال لك فقال سألني أن أحج معه قلت لا قلت فهلا فعلت قال ليس لي في الحج نية وقد نويت أن أتمم هذه الأرض العشية فأخاف إن حججت معه لأجله تعرضت لمقت الله تعالى لأني أدخل في عمل الله شيئا غيره فيكون ما أنا فيه أعظم عندي من سبعين حجة
ويروى عن بعضهم قال غزوت في البحر فعرض بعضنا مخلاة فقلت أشتريها فأنتفع بها في غزوي فإذا دخلت مدينة كذا بعتها فربحت فيها فاشتريتها فرأيت تلك الليلة في النوم كأن شخصين قد نزلا من السماء فقال أحدهما لصاحبه اكتب الغزاة فأملي عليه خرج فلان متنزها وفلان مرائيا وفلان تاجرا وفلان في سبيل الله ثم نظر إلي وقال اكتب فلان خرج تاجرا فقلت الله الله في أمري ما خرجت أتجر وما معي تجارة أتجر فيها ما خرجت إلا للغزو فقال يا شيخ قد أشتريت أمس مخلاة تريد أن تربح فيها فبكيت وقلت لا تكتبوني تاجرا فنظر إلى صاحبه وقال ما ترى فقال اكتب خرج فلان غازيا إلا أنه اشترى في طريقه مخلاة ليربح فيها حتى يحكم الله عز و جل فيه بما يرى
وقال سرى السقطي رحمه الله تعالى لأن تصلي ركعتين في خلوة تخلصهما خير لك من أن تكتب سبعين حديثا أو سبعمائة بعلو وقال بعضهم في إخلاص ساعة نجاة الأبد ولكن الإخلاص عزيز ويقال العلم بذر والعمل زرع وماؤه الإخلاص وقال بعضهم إذا أبغض الله عبدا أعطاه ثلاثا ومنعه ثلاثا أعطاه صحبة الصالحين ومنعه القبول منهم وأعطاه الأعمال الصالحة ومنعه

الإخلاص فيها وأعطاه الحكمة ومنعه الصدق فيها وقال السوسي مراد الله من عمل الخلائق الإخلاص فقط وقال الجنيد إن لله عبادا عقلوا فلما عقلوا عملوا فلما عملوا أخلصوا فاستدعاهم الإخلاص إلى أبواب البر أجمع وقال محمد بن سعيد المروزي الأمر كله يرجع إلى أصلين فعل منه بك وفعل منك له فترضى ما فعل وتخلص فيما تعمل فإذن أنت سعدت بهذين وفزت في الدارين
بيان حقيقة الإخلاص
اعلم أن كل شىء يتصور أن يشوبه غيره فإذا صفا عن شوبه وخلص عنه سمى خالصا ويسمى الفعل المصفى المخلص إخلاصا قال الله تعالى من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين فإنما خلوص اللبن أن لا يكون فيه شوب من الدم والفرث ومن كل ما يمكن أن يمتزج به والإخلاص يضاده الإشراك فمن ليس مخلصا فهو مشرك إلا أن الشرك درجات فالإخلاص في التوحيد يضاده التشريك في الإلهية والشرك منه خفي ومنه جلي وكذا الإخلاص والإخلاص وضده يتواردان على القلب فمحله القلب وإنما يكون ذلك في القصود والنيات
وقد ذكر حقيقة النية وأنها ترجع إلى إجابة البواعث فمهما كان الباعث واحد على التجرد سمي الفعل الصادر عنه إخلاصا بالإضافة إلى المنوى فمن تصدق وغرضه محض الرياء فهو مخلص ومن كان غرضه محض التقرب إلى الله تعالى فهو مخلص ولكن العادة جارية بتخصيص اسم الإخلاص بتجريد قصد التقرب إلى الله تعالى عن جميع الشوائب كما أن الإلحاد عبارة عن الميل ولكن خصصته العادة بالميل عن الحق ومن كان باعثه مجرد الرياء فهو معرض للهلاك ولسنا نتكلم فيه إذ قد ذكرنا ما يتعلق به في كتاب الرياء من ربع المهلكات وأقل أموره ما ورد في الخبر من إن المرائي يدعى يوم القيامة بأربع أسام يا مرائي يا مخادع يا مشرك يا كافر // حديث ان المرائي يدعى يوم القيامة يا مرائي يا مخادع الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب السنة والإخلاص وقد تقدم //
وإنما نتكلم الآن فيمن انبعث لقصد التقرب ولكن امتزج بهذا الباعث باعث آخر إما من الرياء أو من غيره من حظوظ النفس ومثال ذلك أن يصوم لينتفع بالحمية الحاصلة بالصوم مع قصد التقرب أو يعتق عبدا ليتخلص من مؤنته وسوء خلقه أو يحج ليصح مزاجه بحركة السفر أو يتخلص من شر يعرض له في بلده أو ليهرب عن عدو له في منزله أو يتبرم بأهله وولده أو بشغل هو فيه فأراد أن يستريح منه أياما أو ليغزو وليمارس الحرب ويتعلم أسبابه ويقدر به على تهيئة العساكر وجرها أو يصلي بالليل وله غرض في دفع النعاس عن نفسه به ليراقب أهله أو رحله أو يتعلم العلم ليسهل عليه طلب ما يكفيه من المال أو ليكون عزيزا بين العشيرة أو ليكون عقاره أو ماله محروسا بعز العلم عن الأطماع أو اشتغل بالدرس والوعظ ليتخلص عن كرب الصمت ويتفرج بلذة الحديث
أو تكفل بخدمة العلماء الصوفية لتكون حرمته وافرة عندهم وعند الناس أو لينال به رفقا في الدنيا او كتب مصحفا ليجود بالمواظبة على الكتابة خطه أو حج ماشيا ليخفف عن نفسه الكراء أو توضأ ليتنظف أو يتبرد
أو اغتسل لتطيب رائحته أو روى الحديث ليعرف بعلو الإسناد أو اعتكف في المسجد ليخف كراء المسكن
أو صام ليخفف عن نفسه التردد في طبخ الطعام أو ليتفرغ لأشغاله فلا يشغله الأكل عنها أو تصدق على السائل ليقطع إبرامه في السؤال عن نفسه أو يعود مريضا ليعاد إذا مرض أو يشيع جنازة ليشيع جنائز أهله أو يفعل شيئا من ذلك ليعرف بالخير ويذكر به وينظر إليه بعين الصلاح والوقار فمهما كان باعثه هو التقرب إلى الله تعالى

ولكن انضاف إليه خطرة من هذه الخطرات حتى صار العمل أخف عليه بسبب هذه الأمور فقد خرج عمله عن حد الإخلاص وخرج عن أن يكون خالصا لوجه الله تعالى وتطرق إليه الشرك
وقد قال تعالى أنا أغني الشركاء عن الشركة وبالجملة كل حظ من حظوظ الدنيا تستريح إليه النفس ويميل إليه القلب قل أم كثر إذا تطرق إلى العمل تكدر به صفوه وزال به إخلاصه
والإنسان مرتبط في حظوظه منغمس في شهواته قلما ينفك فعل من أفعاله وعبادة من عباداته عن حظوظ وأغراض عاجلة من هذه الأجناس
فلذلك قيل من سلم له من عمره لحظة واحده خالصه لوجه الله نجا وذلك لعزة الإخلاص وعسر تنقية القلب عن هذه الشوائب بل الخالص هو الذي لا باعث عليه إلا طلب القرب من الله تعالى
وهذه الحظوظ إن كانت هي الباعثة وحدها فلا يخفي شدة الأمر على صاحبه فيها وإنما نظرنا فيما إذا كان القصد الأصلي هو التقرب وانضافت إليه هذه الأمور ثم هذه الشوائب إما أن تكون في رتبة الموافقة أو في رتبة المشاركة أو في رتبة المعاونة كما سبق في النية وبالجملة فإما أن يكون الباعث النفسى مثل الباعث الدينى أو أقوى منه أو أضعف ولكل واحد حكم آخر كما سنذكره وإنما الإخلاص تخليص العمل عن هذه الشوائب كلها قليلها وكث